نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

تنامي الخوف الإسرائيلي على المصير

في العقدين الأولين من بدايات الألفية الجديدة، وقد أوغَل الكيان الإسرائيلي في تشوّهاته الذاتية، ومُمارساته المُتنافية مع التطوّرات الطبيعية لنشوء الدول، فأقام سلطته بالقوّة، ومارس أبشع أساليب الاعتداءات على الفلسطينيين في أرضهم، والجوار، يُمعِن قتلاً، وتهجيراً، وهَدْم القرى والمنازل، مع المُمارسات العنصرية، ونَشْر الاستيطان، وسنّ القوانين التي تُمعِن في استلاب الفلسطيني لحقوقه، وتصاعدت المقاومة له، ولممارساته، في الداخل والخارج بأشكالٍ شتّى، وبدأت تتشوّه صورته في أذهان العالم المُتعاطِف معه رغم ضعف إعلام العرب، إلى أن بدأت تتوارد الأخبار والتقارير عن انقلاب السحر على الساحر: هجرة يهودية مُعاكِسة من الكيان إلى خارجه، وتراجُع دعم الجاليات اليهودية للكيان، فإذا مقولة بن غوريون تنقلب عليه: "كباره يموتون.. وصغاره ينسون".

إيلناي: اليهود باتوا أقل افتخاراً بكثير من السابق بإسرائيل
إيلناي: اليهود باتوا أقل افتخاراً بكثير من السابق بإسرائيل

تورِد صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية مقالاً يُعبِّر عن تنامي الخوف الصهيوني من المصير الذي ينتظر الكيان، ويُحذِّر من مخاطر السكوت عليه، وعدم القيام بما يمكن وقف انهيار قادم، عنوان المقال "لحظة قبل الانفجار"، ويتناول الجيل اليهودي الجديد في الولايات المتحدة الأميركية، وتنامي عدم اكتراثه بما صنعه الأجداد في أرض افترض أنها أرض الميعاد. الجيل الجديد، على ما يوحي المقال، يعيش حالة من "اللاتديّن" اليهودي تجعله لا يأبه لمقولة افتراضية مُستعادَة من قرونٍ طويلةٍ، لم تعد مُتلائِمة مع الأفكار الحديثة، حتى ولو لم تكن "ثورية"، أو "تغييرية"، أو مُدرَجة في برامج نضالية لقوى، وأحزاب، واتجاهات مُختلفة. 

المقال حديث العهد، نُشِرَ بتاريخ 26 حزيران (يونيو) 2019، كاتبه "إيتي إيلناي". ينطلق من دراسة مُستفيضة أعدَّها "معهد رؤوت" (Reut Institute)، يفيد أن الدراسة استندت إلى عشرات المُقابلات مع خُبراء صهاينة في الكيان الإسرائيلي، وخارجه، وتستنتج أن "الشباب اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية لا يأبهون لإسرائيل، ولا يريدون علاقة معها".

يستهلّ المقال حديثه عن نتائج الدراسة، بعرض ثلاث محطّات انطلاق تُشير إلى بعض أسباب، وعناصر التراجُع اليهودي في الخارج لدعم كيان الأجداد، وانكفاء وَهْم إسرائيل كعنصر افتخار، ليهود أميركا، وتحوّلها إلى عنصر يُفكّك أبناء البيئات اليهودية، ويدخل مجموعات فيها بسجالات مُضطربة عن مصيرهم، واتجاهاتهم، ومُمارسات كيان أجدادهم.

المحطّات الثلاث التي ينطلق المقال منها هي، أولاً، سقوط مُخطَّط حائِط المبكى المُستنِد إلى فكرة إقامة ساحة البراق، وإقامة فسحة لصلاة مشتركة بين أطياف المجتمع الإسرائيلي، ثانياً، تصدّي المؤسّسة الدينية اليهودية ليهود إصلاحيين، وثالثاً، الدعم المُطلَق من رئيس الحكومة الإسرائيلي نتنياهو  للرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع ما لنتنياهو من يدٍ طويلةٍ داخل اللوبي الصهيوني العالمي المُتشدِّد.      

