تحليل

ربما تلك الاستراتيجية الصينية توازي في مفارقتها السياسة الأميركية عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، والتي جسدتها بالاستثمار في بنيتها التحتية الداخلية وفيما بعد بالبنى الأوروبية المدمرة.

الجميع يعرف أن الحضور العسكري التركي للعام الثالث غرب الفرات يسهم هو في ترسيخ التقسيم كلما تأخر الحل في إدلب. واستمرار الذرائع التركية في ترسيخ هذا الحضور سيؤدي إلى فشل أعمال اللجنة الدستورية، التي ستجد أمامها عشرات العقبات ما دام معظم ممثلي المعارضة في اللجنة هم من أتباع إردوغان، المدعوم في هذه الحالة أميركياً.

بينما يترقّب العالم ردّ حزب الله على العدوان الاسرائيلي في سوريا ولبنان، يتراجع وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو عن إعلانه في وقوف واشنطن مع نتانياهو في المعركة المرتقبّة. لكنه لا يسأل الله ردّ القضاء إنما يسأله اللطف فيه.

نتنياهو الذي يتخيّل استعادة "إسرائيل" لدور الشرطي الإقليمي، يلعب بالنار في إطار تبادل الخدمات مع ترامب أملاً ببقاء الطرفين في الحكم. لكنه ربما يراهن على صراع بالوكالة للتعويض عن عجز ترامب في المواجهة العسكرية مع إيران.

السيطرة على خان شيخون تفتح الطريق لتحرير أراضٍ سورية في إدلب وصولا إلى جسر الشغور في محافظة اللاذقية. لكن تركيا التي فشلت بحماية "جيش العزّة"، تحاول على الرغم من معارضة موسكو المحافظة على موطىء قدم في مورك بدعوى استمرار نقاط المراقبة.

إشارة زعيم أنصار الله عبد الملك الحوثي إلى أن قصف حقل الشيبة هو درس مشترك للسعودية والإمارات، قد تحمل إنذاراً إلى أبو ظبي بعدم اطمئنانها إلى السيطرة على عدن والتخفي وراء ابن سلمان في الخليج. لكنه ربما يعلن عن تحكّم الجيش واللجان بقرار الحرب والسلم.

المساعي الإسرائيلية الحثيثة في المراهنة على أن تتولّى أميركا بنفسها الحرب على إيران، تكشف أن أميركا لم يعد بوسعها، بعد انتصار تموز، الاعتماد على "إسرائيل" لخوض حروبها بالوكالة في المنطقة. لكن مأزق العجز الإسرائيلي عن الحرب ضد المقاومة، ربما تتعرّض له أميركا ضد إيران.

سيطرة المجلس الانتقالي على عدن أثار عاصفة من النقد للسعودية وحكومة عبد ربه منصور هادي بسبب ما وُصف بالسكوت عن مطامع الامارات في جنوبي اليمن. لكن الأحداث التي تؤدي إلى تكريس تجزأة اليمن وانفصال الجنوب عن الشمال تثبت رؤية الجيش واللجان في مقاومة أهداف العدوان السعودي ــ الاماراتي.

الاتفاق الاميركي مع تركيا بشأن تقاسم شمال الفرات في سوريا، ربما يشير إلى وجهة عودة التقارب بين واشنطن وأنقرة في إطار السياسة الغربية لحلف شمالي الأطلسي في الشرق الأوسط. لكن هذا الاتفاق يدغدغ أحلام الرئيس التركي في إحياء "ميثاق ملّي" العثماني في احتلال شمالي سوريا والعراق.

لم تقرع تركيا طبول الحرب باتجاه شرق الفرات كما تفعل اليوم. آلاف الجنود تم تحشيدهم مقابل رأس العين في الحسكة وتل أبيض في الرقة، مئات المدرعات والآليات الثقيلة نقلت خلال الاسابيع الثلاثة الماضية، حفر خناق وفتح كوة في الجدار الفاصل مقابل تل أبيض. وقصف متقطع من حين إلى آخر بحجة سقوط قذائف من داخل الحدود السورية على قرى وبلدات تركية.

في أبعاد مجريات الأحداث الساخنة بشأن الاتفاق النووي والتوتر في مياه الخليج، تحوّلات عميقة تكشف عن صعود إيران في المعادلات الإقليمية والدولية مقابل انحدار السيطرة الأميركية. لكن آفاق المواجهة بين الطرفين قد تسفر عن تغيير المنظومة الإقليمية والدولية على حساب أميركا وحلفائها.

اجتماع "خفر السواحل" بين الإمارات وإيران في طهران، يشير إلى بحث الإمارات عن ذريعة للتراجع عن رأس الحربة في معسكر الحرب والتحالف السعودي. لكن هذا التراجع يدلّ على فشل المراهنة على الحماية الأميركية لحلفائها الخليجيين في الحرب ضد إيران.

كان بارزاً في التطورات التي شهدتها الأشهر الأخيرة في منطقة الخليج غياب الدور الروسي الفاعل عن مسرح الأحداث، أو على الأقل عن التأثير فيه بصورةٍ واضحة. تفاوض بالضغوط بين الغرب وإيران وصل إلى حدّ الالتحام الميداني في أكثر من مناسبة، وإلى حافة المواجهة المباشرة أيضاً. لكن روسيا تدخلت في اليومين الماضيين في توقيتٍ دقيقٍ بإصدارها وثيقةً تطرح من خلالها مفهومها للأمن الخليجي، وفيها إشارات لافتة جداً قد تشكّلُ مدخلاً للحل فيما لو تجاوبت معها الأطراف المعنية، لا سيما الغرب وحلفائة المتحمسين لممارسة هوايتهم بانتهاك سيادة الدول.

صقور الإدارة الأميركية الذين يكتشفون بريطانيا لإشعال فتيل الحرب في الخليج، يصطدمون بأزمة العجز البريطاني عن حماية سفنها في مضيق هرمز. لكن المراهنة على بوريس جونسون الأكثر تشدداً من تيريزا ماي، قد تكشف استفحال العجز وعودة الصقور إلى المربع الأول أمام الحائط المسدود.

لم يكن الاعتداء على حافلة الجيش السوري على طريق " اليادودة " غربي درعا الاسبوع الماضي فريداً أو استثنائياً. الحادث الدموي يأتي في سياق تحرك متصاعد لعناصر التسويات ضد مؤسسات الدولة وأخطرها التعرض للمؤسسة العسكرية. ربما الحصيلة الدامية للإعتداء التي سجلت خمسة شهداء وعشرين جريحاً في استهداف الحافلة تلاها اغتيال ضابط برتية عقيد في قرية الشيخ سعد في ريف المحافظة الغربي.. هو ما قرع ناقوس الخطر من تداعيات الاوضاع الامنية في درعا بما تحمله المحافظة من رمزية منذ اندلاع الاحداث في آذار 2011.

المزيد