شركات عابرة للدول تتحّكم بصحّتنا.. هل بتنا حقل تجارب؟

تكثر الافتراضات والإشاعات، وتختلط الأخبار الصحيحة بالمزيفة عند كل أزمة تشغل العالم. واليوم، هذا هو حال الأزمة العالمية الحالية التي لم يسبق لها مثيل، والتي تسبب بها فيروس كورونا. 

  • من بين مسارح تجارب الصناعة الحربية، نذكر أفغانستان، والحرب الإيرانية العراقية، وحربي الخليج

سيجد المتأمل في هذه الأزمة أنها لم تسلم في الكثير من نواحيها من الإشاعات، ومنها ما يفوق الخيال، سواء في أعراض الفيروس نفسه أو أسباب ظهوره وسرعة تفشيه، أو ما إذا كان طبيعياً أو مُصطنعاً ويدخل في إيديولوجية حروب الجيل الرابع. 

في الواقع، إن المفكرين العرب، باستثناء البعض منهم، لم يساهموا في فهم الأزمة بأدوات علمية عقلية، بقدر ما انزلق بعضهم في تكهنات واستشراف للمستقبل من خلال التنبؤ بحرب عالمية ثالثة مثلاً.

 أود في هذه المقالة التعرض لبُعدين من أبعاد ما أسميه الكارثة الوبائية: البعد العلمي والبعد الإنساني.

من الإشاعات التي انتشرت في الأسابيع الماضية هي أنّ كورونا من صنع مختبرات بشرية. وقد تمَّ تبادل التهم رسمياً بين الصين والولايات المتحدة حول الطرف الذي "أطلق هذه القنبلة الوبائية"، وفي هذا التوقيت تحديداً. 

بغض النظر عن البعد الأخلاقي في مثل هذه النقاشات، فإنها - ومن دون أن نشير بالإصبع إلى أي جهة - تفتح العقل والعين على شيء من الأهمية بمكان، وهو الفكر العلمي والسياسي والاقتصادي والأخلاقي.

لقد عرف العلم الحق، الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا وغيرها، تطوراً نوعياً بدءاً من العصور الحديثة، واكتسب اهتماماً كبيراً لدى الباحثين، وتم الاعتراف به وبخدماته مجتمعياً.

 واتضح في الـ20 أن لهذا النوع من العلم حدين أو وجهين: وجهاً يساعد البشرية في التقدم، ويسهل عليها أمر معيشتها، بما حققه في ميدان التقنية والطب... ووجهاً يقودها بخطى أكيدة إلى حتفها المحتوم. وقد تجلى ذلك في الحرب العالمية الأولى إلى حد ما، باستعمال أسلحة نارية وتقنية فتاكة، وتَعزَز في الحرب العالمية الثانية، ووصل أوجه بقصف اليابان بالقنبلة الذرية.

 ومن دون الخوض في اعتبارات أخلاقية- إنسانية، فقد كان تطوير مثل هذه القنبلة البرهان القاطع على أن العلم لا يهتم بنتائج اختراعاته، بل بما هو ممكن علمياً فقط.

لقد تطوّرت صناعة الحرب أكثر بعد الحرب العالمية الثانية، أي في الوقت الذي اتفق "كبار العالم" على السلم واستحداث منظمة أممية تُعنى بحل النزاعات بطريقة سلمية حوارية، بل إن المرء أنتج بعد الحرب مشاكل كثيرة، سواء في ذروة الحرب الباردة أو بعدها، وأطلق التسابق نحو التسلح تحت ضغط الصناعة الحربية، تماماً كما في البيولوجيا والطب، إذ لم يتوقَّف العلماء في حدود معينة في بحوثهم، بل دخلوا معمعة ما هو ممكن أكثر، من مثل الاستنساخ والإنجاب المخبري.

إن الصناعة الحربية لم تفرض على نفسها قيوداً وحدوداً خلال تطورها، بل تعقدت وسائل الحرب، وأصبحت أكثر خطراً على الإنسانية جمعاء، لأنها لم تعد حروباً ميدانية يلتقي فيها شخصان بوسائل حرب بدائية: عصي، حجارة، سيف... 

ويكفي الضغط على زر في غرفة عمليات ما لإصابة الهدف وقتل أكبر عدد من الناس، ولا يهم إن كانوا من عسكر العدو أو المدنيين الأبرياء فقط. 

ومن بين مسارح تجارب الصناعة الحربية، نذكر أفغانستان، والحرب الإيرانية العراقية، وحربي الخليج، وكل ما تبعها من الحروب المفتعلة في الشرق الأوسط. 

للتذكير، فإن الحروب الجرثومية شكلت منذ غابر الأزمان ركيزة أساسية في الحروب، سواء تعلق الأمر بتسميم مياه الشرب أو "صناعة" جراثيم وفيروسات تُزهق الأرواح. 

هذا التذكير مهم جداً، لأنه شاهد إضافي على أن ما يهم العلم والعلماء هو المضي قدماً في تجريب ما هو ممكن، بغض النظر عن النتائج السلبية الميدانية لما يُطور في المختبرات.

تُساهم السياسة مباشرة في عماء العلم هذا، ليس بتشجيعها وتمويلها مشاريع علمية ضخمة بمليارات الدولارات فحسب، بل بنزعتها البراغماتية إلى هذا التشجيع والتمويل، فمن جهة، هناك عقدة عظمة تتحكم برقاب الساسة الغربيين على وجه الخصوص، ورغبة في السيطرة على العالم، كل على حدة، وفي تشكيلات متحدة، ومن جهة ثانية، هناك لامبالاة بكل الشعوب الأخرى، لأنها ببساطة خُلقت لتجارب الكبار. 

من هنا، عوَّضت هذه التجارب العبودية القديمة للشعوب الضعيفة من طرف الغرب. إضافة إلى ذلك، إن الساسة أنفسهم هم بيادق في يد الشركات العملاقة التي ترفع من تريد أو تغض الطرف عمن تريد.

 بمعنى أكثر دقة، إن رأس المال العلمي والمادي الذي يتحكم بالعالم، لا يهمه من يحكم في الغرب، بقدر ما يهمّه أن يضمن لنفسه الاستمرارية عن طريقهم، فإذا كان صاحب رأس المال لا يهتم بسُبل الربح، بل بالربح في حد ذاته، بغض النظر عن طريقة تحصيله، فإن الأمر نفسه بالنسبة إلى العالم المخبري الذي لا يهمه من يمول مشاريع بحثه، بقدر ما يهمه البحث نفسه. 

بكلمة مُختصرة، في ثنائية رأس المال والعلم، ليس هناك مكان للأخلاق ومصير النوع البشريّ، لأن روح المغامرة موجودة عند صاحب رأس المال، كما العالم. وتعني روح المغامرة تعريض الذات والآخر لكلّ المخاطر المحتملة. وإذا صحت إشاعة "الإنتاج المخبري لكورونا"، فإننا نكون قد وصلنا بالفعل إلى نهاية عصر وبداية آخر جديد في تاريخ الإنسانية، بل حتى في معنى مفهوم الإنسانية الذي نغمسه دوماً في عسل مثالي.

يبدو أن عملية الانتقاء الصناعي للبشر بدأت مع كورونا، وستستمر كتعزيز للجانب الهدام في الإنسان، لأن المنظومة الأخلاقية القديمة التي كانت تلحم جسد البشرية انفجرت، فالدول الصناعية الغنية تركّز على ذاتها، وتحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أبناء شعبها، وتضخّ في الوقت نفسه مليارات الدولارات في مختبرات الأدوية، لأن الكل يعلم أن من سينجح في إنتاج دواء للوباء سينفرد بالسوق العالمية. ومن يذهب أكثر من هذا، وينجح في "اختراع" لقاح له، سيضمن لوقت طويل تدفق الأموال في صناديقه.

 ويبقى الإنسان الضعيف، سواء في الدول الصناعية الكبرى أو في دول العالم الفقير، ضحية جبروت حفنة من البشر، لا يهمها سوى رأس المال.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حميد لشهب

دكتور سيكو-بيداغوجي، مترجم وكاتب - النمسا

إقرأ للكاتب

تصدّعات في جدار النظام السعودي

السنوات العِجاف تقترب بخطى حثيثة من قصور آل سعود، ليس فقط بسبب سياسة أسعار النفط أو مخلّفات أزمة...

تطويع من أجل التطبيع.. سيكولوجيا المهزومين

تتآكل الإرادة الشعبية العربية على حائط اللامُبالاة بالأمور السياسية لأوطانها، وهي لامُبالاة...

التفوّق الأميركي.. بدايات الإنهيار

بكلمةٍ مُخْتًصرة، عرَّى هذا الوباء مكامن الضعف في النظام الصحي الأميركي، ومن ثم فتح الباب الخلفي...

خنافس اللحاء في شجرة آل سعود.. مقاربة نفسية

خنافس اللحاء، التي تنخر الشجرة المَلَكية نشيطة من قلب الشجرة ومن خارجها، وهي لا تصيب أية شجرة...

الحاج نتنياهو والحاخام ابن سلمان

المؤسِف أنَّ آل سعود لم ينتبهوا ولا يريدون الانتباه إلى التكتيكات الصهيونية للاستيلاء عليهم، ولا...

الاستهلاك كمرضٍ للأمَّة

أصبح المرء يلمس نوعاً جديداً من الطّبقات الاجتماعيّة، مُغايراً تماماً لما كنّا نعهده. وفي قمّة...