عبد الله خليفة

كاتب لبناني

السيد نصرالله الرَّجُلِ الحَدَثْ..

كأنَّها اللوحة المُثلى التي رسم الله بها إنسانه الأول إطلالة السيّد نصرالله في حوار العام، رجُلِ العام، على شاشة الميادين بزَهرِهِ وزَهوِه وتواضعه منقطع النظير بين ملوك العرب وزعامات النياشين والأوسمة،  تبدّى لشعبه رجلُ السيادة والوطن سيّد السِلم والحرب خبير الساحات ومحرّك الميادين، إطلالةٌ مُنتَظرةٌ بشغفٍ ليطمَئِنَّ بها على شعبه ويطمئنَّ شعبُهُ بها  عليه. وحتى أعداءه الذين يعرفون صدقه وأنه إذا حدَّث جاء قوله مُطابقاً لفعله وهو الذي شيئاً فشيئاً تؤول إليه مفاتيح المنطقة وباب الشرق، ثلاث ساعات ونصف الساعة مرَّت كأنها الدقائق المعدودات حاوَرَهُ مَن هو أهلٌ لها لا يُقاطِع ضيفه حين يستفيض ولا يخلط عليه الأسئلة يقرأ ما بين الكلمات يستوقف السيّد حين يكون في حديثه خبرٌ كبير أو معلومةٍ مهمة أو معادلةٍ جديدة ثم بينَ كل فقرة وأخرى يستنتج للسيّد ويلخّص له حتى حاز في سياق الكلام تنويه السيّد نصرالله.

  • حوار العام مع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله

في الشرق اليوم رجلُ يضع لإسرائيل قواعد اشتباك، يتحدّث بقوّة المُنتصِر، يخلق معادلات يجول بين لبنان وسوريا وفلسطين والسعودية واليمن والبحرين ومصر والعراق جولة العارِف المُطمئن، يتحدّث عن تركيا وروسيا وأميركا وإيران، كأنهُ في نشاطه اليومي يتنقَّلُ بين السَّفارات ويُحادث الدبلوماسيين ويناقش المفكِّرين وهو الذي أراد له العدو أن يكون في غرفة معزولة تحت الأرض تبيّن أنه أكثر الأحرار مشياً فوقها.

لا يقرأ عن ورقةٍ ولا يتردَّدُ في الجواب ولا يُعطي إجابةً ناقصةً أو مُتردّدةً أو مشوبةً أو مُغالِية أو مرّ عليها الزمن فتتنكّر لها أذان المستمعين، يعرف العدوَ جيِّداً  في خطَطِهِ وتنظيمِهِ وعقلية قادته ومستقبله ومخاوفه وهواجز مستوطنيه.

لا تخلو كلماته من عفويّته ولغته الممزوجة بين الفصاحة والبلاغة والعاميّة اللبنانية والشعبية بكل أدب وسلام داخلي واطمئنانٍ لا فجور فيها لا على عدو ولا على صديق، إلا أنه لا يُداهِن يصفُ الذين يكذبون بأنهم كاذبون ويصفُ عدوَّهُ الذي لا يتَّعِظ بالأحمق ويحذِّره من أن تسوِّلَ لهُ مآزِقُه الداخليةِ أن يُخطىء الحسابات فيجُرَّ المنطقة إلى حرب.

يُطَمِئنُ المُحبين والمُبغضينَ معاً عن صحّته وعقله وقلبه، ويُضيفُ ممازحاً أنه ينام جيداً وقد خسر بعض الوزن. 
يتموضع داخلياً رغم قوّته مع الأفرقاء واحداً من فسيفساء التنوّع اللبناني الداخلي، لا يطالب بما لا يستحق ويصطفُّ دائماً إلى جانب الحلفاء ولا ينسى وقفةَ خيرٍ لأَحَد في حربٍ أو في سِلم، بل يُجازي الحُبَّ بعشرةِ أضعافِهِ ويُعطي الكراهيةَ أذنٌاً صمَّاء.

يَشعُرُ المُستَمِعُ إليهِ أنه هو الحدَث يروي عطش المُشتاقين للصدق للباحثين عن الحقيقة في غابة الأقلام الكاذبة والأفواه التي تبُثُّ الشَّر. يقول فليكن هذا العصر عنوانه فتبيَّنوا لأن الآخرين لا يفرِّقون بين حقٍ وباطِل ولا يُراعُون أَثراً للكلِمات.

كان في المحاورة رجُل حربٍ ورجل عِلمٍ ورجل حلمٍ ورجُل درايةٍ ورجل ساحات. يعرف الكثير عن الجميع عن الأحزاب والتجمّعات والتكتّلات والانتماءات، ثُمَ بلُغَتِهِ القريبَةَ من القلب يُشعِرُكَ أنه قادمٌ للتوّ من شوارع الفقراء وأزقَّة المُحتاجين وبيوت عامة الناس غنيّهم وفقيرهم قويّهم وضعيفهم عزيزهم وذليلهم، فهو أمل الناس الأخير في زمن الفساد حتى ولقد تكاد تسمع علانية وهمْساً بين الناس مَن يقول آخر الدواء حسن نصرالله.

إختار السيّد الخروج في مُقابلته يوم السبت بما يعنيه هذا اليوم لإسرائيل ولا أدري أكانت نيَّتُه كذلك أم أنها صدفة مُفتعلة من السماء التي قال جنرالات العدو عنها في حرب تموز "يبدو أنها ليست إلى جانبنا في هذه الحرب"، كانت مقابلته بجزئها الأكبر عن إسرائيل تحدَّثَ عن الأنفاق كأنها أدَّت ما عليها واكتشفها العدو فبَنَاها بتخريبها، وزرع في قلوب مستوطنيه الرُّعب، ذكر السيّد "الشاكوش" المُرعب أو المطرقة التي من اليوم فصاعداً ستُقلِق سكان الشمال كلما سمعوا ما يشبه صوتها، وما لبثت في لبنان أن انتشرت صوَر الشاكوش عفوية بين الناس على وسائل التواصل الإجتماعي، فاتّضح أن هذا الرجل مكتبه الإعلامي في قلب وهاتف وعلى شاشة كل لبناني عزيز شريف يشعر بالأمان في وجود السيّد.

في إسرائيل الكل كان يستمع يُحَلِّل ويقرأ بين السطور يقلّب الكلمات لعلّ أحدهم يأخذ من بينها حقيقة تطمئّن لها القلوب المُرتعبة، قال السيّد للإسرائيليين عليكم أن تفرحوا بامتلاكنا الأسلحة الذكية فهي لا تُصيب الا القواعد العسكرية والجنود، فنحنُ لا نَستَهدِف أطفالاً ولا نساء وليس في خُطَطِنا قانا إسرائيلية ولا مجازر، نبَّهَ المستوطنين من أن ترتكب حكومتهم حماقات تؤدّي إلى حرب، قال إن الوضع في سوريا تغيّر وأنه لا نعرف في أيّ وقت قد يقرّر الإسرائيليون الرّد. خاطب الشعب الإسرائيلي ببراعة العارِف بالشأن الإسرائيلي، قال لهم إن رئيس حكومتكم يخدعكم إنه يخرج من مآزقه بإدخالكم في دوّامة الخوف وإن رئيس أركانكم السابق ذهب بلا إنجازات.

في الداخل اللبناني قال السيّد كلاماً قلَّ ودَلّ، بشَّر بثورة ضدّ الفساد وضع يده على الجرح اعتبر أن مشكلة الفساد الكبرى في لبنان أنه قانوني، ففي لبنان يوجد  فساد واضح ولا فاسدين، أعطى أملاً وزخماً وكان أكبر المتفائلين والمُتَفائَلُ بهم في زمن الرماد الوطني. 

في مقابلة العام مع السيّد نصرالله كان المشهد واضحاً مختلفاً تاريخياً وكبيراً، لا شيءَ فعلَهُ العدوُّ في سوريا كما قال السيّد إستطاع أن يمنعَ المقاومةَ من تجهيِز ترسانَتِها الدفاعية وكأنَّ إسرائيلَ تُشاهِدُ وبأمِّ عينها موسى ينمو في كنف فرعونها ليكون على يديه الهلاك وكأن القادم أبعد من حرب وضربات، إنها الحرب الأخيرة بين أبناء إبراهيم والنبوءة الكبرى أيٌّ مِن شعبِ الأبناءِ يَمتلِكُ الأرضَ من النيلِ إلى الفُرات.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً