فهد الطاهر

كاتب فلسطيني

تصاعُد النقمة الشعبية في الأردن

أتت إملاءات البنك الدولي الضريبية التي أسقطت رئيس الوزراء "هاني المُلقي"، و ترافقت مع ظهور صفقة القرن على الساحة السياسية بزخم الذي بدوره خلق بيئة ضاغطة مناسبة لفرض إملاءات وشروط على قصر الحُكم. فصفقة كهذه لن تنجح من دون الأردن، وتخليّ الهاشميون عن المقدّسات هو إنتحار سياسي.

تصاعُد النقمة الشعبية في الأردن
تصاعُد النقمة الشعبية في الأردن

في أكثر من محفل وعلى طول جغرافيا البلاد يُوجّه النقد الشعبي مباشرةً للملك عبدالله الثاني بصفته المسؤول الأول و الأخير عن أداء الدولة وبشكل يُظهر تآكل حاد لهيبة الدولة، لدرجة أن يقوم المواطنون بمراسلة الحكومة اليابانية عبر طرق مختلفة لحثّها على رفض طلب الاستمزاج المقدّم من قِبَل الدولة لترشيح السيّدة "لينا عناب" كسفيرة لديها إحتراماً لمشاعر ذوي الضحايا والأردنيين في فاجعة البحر الميت كما قالوا في مراسلاتهم، حيث أقيلت من منصبها كوزيرةٍ للسياحة ولم تقم الدولة بأية محاكمة.

المُلحق التجاري الأميركي للتُّجار و الصنّاعييّن يهدّد الأردنيين بعدم التعامل مع سوريا، بسبب قانون سُمّي"بالقيصر" الذي قام السيناتور الديمقراطي "إليوت إنجل" بقيادة مشروع إقراره لإتمام تركيبة الإبتزاز الدولية بإسم القانون الذي يخترعوه لمصلحتهم ، والذي سيلاحق بموجبه كل مَن يدعم الدولة الوطنية السورية أو يتعامل معها. فبعد أنّ حاصرت الأردن نفسها بإغلاق الحدود مع سوريا، الرئة الحقيقة للإقتصاد الأردني، أتى هذا القانون ليفرض على الأردن أنّ تُحاصر نفسها بنفسها مرة أخرى بعد أنّ فشلت الدولة بتصريف المنحة الخليجية ، وأتت تقييمات لجان المنحة سلبية تجاه تجديدها، لتكون كفرصة لدول الخليج للتنصّل من هذا العبء الاقتصادي لضعف قدرة دول الخليج إقتصادياً بسبب مغامراتها غير المحسوبة في اليمن وسوريا الذي صاحب التعمّد بخفض سعر النفط. وأتت بعدها منحة خليجية خجولة قُدمت باجتماع مكّة كرِبَاط للسياسة الخارجية الأردنية، لمنع قصر الحُكم التقدّم شمالاً وشرقاً لتحسين موازين الجغرافيا السياسية لصالح محور المقاومة الذي لا يريد الأردن وطناً بديلاً لأحد، وأضاع بذلك قصر الحُكم فرصة ذهبية لتغيير سياسته الخارجية التي لطالما تهرطقت بإسم الاقتصاد، ليتحصّل بالحد الأدنى على خيارات أكثر لمُجابهة المرحلة التي تعصف في المنطقة.

فبعد هذه المنحة التي كان ضررها أكثر من نفعها، أتت إملاءات البنك الدولي الضريبية التي أسقطت رئيس الوزراء "هاني المُلقي"، و ترافقت مع ظهور صفقة القرن على الساحة السياسية بزخم الذي بدوره خلق بيئة ضاغطة مناسبة لفرض إملاءات وشروط على قصر الحُكم. فصفقة كهذه لن تنجح من دون الأردن، وتخليّ الهاشميون عن المقدّسات هو إنتحار سياسي ، والأصل في المسألة هو تقويض الأردن لصالح مشروع الوطن البديل الذي يُعدّ محطة رئيسية لحل القضية الفلسطينية لحساب “كيان العدو” ، وهو الهدف الأسمى من صفقة القرن التي أتت مواكبة لمشروع قرار قانون (Anti-Terrorism Clarification Act of 2018) الذي قاده السيناتور الجمهوري "تشاك جراسلي" في مجلس الشيوخ الأميركي، الذي أدّى إلى خروج مكتب المساعدات الأميركية والمؤسّسات الأميركية التابعة لها من غزّة والضفة ، وقطع كافة المساعدات عن اللاجئين الفلسطينيين ووضع "وكالة الغوث" في عجز مالي غير مسبوق، كما بمحاربة كل القوى التي تريد مقاطعة كيان العدو وعلى رأسها (BDS)، والتجمّعات المماثلة تحت تسمية (الداعمون للإرهاب) حسب القانون. ولكن هذا القانون أيضاً جرّد قصر الحُكم من أهم، و أقوى سلاح إستراتيجي على مشروع "الوطن البديل". وهو "القنبلة الديموغرافية" التي كانت الأردن تأمل بالدفاع عن نفسها به ، وذلك بتجريد الفلسطينيين الحاصلين على جوازات سفر دائمة برقم وطني من أرقامهم الوطنية وإعلانهم جميعاً لاجئين على أرضها لقطع الطريق أمام تنفيذ سياسة الأمر الواقع بعد التركيع الاقتصادي لتمكين مشروع الوطن البديل على حساب الأردن.

فهذا التبرّم الشعبي المتصاعد السقوف والهتافات في الإحتجاجات حوّل المطالب الشعبية من اقتصادية إلى سياسية بالمطالبة بتغيير النهج العام لقصر الحُكم وليس فقط إصلاحات إدارية أو مالية، يقابله قصر الحُكم بعجز حقيقي مع الداخل والخارج بسبب انعدام الخيارات لفشل الدولة بقراءة الموقف الإقليمي والدولي بشكل سليم وإدارته بالموقف الصحيح.

فقصر الحُكم الذي تمّ برنامج التحوّل الإقتصادي (قانون التخاصية) في عهده، وفقد على أثره السيادة على الإقتصاد و الهامش الضيق الذي كان يمتلكه لإتخاذ القرار من مطبخه السياسي المحلي. يقبع الآن بين مطرقة صفقة القرن ومحاولات نزع السيادة الهاشمية على المقدّسات في فلسطين وفقدان الشرعية التي يستند قصر الحُكم إليها ، وسندان الحراك الداخلي الذي يتصاعد بثبات من دون تراجع الذي كان أحد أهم أشكاله متعطلي معان عشائر الحويطان من حراك الجنوب الذين ينامون و يأكلون ويشربون أمام الديوان الملكي منذ قرابة الأسبوعين بشكل متواصل رافضين عروض راتب شهر مقابل العودة إلى منازلهم. وهناك عبارة عبقرية أنقلها من أحد الأصدقاء نقلاً عن شاب من عشيرة الحويطات المعتصمين أمام الديوان الملكي، حيث قال ("إننا نقف أمام القصر بعد أنّ إستنفذنا 99 خطوة وجئنا للقصر بوصفه الخطوة الـ 100، وإذا لم يتم التجاوب مع مطالبنا فنحن ذاهبون للخطوة 101 والتي ستكون خيار الفوضى").

وما حدث من صخب شعبي خلال الأيام الماضية بسبب "تغريدة" للملك، رداً على بعض التعيينات في وزارة العدل يشي بأن السياسة التي كانت تعتمدها الدولة لتخفيف الإحتقان الشعبي لم تعد تُجدي نفعاً.