من الذين تستند الدراسة إلى آرائهم، مارتين رفائيل- 27 سنة نائباً لرئيس "المجلس اليهودي للشؤون العامة" (Jewish Council for Public Affairs- JCPA)- الذي وطَّد علاقته بالكيان الإسرائيلي ستينات وسبعينات القرن الـ20، وأبدى كل دعم مُمكن للكيان، ويُشير رفائيل بحسب الدراسة إلى أنه في أوساط الجيل اليهودي الجديد، يختلف الوضع، فهم لا يغفلون انكسارات الكيان على صعيد حقوق الأقليات، والمُمارسات، والمؤسّسات الديمقراطية، بالتوازي مع "معرفتهم بالاحتلال، وبالانتفاضات الفلسطينية، وبقوّة الكيان العسكرية"، ليخلص رفائيل أن "أبناءنا (الجُدُد) يشعرون شعوراً مختلفاً عن أجدادهم (أبناء جيله) المُلتزمين بالكيان".

JCPA تضمّ أكثر من 100 تجمّع، وهيئة يهودية في الولايات المتحدة، ومن خلالها يستشعر رفائيل المُتغيّرات، والمخاطر التي يشهدها المجتمع اليهودي الأميركي، ويعتقد أن "إسرائيل كانت في الماضي عامِلاً يوحِّد اليهود، واليوم يُقسّمهم".

ويرد في دراسة "رؤوت" إن كثيرين من اليهود يعتقدون أن "الممارسات الإسرائيلية تُعتَبر تهديداً لهويتهم، ويشعرون بتحوّل إسرائيل من داعمٍ لهم إلى عبء عليهم، وذلك في ظل تآكُل صورتها كساعيةٍ إلى السلام، وقابلة بالتعدّدية والديمقراطية"، وبحسب رأي يديعوت أحرونوت، فإن "الحكومة والمجتمع الإسرائيليين يتجاهلان وجود الشَرْخ مع يهود أميركا، فيُفاقمانه، ما يشكِّل تهديداً حقيقياً على الأمن القومي اليهودي".

وتربط دراسة "رؤوت" العديد من الثغرات في السياسة الإسرائيلية، وتتخوَّف من "الوصول إلى خطٍ يؤدّي إلى انفجار".

أحد مُعدِّي الدراسة عران شاشون يخشى أن "ينقلب الوضع إلى مشكلةٍ كبيرةٍ فهناك خطر انقلاب مجموعة منظمات يهودية، وقادة يهود في علاقتهم بإسرائيل، فيتبرّأون من تمثيلها لهم"، وبنظر شاشون "ستخسر المنظمات اليهودية الأميركية جزءاً مهماً من المجتمع اليهودي الذي يُفضِّل قَطْع صلته بإسرائيل"، ويرى أن "الجيل الشاب يتّخذ منحى أكثر تطرّفاً تجاه الكيان"، فهو بنظره "جيل أكثر تقدّمية، وأقل التزاماً بالكيان، في الوقت الذي يعتبر فيه أنه هو الجيل الذي سيقود المجتمع اليهودي في المستقبل".

ويتحدَّث شاشون عن مُفاجآت في كل ما يرتبط بالأزمة مع يهود الولايات المتحدة الأميركية، مُبدياً خشيته من أن تحدث هذه المُفاجآت لدى انتهاء ولاية ترامب ونزوله عن مسرح الرئاسة الأميركية.

ويروي عن يهود كيف يتلقّون ردّة فعل سلبية ليهود آخرين عندما يذكرون أنهم عادوا من زيارةٍ إلى الكيان الإسرائيلي، ويتلقّون الردّ بعبارة: "آه.. للأسف".

يختم المقال كلامه بأن هذه ردّة فعل نموذجية ينطق بها كثيرون، ويمكن القول إن "اليهود باتوا أقل افتخاراً بكثير من السابق بإسرائيل، أو بالصهيونية تجاه الخارج، ففي محافِل اجتماعية، نحن جزء منها، بات دعم إسرائيل غير شعبي"، يقول إيلناي.

بين تكهّنات المؤسِّس بن غوريون، وما وصلت إليه الحال في المجتمعات والبيئات اليهودية الأميركية، بحسب رؤوت، يمكن القول إن "السِحر ينقلب على الساحِر، فالكبار الإسرائيليون يموتون، والصِغار ينسون".

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً