حادثة نيوزيلاندا والإرهاب المُتجدِّد.. الهجمات والهجمات المُضادَّة

جاءت حادثة نيوزيلاندا قبل أيام لتُعبّر مرة أخرى عن خطورة الفكر الإرهابي وتنوّع مشاربه الفكرية، من خلال إقدام شاب يميني مُتطرّف من جنسية أوسترالية على استهداف مسجدَين للمسلمين أثناء صلاة الجمعة، ما خلّف حوالى 50 قتيلاً إلى حد الآن وعدداً من الجرحى.

  • جاءت حادثة نيوزيلاندا قبل أيام لتُعبّر مرة أخرى عن خطورة الفكر الإرهابي وتنوّع مشاربه الفكرية

الإرهاب من الظواهر القديمة التي عرفتها البشرية، لكن إرهاب الحاضر يختلف كثيراً من حيث تعدّد وسائله وأساليبه وانتشار تداعياته خارج إطارها الوطني. وقد عرف العالم المُعاصِر الكثير من الهجمات الإرهابية المُتفاوتة في خطورتها، وتنوّعاً في الأساليب المُنتهَجة لتحقيق أغراض العمل الإرهابي، بالإضافة إلى تنوّع الخلفيات الأيديولوجية للقائمين بهذه الهجمات، بمعنى أنها لم تقتصر على أفراد إسلاميين مُتطرّفين وإنما قام بها أيضاً يساريون، يمينيون مُتطرّفون وغيرهم.

وجاءت حادثة نيوزيلاندا قبل أيام لتُعبّر مرة أخرى عن خطورة الفكر الإرهابي وتنوّع مشاربه الفكرية، من خلال إقدام شاب يميني مُتطرّف من جنسية أوسترالية على استهداف مسجدَين للمسلمين أثناء صلاة الجمعة، ما خلّف حوالى 50 قتيلاً إلى حد الآن وعدداً من الجرحى. تأتي هذه الحادثة في ظل ما يشهده العالم اليوم من انتشار لنوعٍ جديدٍ من الإرهاب هو الإرهاب الذي يمارسه الفرد، كيفما كان توجّهه الأيديولوجي ومرجعيته المُتطرّفة، ومن دون أن يرتبط بشبكة تنظيم إرهابي مُعيّنة، وهو ما لاحظناه من خلال الهجمات المُتكرّرة في الأماكن العامة في دول أوروبية خلال السنوات الأخيرة. وتبع حادثةَ نيوزيلاندا هجومٌ إرهابي في مدينة "أوتريخت" الهولندية يوم 18 آذار/مارس 2019، نفّذه شاب تركي الجنسية في محطة قطار، نتج منه وفاة 3 على الأقل وإصابة آخرين.

ومع الهجمات الإرهابية المُتكرّرة عَبْرَ ربوع العالم، أصبح واضحاً بأن المرجعية الإسلامية ليست مسؤولة عن العمل الإرهابي إلا نادراً، وهي الندرة التي تعكسها بعض الأدبيات المُتطرّفة التي لا صلة تربطها بسماحة الإسلام واعتداله. وأكّدت بعض الدراسات الغربية بأن حضور الدين، والدين الإسلامي بوجه الخصوص، لم يكن سوى بنسبة قليلة في الأعمال الإرهابية التي وقعت منذ ثمانينات القرن الماضي، بالرغم من أن التركيز الإعلامي والدولي يتمحور حول ما بات يُسمّى "الأصولية" الإسلامية. بالتالي، يجب إعادة النظر في المفاهيم والمُصطلحات، فالإرهاب من أكثر المُصطلحات التي تقع فريسة البُعد القِيَمي والرؤية العنصرية، إذ يُستخدَم الإرهاب غالباً من منظورٍ ضيّقٍ قائمٍ على أساس المصلحة واللعبة السياسية، ففي حين توصَف جماعات وتنظيمات بالتطرّف والإرهاب، يتم السكوت عمّا تقوم به أطراف أخرى في حق الإنسانية، كما يصفه المُفكّر "نعوم تشومسكي" بالإرهاب "المُضاد"، ومثلما يجري في بورما مع مسلمي الروهينغا، ومثلما يفعل الكيان الصهيوني مع المدنيين الأبرياء في فلسطين. كما يجب مراجعة معايير التصنيف والأحكام التي يتم إصدارها، وإن كانت العولَمة قد أتت بالتطوّر التقني والمعلوماتي وبقِيَم كونية سامية فإنها بالمقابل قد عمّقت صراع الثقافات والقِيَم، وأفرزت نوعاً جديداً من الإرهاب هو الإرهاب العابِر للأوطان، المُمارَس من قِبَل أفراد ينتمون إلى جنسياتٍ مختلفةٍ ولهم مرجعيات فكرية متنوّعة.

إن حادثتي نيوزيلاندا، وهولندا، وغيرهما من الهجمات الإرهابية عبر العالم التي أحدثت ذُعراً وهلعاً وتعاطفاً كبيراً مع الضحايا، تؤكّد من جديد بأن الإرهاب من المفاهيم التي يجب مراجعتها، كما تؤكّد بأن الظاهرة لا تزال تنخر بعُمقٍ في المجتمعات والشعوب، ليس لأن الشر مُتأصّل في الطبيعة البشرية بقدر ما أن السياسات المُتبَّعة لاستئصال بذور العنصرية والتطرّف والطائفية قد كشفت عدم نجاعتها، في ظلّ سياسة الكيل بمكيالين واعتماد ازدواجية المعايير، وصراع القِيَم والأهداف بين الإرهاب والإرهاب "المُضاد". فحتى وقت قريب جداً، كان الإرهاب تهمة لصيقة بشكلٍ دائمٍ بالفرد المسلم، وقد زادت أحداث "شارلي إيبدو" في فرنسا سنة 2015 وغيرها من الدول الأوروبية من أحقاد بعض الحكومات وعنصريّتها، خاصة حكومات وأحزاب اليمين المُتطرّف، في التعامُل مع ملفات اللجوء والهجرة، في الوقت الذي كان فيه تنظيم الدولة في العراق وسوريا يشهد تدفّقاً هائلاً للمقاتلين من كافة ربوع العالم.

لقد أصبحت الجماعات المسلمة المُغتربة خلال السنوات الأخيرة مُستهدَفة بكثرةٍ من قِبَل أفراد من اليمين المُتطرّف، وليست حادثة نيوزيلاندا قبل أيام سوى التأكيد على ذلك. وإن كان الإرهاب يطرح مشكلة التعريف والتحديد فإنه أيضاً يطرح تحدياً أساسياً يتعلّق بسُبل التصدّي للإرهاب والإرهاب "المُضاد" على حدٍ سواء، وهو ما يتطلّب جهوداً دولية ومساع حثيثة لأجل تغيير الرؤية والخلفية التي تطغى على التعامُل مع الأعمال الإرهابية ووصفها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً