مقالات - بثينة شعبان

لا شك أن ما صرّح به العدو الإسرائيلي عن الحراك في لبنان بأن ما يجري هناك "رائع" ينطبق جداً على تقييمه للحراك في العراق والجزائر، وربما في بلدان أخرى. وهنا نعود إلى ما قاله الرئيس بشار الأسد في مقابلته الأخيرة عن الخونة والذي ينطبق على حالات كثيرة خارج سوريا أيضاً حيث قال: "عندما يكون السوري وطنياً ولا تكون الخيانة مجرد وجهة نظر كخلاف على أي موضوع سياسي سيخرج الأميركي لوحده".. الخيانة ليست مجرد وجهة نظر والتاريخ العربي مليء بالكوارث التي سببتها الخيانة، فمتى نركز على تحصين البلدان لوضع حدّ للاختراق غير النظيف؟.

يتساءل كثيرون عن مصادر التمويل والإنفاق التي تُبقي الناس في الساحات من دون أن يقلقوا على خدمات أو طعام أو مواصلات. وتزداد الشبهة بعد أن فشلت المحاولات، إلى حدّ الآن، في إظهار القيادات التي تقود هذا الحراك رغم الدعوات إلى الحوار ومناقشة المطالب التي خرج المتظاهرون من أجلها أصلا.

الحلّ اليوم الذي لا بدّ منه في وطننا العربي على وجه الخصوص بمختلف أقطاره هو أن نعيد التفكير ملياً في أسلوب وأدوات عملنا، وفي النتائج التي أفضى إليها هذا الأسلوب وهذه الأدوات، وأن نسال بكل جرأة وصدقية: هل نحن على الطريق الصحيح، أم هناك الكثير من المفاهيم والأساليب التي تحتاج إلى تنقية حقيقية وتغيير وجهة؟

العدوان التركي الموصوف على الأراضي السورية هو دلالة الاستهانة بالعرب والعروبة، وبحاضر العرب ومستقبلهم وأدوات عملهم وطرائق التعامل بين بعضهم البعض.

هذه المرحلة صعبة في تاريخ البشرية سواء على الصعيد الدولي أو على صعيد كل دولة على حدة، لأنها مرحلة انتقالية وتحتاج إلى قيادات حكيمة وصادقة وشجاعة، وللأسف فإن هذه المعايير نادرة اليوم ولذلك علينا أن نقف مع أي قيادة في العالم تتمتع بمثل هذه المعايير وتعمل على إرسائها.

سبعون عاماً من العمل الجاد المُثمِر ولَّدت تجربة صينية جديرة أن تكون منارة ومثالاً لكلّ الشعوب والدول التي عانت من الاستعمار والطامِحة فعلاً إلى صُنع مستقبل كريم ومستقل يليق بثقافة وحضارة وكرامة شعوبها.

أسياد هذه الحرب البعيدون جغرافياً عنها والمسؤولون عن وضع الخطّة والأهداف الخفية لا يعنيهم أبداً من الذي سينتصر أو سيُهزم لأنهم مدركون أنّ الجميع خاسرون خسارة لا يمكن استردادها على مدى عقود.

في هذا التوقيت الذي يتوجَّه به أبناؤنا إلى المدارس علينا أن نفكِّر أن معركتنا الأساسية هي في مدارسنا وجامعاتنا، فهي تعتمد أولاً وأخيراً على بناء الإنسان ومن دون هذا البناء لا يمكن أبداً بناء المستقبل الأفضل لبلداننا.

لا شكّ أنّ انتصارات المقاومة في لبنان وسوريا وإيران واليمن والعراق مترابطة ومتفاعلة مع بعضها البعض، ولاشكّ أنّ انتصار تموز قد أسّس لانتصار سوريا وأنّ انتصار سوريا قد أسّس لانتصار إيران وأنّ قوّة هذا المحور تكمن في ثباته وتعاضده وتمسكه بالثوابت مهما روّجوا ولفقوا من أكاذيب وأوهام.

بلداننا التي يدين معظمها بدين الإسلام يجب أن تكون مقتنعة أصلاً وقبل كلّ أحد أن هذه الحياة عابرة وأنّنا جميعاً مؤقتون وأنّ البقاء لله والأوطان والعمل الصالح. فلماذا لا نعمل وفق هذا المعيار حين يتعلّق الأمر بمصلحة وطننا ومستقبله ولماذا استسهل الكثيرون حمل ما خفّ حمله وغلا ثمنه وغادروا هذه الأرض وكأنّه لا يربطهم بها رابط ولا يعنيهم العيش فوقها بل يمكن أن يبنوا حياتهم في أيّ مكان.

عالم الغد يتشكّل اليوم ونحن في غفلة عن مخاضه الحقيقي وعن عناصر تشكّله حيث التريث اليوم قاتل والوقت سيف مسلط على رقاب من لا يعرف قيمته وأهميته في صناعة الحدث.

يتحدثون في الغرب عن حقوق الإنسان وعن الحرية وعن الإعلام الحرّ، هذه الأحاديث فقدت معناها لأنّها أثبتت أنّها تنحصر في دائرة النفاق فقط ولكنّه نفاق عالمي يدفع ثمنه ملايين البشر الأبرياء في مناطق مختلفة من العالم.

مع أنّ الضجيج الإعلامي يتركز على خرق الاتفاق النووي مع إيران ومستقبل هذا الاتفاق والموقف الأوروبي الحقيقي المنتظر منه فإنّي أرى أنّ المستهدف من خلال تدحرج الأحداث في المنطقة هي السعودية ودول الخليج والتي رغم غناها النفطي والمادي تعتبر دون شك الحلقة الأضعف بين الامبراطوريتين القديمة والحديثة من جهة وبين إيران.

العالم قد تغيّر وهو في طور حقيقي لعالم مُتعدِّد الأقطاب يرفض الهيمنة والاستعمار والعقوبات ويعود إلى المنطق البسيط وهو أنّ حقائق التاريخ والجغرافيا تتفوّق على كلّ التهويل الإعلامي التي تجاوزه وعي الناس. البقاء هو للشعوب المؤمِنة بحقوقها والمُدافِعة عن هذه الحقوق في وجه كلّ أشكال الظلم والهيمنة والعقوبات والتاريخ حافِل بالأمثلة الناصِعة على مرّ الزمان والأجيال.

لاشكّ أنّ موقف الفصائل الفلسطينية بمقاطعة "ورشة البحرين" هو موقف هام على أن تتبعه خطوات لتوحيد الصف الفلسطيني في وجه الاحتلال الغاشم وليتمثلوا قول الرئيس حافظ الأسد: "كلّ ما يوحدنا هو صحيح وكلّ ما يفرّقنا هو خطأ".

المزيد