حميد لشهب

دكتور سيكو-بيداغوجي، مترجم وكاتب - النمسا

الحاج نتنياهو والحاخام ابن سلمان

المؤسِف أنَّ آل سعود لم ينتبهوا ولا يريدون الانتباه إلى التكتيكات الصهيونية للاستيلاء عليهم، ولا يعيرون أيّ اهتمام للغة الرموز التي استعملها الصهاينة في الأيام والأسابيع والشهور الأخيرة.

  • لكي تتخلَّص الإمبريالية الأميركية من السعودية، قدَّمتها على طَبَقٍ من ذهب للصهاينة

لا نزال نُنبِّه منذ أكثر من 10 سنوات إلى أنّ الهدف الأخير للإمبريالية الصهيونية، مدعومةً بالغرب برمَّته، وخصوصاً أميركا، هو الاستيلاء على السعودية كدولةٍ عربيةٍ برموزٍ ثقافيةٍ ودينية واستراتيجية مهمَّة للغاية.

عملنا من خلال هذا الاستشراف على التأكيد أنَّ مصير آل سعود، كحُكَّامٍ حاليين للسعودية، يقترب بخُطى حثيثة من نهايته المحتومة. وليس في هذا الاستشراف أية مُبالَغة، بل هو مؤسَّس على استقراءٍ للأحداث التاريخية ووقائع العصر التي تؤكِّد كلَّ مرة طَرْق المرء بابها أنّ طبيعة النظام السعودي لا تسمح له البتّة بالاستمرار، لأنه غير مؤسَّس على أهمّ ما يجب على نظام امتلاكه: إرادة الحرية والاستقلال السياسي الحقيقيين. 

في إشارةٍ سريعةٍ فقط، نذكر أنَّ النظام السعوديّ لم يُكتَب له الاستمرار منذ وجوده إلا "بحماية" مباشرة من قوى استعمارية، بل هو وليد هذه القوى، ولم يستطع التخلّص من هيمنتها عليه، ليؤسِّس دولة سعوديّة قوية بمؤهّلاتها الذاتية، بقدر ما يربطه المرء إلى وَتَد الإمبريالية.

ولكي تتخلَّص الإمبريالية الأميركية من السعودية، قدَّمتها على طَبَقٍ من ذهب للصهاينة الذين حقَّقوا في وقتٍ قياسي اختراق العالم العربي من البوابة السعودية، ليُعيدوا تحديد جغرافيا المنطقة وتاريخها.

المؤسِف أنَّ آل سعود لم ينتبهوا ولا يريدون الانتباه إلى التكتيكات الصهيونية للاستيلاء عليهم، ولا يعيرون أيّ اهتمام للغة الرموز التي استعملها الصهاينة في الأيام والأسابيع والشهور الأخيرة، لإيهامهم بأن علاقة "الحبّ" التي أعلنوها تجاههم صادِقة. 

إنّ تصريح نتنياهو في حسابه على فايسبوك، مُستغّلاً الآية 27 من سورة الحج: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً على كل ضامر ويأتين من كل فجّ عميق}، وتصريح رئيس كتلة الليكود الحالي بعزمه على تنظيم رحلات إلى الحج لا يتعدَّى ثمنها رُبع ما يدفعه الفلسطينيون لتأدية فريضة الحج حالياً، وإعلان وزير الداخلية في الحكومة الصهيونية الحالية بأنه سمح لفلسطينيي الداخل بزيارة السعودية من دون تأشيرة بغَرَض الحج أو العُمرة أو التجارة، كلّها إشارات واضحة إلى أنَّ نيَّة "إسرائيل" هي استغلال الفُرصة التاريخية التي قُدّمت لها للاستيلاء على السعودية. 

ربما سيكونون أسخياء معهم هذه المرة، ويُنصِّبون إبن سلمان حاخاماً على خيبر، اعترافاً له بما قدَّمه من خدماتٍ جليلةٍ، وبالمجّان، للإمبريالية الصهيونية.

إذا استحضرنا مقولة "خداع التاريخ" للفيلسوف الألماني هيغل، وسلَّمنا بتقسيمه التاريخ إلى تاريخٍ ظاهري وآخر مُضمر، فإننا نقرأ هذا الخِداع كإرادة الصهاينة إخضاع الطبيعة والمصير العربيين لعقلٍ صهيوني أحكم سيطرته على مختلف مناحي حياة العربي حالياً. 

وإذا كانت هذه العبارة مُستوحاة من الدمار الذي تسبَّب به نابليون في الكثير من الدول الأوروبية، والغطرسة التي تعامَل بها مع الشعوب الأوروبية، مُحاولاً تجميد التاريخ بالقتل وسفك الدماء وقَطْع الرؤوس، فإنَّ مُكر التاريخ العربي يتجلَّى في سياسة آل سعود تجاه شعبهم والشعوب العربية قاطِبة. 

ففي كلّ مُحاولاتهم السيطرة على الزَعامة في العالم العربي، ساهموا في دمار أقطار عربية بكاملها وشجَّعوا على ذلك (العراق وسوريا وليبيا واليمن...)، وما زالوا يساهمون فيه ويشجِّعون عليه حتى الآن، بغطرسةٍ لا نظير لها، في محاولةٍ منهم لوقف التاريخ واختزاله في الوهَّابية، كإيديولوجيةٍ تمرّ من الإفصاح عنها، إلى اشتغالها في الخفاء، مُرتديةً عباءات حديثة، كالديسكو الحلال والويسكي الحلال.

