تحليل

تلويح أنقرة المتلاحق في الإعراب عن عزمها تنفيذ عملية عسكرية في شرق الفرات، ربما تتعمدّه مشوباً بالغموض بشأن المدى الزمني المزمع  أن تقوم به وبشأن جغرافية هذا الشرق الذي تسعى لاحتلاله وإذا كان يضاف إلى حوالي 10 آلاف كم2 باتت تحتلها من شمال سوريا لتحيل كما يبدو الشمال السوري جنوبا لها .

هل تلجأ واشنطن لقرع طبول الحرب ضد روسيا والصين أيضا؟ سؤال يتردد على ألسنة العديد من السياسيين والمراقبين على السواء. قبل المرور على إجابة مقنعة، ينبغي النظر إلى ما تعده الولايات المتحدة من توسع وتدخل عسكري في دول اوروبا الشرقية السابقة، والأعضاء بحلف الناتو لتطوير المطارات العسكرية وتسهيلات أخرى.

لا تبدو الخطة الأميركية لتحقيق توازن في الدعم بين الكرد والأتراك والتقريب بينهما، لخلق واقع جديد، بوجود كيان صديق لتركيا على حدودها، على غرار تجربة "كردستان العراق"، فالخلفية الأيديولوجية للوحدات الكردية وحزب العمال الكردستاني واحدة ولا يمكن فصلها. وهو ما تعرفه  تركيا جيداً، لذلك تبقى الخطط الأميركية رهينة القبول التركي، الذي لا يبدو أنه لا يتخلّى عن فكرة إنهاء وجود القوات الكردية داخل سوريا نهائياً.

تنسجم ردة الفعل هذه مع تصريحات أخرى لمسؤلين رسميين في حكومة هادي، عبرت بشكل واضح عن رفضها لأية صيغة تجنب الميناء والمدينة الدمار، وقال وزير الاعلام معمر الارياني "لا يمكن القبول بأية صيغة لإدارة الميناء لا تضمن عودتها للسلطة الشرعية، والأمر ذاته ينطبق على المدينة"، وهنا يعيد وزير الإعلام في حكومة هادي مطلباً سابقاً لحكومته بانسحاب الجيش واللجان الشعبية من الميناء والمدينة، وهو الشرط الذي رفضته صنعاء خلال الفترة الماضية.

حرب اليمن التي تقودها السعودية والإمارات وحصار البلدين لقطر "حليف أميركا الأساس" في الخليج، شكلا فرصة سانحة لتحميلهما المسؤولية "في تدهور الأوضاع الإنسانية" دون المساس بمكانة ومركزية القرار الأميركي في الحرب على اليمن بشكل خاص.

الرئيس الأميركي الذي ترك الباب موارباً، لحفظ خط الرجعة في حال اضطراره إلى التخلي عن حماية ابن سلمان، أحال الكرة في الظاهر إلى الكونغرس الأميركي. لكن أبعد من الظاهر قد يكون من غير المتوقع أن يتخلى ترامب عن بصيص أمل يساعد على حماية ابن سلمان، لأسباب أعمق.

تميزت ولاية الرئيس ترامب بمناخات عاصفة منذ الأيام الأولى، واستشرت التسريبات من قوى متعددة للنيل من أهليته وقدرته على الاستمرار في تنفيذ مهامه الرئاسية، فضلا عن مسلسل فضائح أخلاقية ومسلكية لم تلبث أن تتلاشى أمام فضائح أكبر وأشد إيلاماً، لكنه ثابت في مكانه.

من جديد يوقف التحالف السعودي معركة السيطرة على الحديدة، ومن جديد تتبدّد الانتصارات التي روّجها إعلام التحالف ويتبيّن أنها لم تكن سوى انتصارات افتراضية يجافيها الواقع في الميدان. من بين كل المحاولات لاحتلال المدينة تبدو تداعيات الفشل هذه المرة أخطر من سابقاتها.. تغيّرت الظروف، لا السعودية قادرة على إحراز تقدم ولا هي قادرة على تحمّل الهزيمة وسط متغيرات في غير صالحها.

لغة المناوشات وحرب التصريحات بين الأتراك ونظرائهم الغربيين من حينٍ إلى آخر تكشف عن حقيقة الصِراع المكتوم حول الدور المسموح به للأتراك إقليمياً ودولياً. في هذا السياق يمكن قراءة الخط البياني المُتعرِّج للعلاقات الأميركية التركية.

في باريس قدّم نتنياهو خطاباً حمائمياً ظاهرياً ينطبق عليه وصف الذئب بجلد الحمل؛ وفي خان يونس كان نتنياهو يحاول غرس أنيابه في الجسد الفلسطيني، مُظهراً بذلك وجه الاحتلال الحقيقي.

النظام السياسي الأميركي "يجدد" نفسه كل سنتين بانتخابات ممثليه في الكونغرس والرئاسة كل أربع سنوات. بالنتيجة تبقى القوى الاجتماعية الراغبة في التغيير الحقيقي أسيرة ضغوط الزمان إذ لا تكاد تنتهي من جولة حتى تعد لجولة اخرى، وهكذا دواليك. بيد أن "التغيير" الآتي عبر نتائج الانتخابات لا يستطيع الصمود أمام تشتيت الأنظار والاهتمامات "وافتعال" الازمات، سواء داخلياً وخارجياً.

الضغوط المتنامية على السعودية والدول الداعمة لها في الحرب على اليمن، تأخذ أبعاداً غير مسبوقة تنبىء بأن واشنطن لم تعد تستطيع الاستمرار طويلاً في دعم التحالف السعودي في قتل المدنيين. لكن الإدارة الأميركية تسعى جهدها لاحتلال ميناء الحديدة قبل وقف إطلاق النار وفرض الشروط السعودية على صنعاء التي تستطيع قلب المعادلات على طاولة المفاوضات، إذا كسرت العدوان على الحُديدة.

تجاوزت إيران الساعات الأولى لدخول الحزمة الثانية من العقوبات الأميركية حيّز التنفيذ من دون أن تسجّل الأسواق المالية أو التجارية أيّ تدنٍ في أسعار العملة المحلية مقابل الدولار الأميركي، أو أيّ خلل في الحركة التجارية على عكس ما كان متوقعاً لدى البعض، أو على الأقل ما تنبّأ به وتمنّاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعليقاً على عودة العقوبات الأميركية.

رجالات المؤسسة الأمنية الأميركية أيضا يحملون مسؤولية التدهور الأمني لخطاب الرئيس ترامب الشعبوي والمفرط في السطحية. استضاف معهد الأمن القومي التابع لكلية الحقوق في جامعة جورج مايسون، بضواحي العاصمة واشنطن، جلسة حوارية مطلع الشهر الجاري حول "التهديدات والتحديات أمام المؤسسات الديموقراطية،" شارك فيها المدير السابق للاستخبارات الوطنية، جيمس كلابر، ومدير السي آي ايه الأسبق، مايكل هايدن. كلابر كأن أحد أهداف الطرود المتفجرة.

من هنا كان استباق أنقرة للاجتماع الرباعي حول سوريا، الذي ضم قادة كلٍ من روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا، بالإعلان عن أن المشاركين بهذه القمة "سيركزون اهتمامهم على إيجاد طرق جديدة للتسوية السياسية في هذا البلد". 

المزيد