سوزان محمود طراف

أخصائية تسويق إلكتروني، ناشطة إجتماعية

أن تصبح أماً لوالدتك

"ماما يللا فيقي"، بهذه الكلمات ادعوها لأن تفتح عينيها الجميلتين ولتتفتح معها آمالي الجديدة، ومن بعدها يبدأ مشوارنا اليومي أنا وهي.

  • ما قمت به لكي يكافئني الله بهذا الدور مع أمي؟

إنها الساعة السابعة والنصف صباحاً، موعد استيقاظي أنا وأمي، موعد ثابت لا يؤخره أي حدث ما مهما كان، حتى ولو كنت مُتعَبة ولا يقوى جسدي على الحركة، موعد أمي مع الصباح موعد مقدّس علينا احترامه وتنسيق لقائهما من تحضير القهوة ووضع الورود على الطاولة وتحضير كل ما يلزم ليكون الصباح صباح الخير مع أمي. 

"ماما يللا فيقي"، بهذه الكلمات ادعوها لأن تفتح عينيها الجميلتين ولتتفتح معها آمالي الجديدة، ومن بعدها يبدأ مشوارنا اليومي أنا وهي.

أن تصبح أماً لوالدتك هو الدور الأجمل على الإطلاق، أنا وأمي تبادلنا الأدوار منذ سنتين، لربما كانت هذه مشيئة الحياة .

ما هذا العمل الجميل الذي كنت قد قمت به لكي يكافئني الله لأن ألعب هذا الدور مع أمي؟ منذ لحظات الاستيقاظ حتى لحظات نومها كل شيء يدعوني لأن أغرقها بعاطفتي حتى وأنا في أشدّ لحظات ضعفي وحاجتي لأن أنام على كتفها وأقول لها كم أنا متعبة.

كل يوم مع أمي هو يوم جديد لي لأتعلّم منها كيف يمكننا أن نحب من دون قيد أو شرط، أن نحب وأن لا ننتظر مقابل. أتعلم منها أن الأمهات عظيمات للحد الذي يدفعني للبكاء على أيام لربما جعلتها تنام حزينة على تصرّف أذيتها فيه من دون قصد. 

أمي "السلطانة" كما نناديها أنا وإخوتي، السلطانة هيام، الأم التي ما بخلت علينا يوماً لا بعاطفة و لا بتضحية و لا بعناق، ولا بأي شيء جميل يدخل على قلوبنا السعادة ولو كان على حساب صحّتها وسعادتها وحاجاتها، الأخت التي حاصرها الفقد مرتين متتاليتين وبفترة زمنية قصيرة جدا"، جعل منها إمرأة حزينة لغياب أخوتها الذين تحبهم حباً غير مشروط، دفعت ثمنه صحتها وقدرتها على المشي والنطق.

إنه ليس بالأمر السهل أن ترى أمك عاجزة عن المشي  والتعبير، تجتاحك أيام كثيرة تشتاق فيها للحديث معها وسماع صوتها تناديك في أرجاء المنزل، تناديك معاتبة" وحبا" وشوقا"، تناديك لأجل الطعام أو لتطلب منك الانتباه عند الخروج من المنزل، أو لتتشاركوا حدثاً معيناً، مع أن أمي حتى في وضعها الحالي لا تبخل علينا أنا وأخوتي بالعاطفة ، فهي تملك قدرة الاعتناء بنا ولوعن طريق حركة يدها اليسرى لتقول لنا مثلاً كم تحبنا أو كم أن ثيابنا جميلة ، أو أن نقود السيارة على مهل أو لتسألنا إن كنا قد تناولنا الفطور قبل مغادرتنا المنزل  ..الأم دائماً لديها الحلول السحرية  والقدرة على احتواء أبنائها حتى لو منعتها ظروف الحياة كلها مجتمعة، إنها قدرة الله الجميلة التي زرعت فيها.

الخامس من تشرين الثاني 2017، يوم الحادثة الأليمة يوم تعرضها لنزيف دماغي حاد ونحن ننقلها إلى المستشفى، أذكر جيداً كيف شدّت على يدي وقبلتها ومن بعدها نظرت خلفها لترانا أنا وأخوتي قبل أن تغمض جفنيها ، وتدخل في غيبوبة لمدة شهر ونصف الشهر .

شهر ونصف الشهر كانا كفيلين لأن يغيرا مسار حياة أسرة بأكملها، من احلام إلى أسلوب حياة إلى كل شيء.

ترقّب،إنتظار،خوف ، دموع ودُعاء، ندخل يومياً عند الساعة التاسعة صباحاً إلى غرفة العناية المشدّدة ، نمسك بيدها، نراقب دقّات قلبها، درجات التنفّس الطبيعي والتنفّس الاصطناعي، نخبرها أخبارنا لعلّها تسمعنا، كنا نؤمن أنها تسمعنا،"ماما إذا سمعتيني شديلي ع إيدي" ، تشدّ على يدي، أركض باتجاه الممرضة ، "وحياة الله شدّتلي ع إيدي"، تبتسم الممرضة وتقول لي إن شاءالله وكأنها لا تصدّقني. في صباح أحد الأيام انتظرت الطبيب المعالِج ، أسميته حينها السوبرمان لأنه أنقذ أمي من الموت المُحتّم، دخلنا سوياً لرؤيتها وأثبت له كيف أنها تشدّ على يدي عند سماعها صوتي، إبتسم حينها وقال لي  "إنها الأم ، تسمع أبناءها حتى وإن كانت على شفير الموت، تأتي وتلبّي نداءاتهم " وأمك أم عظيمة ستحارب لأجلكم وإن شاءالله ستعود.

خاضت أمي حرباً شرِسة لأجلنا، فهي لن تتركنا وحدنا بعد أن فقدنا أبي، عادت إلى المنزل بعد شهرين وعشرة أيام، كانت عودتها حزينة، لأنها عادت عاجزة جسدياً وعاطفياً بعد أن فقدت رفيق دربها وحياتها ولم تودّعه حتى الوداع الأخير.

هنا بدأت حياتنا الجديدة، أمي التي لا تقوى على المشي والنُطق ، لكن لا يهمّ المهم أنها معنا الآن . نحن نتحدّث نيابة عنها، نمسك بيدها اليُمنى، نخطو معها الأماكن التي تريد زيارتها، نلعب دور المُترجِم للآخرين، نترجم لهم حركات يديها، ماذا تريد أن تخبرهم نحن جنودها في معركتها الجديدة، نكتفي بابتسامتها لنشعر بالنعيم الذي أنعم الله علينا به ولنشعر كم أننا بخير معها وبها.

أمي الحب الأبيض في قلبي، خلاصي من رَتابة الرمادي في الحياة، "أحبك قد البحر" كنت أقولها لك وأنا طفلة، لم أدرك الأحجام حينها، لا أعرف أن الأرض نقطة في بحر المجرّات، كنت طفلة وأحبك بظنوني ..أحبك بكل قلوب الأرض، في عيدك وعيد جميع الأمهات الملائكة أتمنّى أن يمدّك الله فوق عُمرك عُمراً لأبقى أنام وأن أنتظر "صباح الخير مع أمي"...

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً