صفقة القرن تدخل مساجد المغرب.. لماذا عُزل الخطيب؟

نبدأ حديثنا بالإشارة إلى مقتطف من خطبة الجمعة بتاريخ 14 شباط/فبراير الماضي في مسجد بن حزم بمدينة وجدة المغربية للخطيب محمّد شركي، والتي تم على أساسها عزل خطيب المسجد.

  • الخطيب محمد شركي عبَّر في العُمق عن رأي وموقف شعب بأكمله

"إن مناسبة حديث هذه الجمعة هو الإعلان عن مؤامرة كُبرى في الولايات المتحدة الأميركية أطلق عليها إسم صفقة القرن. ولقد نقلت لنا وسائل الإعلام كيف صفق الرئيس الأميركي يد رئيس الوزراء الصهيوني في عملية بيع تستهدف بيت المقدس، وأكنافه وعموم أرض فلسطين. وهذا الحدث اقتضى الحديث عن مكانة هذه الأرض عند المسلمين، فهي بمثابة وقف إسلامي لا يُباع ولا يُشترى، كما اقتضى أن يُذكّر المسلمين بواجبهم تجاه هذا الوقف كل حسب قُدرته، وحسب موقعه. وأكثر الناس مسؤولية عنه حُكَّام المسلمين الذين قلَّدهم الله عزّ وجلّ أمر المسلمين، وأمر الدين، وكل ما يتعلّق به بما في ذلك الأماكن المُقدَّسة.

من المؤسِف أن تغفل الأمَّة عن خطورة هذه الصفقة المشؤومة مع أن الحدث جلل، والمصيبة عُظمى لأن اليهود أرادوا مُقايضة المسلمين في مُقدَّساتهم بأرض فلسطين بالمال، وكلّفوا الإدارة الأميركية بتمرير هذه الصفقة، وقد توعَّدت هذه الأخيرة المسلمين في فلسطين بالويل والثبور وعواقب الأمور إن هم لم يقبلوا بهذه الصفقة المُذلّة لهم ذلاً كبيراً، وفي إذلالهم إذلال للمسلمين جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها.

اللهم عجِّل بتحرير بيت المقدس من أسْرِ الصهاينة المُحتلين، وثبِّت المجاهدين المُرابطين فيه، وأمددهم بمَدَدِك وعونك، وانصرهم نصراً تعزّ به الدين، وارحم شهداءهم يا أرحم الراحمين..

اللهم كما ولّيت أمير المؤمنين أمر الأمَّة المغربية المسلمة في هذا البلد الأمين، وشرَّفته برئاسة لجنة القدس، فاجعل اللهم له شرف تحريرها". 

في عزّ تخاذُل الحكّام العرب اتجاه القضية الفلسطينية وغضّ الطرف على تمرير فلسطين للصهاينة، بل مساعدتهم على ذلك، يُظهر هذا المقتطف من خطبة الجمعة في مسجدٍ من مساجد مدينة وجدة المغربية، عاصمة الجهة الشرقية للبلاد وجارة الجزائر الشقيقة، على اتّساع الهوَّة بين الحاكِم والمحكوم في الدول العربية. فقد زعزعت هذه الخطبة أركان حيطان وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، وبادر وزيرها إلى عزل هذا الخطيب العظيم، قبل أن يأكل كسكس الجمعة. والسؤال الذي يطرح نفسه، وتتناسل عنه سلسلة من الأسئلة الأخرى هو: لماذا تمّ هذا العزل، وبهذه السرعة الفائِقة لرجلٍ لم يقل ما هو غير موجود؟

هناك مداخل مُتعدِّدة للإجابة على هذا السؤال، بل مستويات تحليل مختلفة، لا يسمح المقام هنا للتوسّع فيها كلها. فإذا كانت خُطب الجمعة تذكيراً للمسلمين بمسؤوليّاتهم اتجاه ربّهم وأرضهم وأمَّتهم، فإن هذه الخطبة، وما ترتَّب عنها من عزلٍ للخطيب، شهادة إثبات على الهوَّة الساحِقة التي توجد بين عامّة الشعب والحكَّام العرب في ما يخصّ القضايا المصيرية لأمَّتهم. وإذا كان العزل يتوخَّى إسكات صوت الشعب وإقبار إرادته التي لا تحيد للمساهمة في الذّود عن قضايا الأمَّة العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، فإنه أيضا يُشعِل فتيل وعي المغاربة قاطبة بمسؤوليّتهم الأخلاقية والحضارية اتجاه أمَّتهم. بل تعزِّز الشعور العام في الوعي الجَمْعي المغربي بأنه لا يحقّ له التعويل على حكَّامه من أجل بلوغ هذا الهدف.

ما اعتبر من طرف الحكَّام خطيراً ليس هو التطرّق لنيّة ترامب وإدارته تمرير أرض ليست له، لمَن ليس له أرض أصلاً. فإذا كان هذا الحب الذي يكنّه ترامب للصهاينة بهذا القدر من الأهمية، فلماذا لم يهبهم كاليفورنيا أو تكساس؟ قد يقول قائل، إن كل أميركا ملكهم، وحتى ترامب لا يُعتَبر إلا خادِماً لهم. إن الخطبة تذكِّر الحكَّام العرب بمسؤولياتهم اتجاه المسلمين وأماكنهم المُقدَّسة، وبالخصوص المسجد الأقصى، المُهدَّد واقعياً بالزوال من طرف الصهاينة ما دام هؤلاء الحكَّام مُتقاعسين، بل مؤيِّدين للقضاء عليه.

ولعلّ ما استنفرّ كل أجهزة المخابرات المغربية، المرئية والمُستَتِرة والمُتستِّرة، هو خاتِمة الخطبة: "اللهم كما ولّيت أمير المؤمنين أمر الأمَّة المغربية المسلمة في هذا البلد الأمين، وشرَّفته برئاسة لجنة القدس، فاجعل اللهم له شرف تحريرها". فهذا التذكير بمسؤولية "أمير المؤمنين" اتجاه القدس، والدُعاء بمساعدته على تحرير القدس هما القنبلة الموقوتة في هذا الخطاب. فالحكَّام العرب لا يريدون تحرير القدس، بل هم مُستعدّون لفتح أبوابهم للصهاينة لبسط نفوذهم حتى على المسجد النبوي والمسجد الحَرام، ولتعويضٍ مادي على فتح خيبر في عهد النبي (ص) والاعتذار لهم عن ذلك وترميم وإصلاح أماكن تعبّدهم في ربوع العالم العربي على نفقة مال المسلمين.

لا داعي للتذكير هنا بأن الخطيب عبَّر في العُمق عن رأي وموقف شعب بأكمله، وهو مشكور على هذا، سواء أكان واعياً بما قام به أم لا، ونتمنَّى أنه كان على وعي تام بموقفه هذا. 

لا داعي أيضاً للتذكير بأن توقيفه عن العمل هو محاولة جديدة لتعطيل حرية التعبير واستغلال بيوت الله للترويج للمُخطَّط الصهيوني، بل هو انبطاح أمام الصهاينة والبرهنة لهم بأن الحكَّام العرب يساهمون مباشرة في تمرير صفقة القرن، بإغلاق أفواه كل مَن سوَّلت له نفسه النَيْل منها، ولو بالكلام.

كيفما كانت الحال، فإن خطبة هذا الخطيب هي شرارة أمل لاستمرار الموقف الرافِض للذلّ العربي، وتهافُت الحاكِم العربي لإرضاء الصهاينة تحت سوط الإدارة الأميركية. وإذا كانت الهوَّة بين الحاكِم والمحكوم في الدول العربية قد وصلت في العُمق إلى مرحلة لا رجعة فيها، فإن الحكَّام واعون بها، وطَوْق نجاتهم من مصيرهم المحتوم هم الصهاينة. 

وعلى الرغم من تكالُب حكَّامهم، فإن الشعوب العربية قادِرة على تغيير مسار التاريخ الذي يحاول المرء فرضه عليهم، وتغيير الجغرافيات لتبقى فلسطين للفلسطينيين والأماكن المُقدَّسة للمسلمين والمسيحيين.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً