محنة الديموقراطيين.. قيادة تقليدية وقاعدة تنشد التغيير

قد يتدخل الرئيس السابق باراك أوباما، بصفته مندوباً فوق العادة في الحزب الديموقراطي الأميركي، وذلك في إطار السعي للتوصل إلى إجماع مركزي حول مرشح بعينه.

  • محنة الديموقراطيين.. قيادة تقليدية وقاعدة تنشد التغيير

دشّن الحزب الديمقراطي بدء موسم الانتخابات الرئاسية بالاضطراب والبلبلة في واحدة من أصغر الولايات لناحية الكثافة السكانية أيوا، تبِعت ذلك اتهامات متعددة لقيادات الحزب المركزية لتدخلها في آلية الانتخابات ونتائجها لترجيح كفة مرشحها الأفضل، بيت بوتيجيج على حساب المرشح بيرني ساندرز، المناهض بشدة لهيلاري كلينتون.

المؤرخون للانتخابات الأميركية يرجّحون دخول الجولة الأولى من الانتخابات لعام 2020 في سجلات التاريخ تحت عنوان "كارثة أيوا الكبرى" حيث لم تعلَن النتائج الرسمية إلا بعد مضي بضعة أيام، ما ترك الباب واسعاً أمام التكهنات بالتلاعب بنتائجها والتي لها ما يبرّرها وفق المعطيات المتوافرة.

سنسلّط الضوء على الحلقة المركزية المغيّبة في الصراع بين قيادات الحزب الديموقراطي وقواعده الغاضبة من سلسلة قرارات خاطئة وأحياناً كارثية، ولا سيما في مسائل الحرب ودعم الأولى لموازنات عسكرية غير مسبوقة على حساب تقويض "دولة الرعاية الاجتماعية،" التي ميزت هوية الحزب منذ عقد الستينيات من القرن المنصرم، والموافقة على تمويل جدار ترامب العازل على الحدود المشتركة مع المكسيك.

الحزب الديمقراطي يتراجع عن مواقفه التاريخية اجتماعياً واقتصادياً، تسانده وسائل الإعلام التقليدية المؤيّدة له، ويتشبث بتوازن القوى الحاكمة بين الحزبين، كأولوية، حتى لو كلّفه ذلك خسارة الانتخابات الرئاسية. قد تبدو تلك المسألة صادمة وقاسية، وهي كذلك، لكن هناك ما يبرّرها في سياق تاريخ الحزب. 

أضحى من ثوابت التاريخ الماضي القريب أن قيادات الحزب وقفت مراراً سداً منيعاً أمام مرشح ديمقراطي قوي يناهض الحرب والإنفاقات العسكرية وكذلك المغامرات الخارجية؛ أبرزها مرشح الحزب عام 1968 يوجين مكارثي الذي عارض استمرار حرب فيتنام بشدة وأسقطه الحزب في مؤتمره العام لصالح "المؤسساتي" ونائب الرئيس الأسبق هيوبرت همفري – وخسر الحزب الانتخابات لصالح الجمهوري ريتشارد نيكسون.

 

التناقض والأخطاء

في الجولة التالية لعام 1972، وفي أوج الاحتجاجات والتظاهرات الطالبية الشاملة ضد استمرار الحرب في فيتنام، تقدم السيناتور جورج ماكغفرن كمرشح للحزب بدعم شعبي كبير، أيضاً وفق برنامج مناهض للحرب والخروج من فييتنام. خسر المرشح الانتخابات بنسبة عالية لصالح خصمه نيكسون معبّراً عن مرارة خداعه بالقول "فَتحتُ الأبواب على مصاريعها للحزب الديمقراطي، (وكُوفئت) بمغادرة 20 مليون شخص،" في إشارة إلى التحاق وتسجيل أعداد كبيرة من الناخبين للحزب الديموقراطي وتأييدهم برنامجه الانتخابي.

في الجولة الراهنة، ضخت وسائل الإعلام كماً هائلاً من التحشيد السياسي لصالح مرشح مرغوب فيه أُطلق عليه التصويت "لأي مرشح باستثناء بيرني" ساندرز؛ وجاءت النتائج المعلنة متسقةً مع توجهات قيادات الحزب بأن فاز مرشحها بيت بوتيجيج في ولاية محافظة رغم مناهضة جماعية هناك لميوله الجنسية، فضلاً عن ضحالة خبرته السياسية.

توالت النتائج تباعاً لتضع بوتيجيج في المرتبة الأولى، وهو الآتي من فريق كبريات الشركات، ماكينزي للاستشارات؛ بينما أُرجئت نتائج دوائر الكثافة السكانية الميالة لساندرز إلى وقت لاحق، ولا سيما في محافظة العاصمة دي موين. وتضاربت النتائج لاحقاً ما حفّز يومية "نيويورك تايمز" لتوصيف العملية الانتخابية التي أشرف عليها الحزب الديمقراطي بأنها "مصابة بالتناقض والأخطاء .. ومزقتها الثغرات".

"التناقض والأخطاء" في إدارة العملية الانتخابية دفعت رئيس الحزب، توم بيريز، المختار شخصياً من الرئيس أوباما، إلى مطالبة لجان الولاية الحزبية "بإعادة الحسابات على الفور؛ وما لبث أن ناقض نفسه بعد نحو 10 ساعات قائلاً إن ما يريده هو "إعادة تقييم جراحية للدوائر (الانتخابية) التي شهدت ثغرات".

ستقترن سمعة ولاية أيوا لا بالاضطراب والبلبة فحسب، بل بشركتي "آكرونيم و شادو Acronym & Shadow،" اللتين أنتجتا وسوّقتا البرنامج الالكتروني لنقل نتائج تصويت الدوائر الانتخابية عبر برنامج يُطبق على الهاتف. والنتيجة "تعطل" شامل أصاب شبكتي الهاتف المحمول وبرنامج التطبيق معاً.

تجدر الإشارة إلى أن تارا ماكغووان Tara McGowan، وهي من مؤسسي شركة "آكرونيم،" هي زوجة مايكل هالي، المستشار السياسي للمرشح بوتيجيج. ويضم مجلس إدارة الشركة المدير السابق لحملة الرئيس أوباما الانتخابية، ديفيد بلوف David Plouffe. أما شركة شادو فلديها عقد عمل مع حملتي بوتيجيج وبايدن الانتخابيتين منذ عام 2019.

من ضمن ما أشّرت عليه تجربة ولاية أيوا ليس انكشاف آليات التزوير المتطورة والمعقدة فحسب، بل تقادم لوائح النظام الانتخابي التي بلورتها قيادات الحزب في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، نتيجة هزيمتها المدوّية بخسارتها الانتخابات أمام الجمهوريين رونالد ريغان وجورج بوش الأب لعقد ونيّف.

بلور "المجلس الديمقراطي القيادي" خطة عمل جديدة هي أقرب إلى التماثل مع برامج الحزب الجمهوري المنافس، وتمثل ابتعاداً تدريجياً وحاسماً عن قيم الحزب الليبرالية وحماية العمال والأقليات.

طُبقت بنود الخطة بمجرد نجاح الرئيس الأسبق بيل كلينتون، وتجلّت أبرز ملامحها في "قصم ظهر النقابات العمالية"، عبر اتفاقية "نافتا" للتجارة الحرة في أميركا الشمالية، التي صادقت عليها أميركا وكندا والمكسيك عام 1993، ودخلت حيّز التنفيذ عام 1994.

كذلك طبّق الحزب الديمقراطي سياسة "السجن الجماعي Mass Incarceration" وضغط باتجاه تشدد القضاء في قرارات الحجز والاعتقال، تيمّناً ببرنامج الخصم الجمهوري تحت عنوان مخادع لمكافحة تصاعد موجات العنف في المدن الأميركية الكبرى. كما صادق الكونغرس عام 1994 على "قانون الإجرام"، أتبعه الرئيس كلينتون بالموافقة على تأسيس شركة عامة إعلامية ضخمة، كلير تشانيل، عبر قانون الاتصالات اللاسلكية لعام 1996، أولى نتائجها ترجيح كفة الخصخصة وخسارة عمال وموظفين لمصادر رزقهم.

يُشار إلى أن الشركة المذكورة، ومقرها في سان أنطونيو بولاية تكساس، قدمت طلباً للحماية من الإفلاس وفق المادة 11 من قانون التصفية، في آذار/ مارس 2018، بعد مراكمتها لجبل من الديون فاق 20 مليار دولار.

لعل الأبرز في خطة الحزب الديمقراطي الجديدة مصادقة البيت الأبيض في عهد الرئيس كلينتون على تعديل قانون إصلاح الرعاية الاجتماعية لعام 1996، عام انتخابات رئاسية أيضاً؛ ما قوّض شبكة الحماية والرعاية لذوي الدخل المحدود – وهو مطلب ثابت لدى الخصم الجمهوري.

استكمل الرئيس باراك أوباما هجوم حزبه على القيم الليبرالية للحزب الديمقراطي بانتشاله كبريات الشركات المصرفية والمضاربات المالية في "وول ستريت" من الإفلاس، 2008، تحت شعار مخادع "أنها شركات ضخمة لن يُسمح بإفلاسها".

جدير بالتذكير أن ولايتي الرئيسين الديمقراطيين، بيل كلينتون وباراك أوباما، شهدتا تصعيداً لعدوان وغزو عسكري أميركي متعدد الأوجه والساحات: العراق وحصاره الشهير ومن ثم تدميره، والسودان، والصومال، وليبيا، وسوريا واليمن؛ والانقلابات في تونس ومصر.

كما تميّزت ولايتاهما بتعزيز "دولة الأمن القومي"، وبزيادة الاستثمار في قوات الشرطة الداخلية وتسليحها تسليحاً حربياً، وإطلاق الرئيس أوباما العنان للتجسس الداخلي على الأميركيين، ضمن سياق محاباة الأجهزة الأمنية وتحكّمها في مفاصل الحياة اليومية. وعلى الرغم من ذلك، لم يتوانَ الرئيس أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون عن التشدق بالديمقراطية الأميركية، وتغيير الأنظمة غير الموالية لسياسات واشنطن.

 

ماذا بعد أيوا؟

نصّت اللوائح الداخلية للحزب الديمقراطي على اعتماد 3979 مندوباً كمجموع عام موزعين على الولايات كافة وفق حسابات الكثافة السكانية والتمثيل؛ ويحتاج المرشح إلى تأييد 1991 مندوباً، على أقل تعديل، للفوز بترشيح الحزب له.

يتضمّن المجموع العام عدداً محدداً من المندوبين غير المنتخبين، وهم عبارة عن شخصيات نافذة ومسؤولين حاليين وسابقين، يجري التعامل معهم وفق توجهات الحزب المركزية لدعم مرشح بعينه.

تُعد ولاية كاليفورنيا الجائزة الأكبر في عدد المندوبين، 494، من ضمنهم 416 مندوباً منتخباً، والباقي تحددهم لجنة الحزب المركزية في الولاية. وعليه، تتجه أنظار المرشحين كافة إلى التركيز عليها لأهميتها المحورية في رسم مسار النتائج المقبلة.

البيانات الأولية في كاليفورنيا تشير إلى تربّع المرشح بيرني ساندرز في المرتبة الأولى، بتأييد نحو 29% من المجموع العام.

في سياق الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي دخل مصطلح الانتخاب الجماعي في يوم واحد، الثلاثاء سوبر، تم تحديده يوم 3 آذار/مارس المقبل، تعقد فيه 14 ولاية انتخاباتها لاختيار مندوبيها للمؤتمر العام، 1344 مندوباً، بما يمثّل نحو ثلث المجموع العام.

سردية الحزب الديمقراطي الراهنة صنّفت المرشحين بين تيار "يسار متطرف أو اشتراكي" والتيار الوسطي العام. الأول يمثله بيرني ساندرز واليزابيث ووران، والثاني ممثل بالمرشحين بيت بوتيجيج، وجو بايدن وآيمي كلوبوشار. يراهن الحزب على بيت بوتيجيج، كمرشح أول، وعلى الملياردير مايك بلومبيرغ، كمرشح احتياط.

ما يعزّز تلك الفرضية هو تعديل اللجنة المركزي للحزب لوائحها الداخلية الصارمة حول استيفاء المرشح شروط المشاركة في دورات النقاش العام بين المرشحين، وصياغتها الجديدة لتفتح مجال المشاركة أمام بلومبيرغ الذي باستطاعته إنفاق "4 – 5 مليارات دولار" من ماله الخاص؛ وأنفق ما يقرب من 300 مليون دولار للحظة على إعلانات متلفزة.

يشير التاريخ السياسي لانتخابات الحزب الديمقراطي إلى إمكانية عدم حصول مرشح معين على الحد الأدنى من مجموع المندوبين خلال انعقاد المؤتمر العام، ما يبرز تحدياً للمضي في جولات انتخابية متتالية إلى حين استيفاء شروط اللائحة الداخلية.

سبق للحزب أن خبِر تجربة الجولات الانتخابية عام 1952، التي أسفرت عن فوز المرشح أدلاي ستيفنسن بعد ثلاث جولات.

يرجّح المراقبون أن تتكرر تجربة عام 1952 في الجولة المقبلة، ولا سيما عقب بلبلة الجولة في ولاية أيوا، ولا يزال هناك 11 مرشحاً للمنصب أحدثهم الملياردير مايك بلومبيرغ.

رئيس لجنة الحزب الديمقراطي السابق في ولاية نيو هامبشير، كريس سبيرو، أعرب عن خشيته من "اضطرابات" جديدة في المؤتمر العام "ولا سيما أن دخول (مايكل) بلومبيرغ الحلبة يعزز فرصة مؤتمر عام منقسم"، ما يضطره إلى عقد دورة انتخابية إضافية، وربما أكثر.

حينئذ، بحسب ما أوضح سبيرو، قد يتدخل الرئيس السابق أوباما، بصفته مندوباً فوق العادة، بالسعي للتوصل إلى إجماع مركزي حول مرشح بعينه.