النسخة الجميلة من الحجر المنزلي.. هكذا يقضي "المؤثّرون" أوقاتهم

كل هذا يجعلنا نقف لنسأل أنفسنا: هل جعل منا الخبر والصورة أناساً انتقائيين لإنسانيتنا؟

  • الفيروس الذي تخطى بانتشاره الحدود والدول والجنسيات والأعراق، كشف لنا أننا بتنا بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في مفهومنا لإنسانيتنا

كارين وازن أم لثلاثة أولاد. مؤثرة اجتماعية و"فاشينيستا" لبنانية الجنسية. هكذا تعرّف عن نفسها في صفحتها الخاصة على إنستغرام. أتصفَّح حسابها بشكل شبه يومي. أراقب مشاريع الأم و"الفاشينيستا" التي تحاول قدر المستطاع أن تنقل حياتها اليومية مع عائلتها الصغيرة إلى متابعينها الذين تخطّى عددهم مليوني متابع .

"إنه يومنا الـ14 في الحجر المنزلي. أحضّر الطعام مع زوجي وأطفالي الثلاثة". ترسم على وجهها ابتسامة عريضة تدعوك حكماً إلى "التفاؤل". "لا داعي للهلع. ابقوا فقط في منازلكم حفاظاً على صحّتكم وصحة عائلتكم". هكذا تدعو كارين متابعينها إلى البقاء في المنزل خلال فترة الحجر المنزلي.

بعد ساعتين، أفتح حسابي على إنستغرام من جديد. تمرّ أمامي صورة جديدة لها وهي تجلس في حديقة منزلها في إمارة دبي. الابتسامة نفسها تعلو وجهها، لكن هذه المرة أرى 3 عبوات من أحد أنواع "الشامبو" تتصدّر صورتها. تنصح كارن باستخدامه، وتطلب منا أن لا ننسى الاعتناء بشعرنا خلال هذه الفترة .

خبر إعداد الفنان اللبناني راغب علامة الباستا، وخبر آخر للإعلامية اللبنانية منى أبو حمزة وهي تحضر قالباً من الحلوى، وأخبار متفرقة عن فنانات يطبخن خلال فترة الحجر المنزلي... أخبار تتصدّر مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية.

تتنوّع التعليقات بين السخرية والاستغراب والإعجاب. أخبار كهذه تصدّرت برامج "التراند" على شاشات التلفزة، وأُعدَّت لأجلها تقارير، وأُجريت اتصالات مع الفنانين، لسؤالهم عن كيفية تمضية أوقاتهم هذه الأيام .

هكذا إذاً يقضي حالياً معظم المؤثرين الاجتماعيين، من "فاشينيستا" وفنانين، أوقاتهم بين رياضة وطهو ومشاهدة أفلام وتصوير مقاطع ترفيهية وغيرها من الأنشطة الجميلة. لا بد من أنها النسخة الجميلة من الحجر المنزلي!

ولكن مهلاً، أين الفقراء والمهمّشون وأصحاب الدخل المحدود من كل هذا؟ أين العامل اليومي وسائق التاكسي وبائع الترمس والفول على الكورنيش البحري؟ كيف يقضي هؤلاء يومهم في الحجر المنزلي مع عائلتهم؟ هل يمارسون الرياضة ويقومون بطهو الباستا وإعداد الفطائر؟ هل يستيقظ أحدهم ويتواصل مع إحدى شركات الإعلانات ويروّج لمعجون حلاقة لا يستخدمه أصلاً مقابل مبلغ من المال؟

خبر إحراق مواطن لبناني سيارة الأجرة الخاصة به، بعد أن حُرر محضر ضبط باسمه لمخالفته قانون منع التجوّل، لم يكن مادة دسمة على شاشات التلفزة أو في مواقع التواصل الاجتماعي، ولم يطلق "هاشتاغ" حول الحادثة.

تناول عدد قليل من المغردين الناشطين الخبر، ليجمعوا تبرعات بهدف شراء سيارة جديدة له، ولكن سرعان ما غاب الخبر بعد ساعتين أو 3 ساعات عن مواقع التواصل الاجتماعي.

أخبار المساعدات الاجتماعيَّة وصور المعلّبات والأطعمة مع لاصقات تبرز هُوية المتبرع، سواء كان حزباً سياسياً أو جمعية "إنسانية"، والبث المباشر الذي يخصّص لجمع التبرعات للمحتاجين والمستشفيات، وكأننا في مزاد علني بين المتبرعين، لنيل الحصة الأكبر من "البرافو على تبرعاته"... كل هذا يجعلنا نقف لنسأل أنفسنا: هل جعل منا الخبر والصورة أناساً انتقائيين لإنسانيتنا؟ هل يحركنا "الترند" بحسب أهوائه، حتى أصبحنا سجناء لأخبار مواقع التواصل الاجتماعي؟

نحن اليوم أمام كارثة ومأساة إنسانية عالمية تتضح معالمها يوماً بعد يوم، ويتبيّن معها الشرخ الواضح بين المجتمعات والجماعات التي تواجه المصيبة ذاتها.

الفيروس الذي تخطى بانتشاره الحدود والدول والجنسيات والأعراق، كشف لنا أننا بتنا بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في مفهومنا لإنسانيتنا، وفي طرق تعاملنا مع بعضنا البعض، أفراداً وجماعات وحكومات، وكشف لنا أيضاً، وبكل أسف، أن الفقير، أينما حل، إن لم يقتله الوباء، تقتله الحاجة والعوز، ويمكن أن يكون فقط مادة دسمة لمحطات التلفزة من أجل مزادات المتبرعين الذين يغيبون ويظهرون عند حاجتهم لذلك .

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
سوزان محمود طراف

أخصائية تسويق إلكتروني، ناشطة إجتماعية

إقرأ للكاتب

أن تصبح أماً لوالدتك

"ماما يللا فيقي"، بهذه الكلمات ادعوها لأن تفتح عينيها الجميلتين ولتتفتح معها آمالي الجديدة، ومن...