لم ينجح آل سعود في بناء دولة بالمفهوم الحديث للكلمة، بل قوّوا سلطة مجموعة بشرية لفئة "مُختارة" تعيث فساداً في البلاد والعباد. ومن دون وعي هذا التخلّف التاريخيّ، والعمل على تجاوزه بتنظيم مُعَقْلَن للدولة، لن يخرج آل سعود من دائرة طلب الحماية، وآخرها حماية الصهاينة لعرشهم.

قال الملك سلمان في خطابه في مجلس الشورى في دورته الأخيرة: "رسالتنا للجميع أن لا مكان بيننا لمُتطرِّفٍ يرى الاعتدال انحلالاً، ويستغلّ عقيدتنا السَمحاء لتحقيق أهدافه، ولا مكان بيننا لمُنحلِّ يرى في حربنا على التطرّف وسيلة لنشر الانحلال واستغلال يُسْر الدين لتحقيق أهدافه".

مَن هو المُتطرِّف الذي يتحدَّث عنه الملك إذاً؟ ألا يُعتَبر نتنياهو شيخ المُتطرِّفين العالميين أم المُتطرِّف المقصود في خطابه هو المجتمع السعودي نفسه، الذي بدأ بالتحرّك ليصبح مُكوّناً من مواطنين، وليس من رعايا، يُمارس بحقّهم الحَجْر الذي يقف في وجه مرورهم إلى مرحلة الرُشد في تاريخهم؟

يحاول آل سعود إبقاء تاريخ السعودية في مرحلة الطفولة لأطول مدَّةٍ مُمكِنة، لكنهم لا يفقهون أنَّ منطق التاريخ هو الوصول إلى مرحلة الرُشد الضرورية ليصبح الشعب شعباً، ما دام هناك ارتباط قوي بين الدولة والحرية، كما نظَّر هيغل. 

إنَّ نُضج مجتمعٍ ما يعني في هذا الإطار وعيه بأهميّة حريّته والوصول إليها وتحقيقها في الدولة من أجل التقدّم الشامِل لهذا المجتمع. وتبقى الدولة ناقِصة ما دامت قد فرضت على شعبها قيوداً مُجْحِفة، وخصوصاً مدّ يدها إلى الشيطان لِتُبْقِيَ على سلطتها.

إذا كان هيغل قد نَظَّرَ لمقولة "خِداع التاريخ" ووصفها وشرحها، فإن مُقْتَطف خطاب ملك السعودية الآنِف الذِكر لا يُخفي تزوير التاريخ ومحاولة الالتفاف عليه. كلّ مَن يُحسِن قراءة ما لا يُقال، أو قوله بضدّه، لا يُخفى عليه أن كل كلمة تعني ضدّها في هذا المُقْتَطف.

لا يمكن لأيِّ إنسان أن يثق بأنَّ الدولة التي تأسَّست على التعصّب ومارسته إلى اليوم، وتأسَّست على إقصاء كل رأي آخر ومُحاربته، ولو بالاغتيال، قادِرة على أن تغيِّر بوصلة سياستها بين عشيّة وضُحاها.

كل مَن استغلّ الإسلام في سياسته لا يستطيع بجرّةِ قلمٍ التوقّف عن هذا الاستغلال، وكل مَن يُريد مُحاربة التطرّف، يعرف أنّ الأخير هو الإبن الشرعي للوهَّابية، ولا يمكنها بحال من الأحوال التخلّي عنه، إلا كتكتيكٍ لتقويته.

إنَّ شعار "تنفّس" المُطلق حالياً في السعودية، مفاده انشغال آل سعود لكي يتنفَّسوا من كلِّ الضغوطات التي سبَّبوها لأنفسهم، وهي ضغوطات، إن لم يُحسِنوا حلَّها، فستقود إلى رميهم في سلَّة مُهملات التاريخ البشري، ليتنفَّس العالم العربي والمسلم من كل الويلات التي تسبَّبوا له بها.

إذا رجعنا إلى "الحاج" نتنياهو، فلا بدَّ لنا من التذكير بمؤسِّس دولة صهيون، وتصنيفه هذه "الدولة" كموقعٍ مُتقدّمٍ للحضارة الغربيّة في الشرق الأوسط، بل إنه حدَّد هدفها في الدفاع عن "الحضارة" ضدّ البربرية. وحتى الآن، تتشبّث "دولة" الصهاينة في تحديد هُويّتها وثقافتها كثقافةٍ وهويةٍ غربيةٍ أوروبية.

إنّ تزوير التاريخ هنا يتجلَّى في إقدام الصهاينة حالياً على تشجيع الأنظمة الوحشيّة العربيّة في الشرق الأوسط على وجه الخصوص، وتحالفها مع مَن كان يُقدِّم نفسه عدوّاً لدوداً للغرب وحضارته لغاية الأمس القريب.

هذا التشجيع هو في العُمق تطويق للحكومات العربيّة المُهَرْوِلة، وإدخالها في حظيرة الخِراف السياسية للمحافظة عليها كأيقوناتٍ ترمز إلى تطويع الصهاينة للعالم العربيّ، كهدفٍ أسمى للحضارة الغربية منذ الحركات الاستعمارية الأولى.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً