فوزي بن حديد

كاتب تونسي

الاتحاد الإفريقي يستنفر السودان ويهمل ليبيا وغيرها من البلدان!

هل كُتب على الدول العربية أن تعيش تحت حكم العسكر؟ أم أنه النهم العسكري للاستيلاء على السلطة والتحكم في الشعب، أو هو نوع من هوس حبّ السلطة وخدمة الدول الأجنبية من خلال سياسة تجويع الشعب وتخويفه وإرهابه.

لماذا تبقى الازدواجية في التعامل مع القضايا الإفريقية قائمة؟
لماذا تبقى الازدواجية في التعامل مع القضايا الإفريقية قائمة؟

تغيرت الأحوال في السودان، ومال الحكم إلى المجلس العسكري، فاجتمع الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا لبحث المشكلة السودانية، وبعد الأخذ والردّ، توصل إلى حل مفاده أن الجيش السوداني ينبغي له أن يسلم السلطة إلى الشعب، وبحثَ المدة التي يمكن من خلالها تسليم السلطة إلى الشعب السوداني ليقرر مصيره بنفسه وليحكمه مدني بعد 30 عاماً من حكم العسكر، ولا أدرى على أي أساس بنى الاتحاد الإفريقي قراره وهو يعلم أن السودان كان قابعاً تحت حكم العسكر عل مدى 30 عاما متتالية ولم ينبس ببنت شفة كما يقال، وها هو اليوم قد تغير قليلا وجهه فتدخل الاتحاد وهدّد السودان بتعليق عضويته في الاتحاد إذا لم يسلّم السلطة في غضون 15 يوماً فقط، فهل سيرضخ المجلس العسكري في السودان لطلب الاتحاد الافريقي أم سيضرب به عرض الحائط؟ وأين جامعة الدول العربية مما يجري في السودان وفي غيرها من البلدان؟.

الغريب في الأمر أن الاتحاد الافريقي هدّد المجلس العسكري في السودان، ولم يهدّد قوات المشير خليفة حفتر الذي هاجم طرابلس وتسبّب في فوضى عارمة، وحرب شاملة قُتل على إثرها مدنيون وعسكريون رغم تحذيرات مجلس الأمن ومبعوثه لليبيا غسّان سلامة، ورغم تحفظ العديد من الدول الأوروبية والدول الأخرى العالمية، إلا أن حفتر واصل مشواره بعد الدعم الكبير الذي لقيه من السعودية ومن دولة الإمارات العربية المتحدة ومصر وفرنسا وغيرها من الدول التي تبحث عن مصالحها بالدرجة الأولى من دون مراعاة لأي حقوق للإنسان، وحسب المراقبين فإن حفتر فشل في بسط سيطرته على طرابلس بعد أن استوعبت حكومة الوفاق الوطني الصدمة وتصدّت لهذه المحاولة، فأين الاتحاد الافريقي في هذه المرحلة؟ ولماذا لم يجتمع؟ ولماذا لم يتخذ قرارات حاسمة وحازمة لصد العدوان الحفتري؟ ولماذا تبقى الازدواجية في التعامل مع القضايا الإفريقية قائمة؟.

وإذا رجعنا إلى الميدان نرى أن الوضع في ليبيا أكثر خطورة من السودان، إذ تشهد منذ سنوات اضطرابات شديدة ومعقدة تتطلب جهدا مضاعفا ودعما لوجستيا وعسكريا كبيرا إذا كانت هناك نية فعلا للتدخل العاجل وحسم الأمر كما وقع مع السودان، أم أن الأمر في ليبيا خارج عن السيطرة، وخارج عن إرادة الاتحاد الإفريقي لأن هناك أطرافا أخرى أكثر قوة ولها جذور في التحول الدراماتيكي الذي تشهده ليبيا، وبالتالي لا تسمح للاتحاد بأن يتخذ قراراً يمس السيادة الليبية؟ وفي هذه الحال لا يود الاتحاد الافريقي التصادم مع هذه القوى خوفا من تعطل المصالح وتضاربها، وأيا كانت المبررات فإن الاتحاد الافريقي كان ينبغي أن يسلك في تدخله العدل في القضايا المرتبطة بأمن الدول الإفريقية حتى لا تسوء الأحوال كما هو الأمر في ليبيا اليوم.

وإذا نجح الاتحاد الافريقي في تنفيذ القرار الذي اتخذه والخاص بالسودان، فعليه أن ينظر بجدية تامّة في قرار مماثل يتعلق بليبيا، ويمكن أن يمارس سلطته التي تخول له وقف نزيف الدم الذي سال ويسيل في ليبيا الجريحة، ويوقف زحف خليفة حفتر نحو العاصمة الليبية طرابلس، وتحكيم القانون الدولي الذي يسمح بتقديم المجرمين إلى محكمة الجنايات الدولية لمحاكمتهم على جرائم الحرب التي ارتكبوها بحق المدنيين وضمان عدم الإفلات من العقاب، وإلا فسوف يتطور الوضع إلى أسوأ مما كان عليه، وسيمضي حفتر في مشروعه القومي للاستيلاء على كل أجزاء ليبيا بالقوة وفرض السيطرة العسكرية وهو ما يرفضه الاتحاد الافريقي والقوانين الدولية.

فهل كُتب على الدول العربية أن تعيش تحت حكم العسكر؟ أم أنه النهم العسكري للاستيلاء على السلطة والتحكم في الشعب، أو هو نوع من هوس حبّ السلطة وخدمة الدول الأجنبية من خلال سياسة تجويع الشعب وتخويفه وإرهابه ليبقى يبحث عن لقمة عيشه من دون التفكير جدياً في البحث عن ثروات البلد والتنعم بخيراته، وعدم إرساء روح الديمقراطية التي لا تجلب على العسكر إلا فرض التداول السلمي للحكم ولا حكم للجيش في البلاد وهو ما لا تستسيغه بعض القيادات.