براءة درزي

باحثة في الشأن الفلسطيني

نجمة داود في ساحة عُمر!

ليست صفقة باب الخليل بالجديدة، إذ كشفت تقارير نشرها الإعلام العبري في آذار/مارس 2005، عن تسريب العقارات الثلاثة إلى المستوطنين في صفقة تضمّنت تأجير فندقي البتراء والإمبريال وبيت المعظّميّة مدّة 99 عاماً لمصلحة جمعية "عطيرت كوهنيم".

  • نجمة داود في ساحة عُمر!

في 3/6/2019، أصدرت المحكمة العُليا للاحتلال قرارها برفض الاستئناف المُقدَّم من البطريرك ثيوفيلوس الثالث غير المُستحقّ والبطريركيّة الأرثوذكسيّة اليونانية ضدّ القرار الصادر عام 2017 عن المحكمة المركزية في قضيّة أوقاف باب الخليل. ويقضي قرار المحكمة بصحّة عقود بيع فندقي البتراء والإمبريال وبيت المعظّميّة، الواقعة داخل أسوار القدس القديمة، إلى شركاتٍ إسرائيليّةٍ مُقرّبةٍ من جمعية "عطيرت كوهانيم" الاستيطانية. انتقال أملاك الوقف المسيحية إلى المستوطنين يعني، من جملة ما يعنيه، تهيئة الظروف للاستيلاء على العقارات وطرد السكان والمُستأجرين المحميين منها لترفع "نجمة داود" عليها، ضمن إطار الاستهداف الإسرائيلي المُتمادي للوجود المسيحي في القدس لمصلحة الوجود الاستيطاني، وضمان تمدّده وتوسّعه.
ليست صفقة باب الخليل بالجديدة، إذ كشفت تقارير نشرها الإعلام العبري في آذار/مارس 2005، عن تسريب العقارات الثلاثة إلى المستوطنين في صفقة تضمّنت تأجير فندقي البتراء والإمبريال وبيت المعظّميّة مدّة 99 عاماً لمصلحة جمعية "عطيرت كوهنيم". المفاوضات حول البيع كانت قد بدأت في عهد البطريرك إيرينيوس الأول الذي أيّد الأردن في أيار/مايو 2005 قرار عزله من قِبَل المجمع المقدّس لبطريركية الروم الأرثوذكس في القدس على خلفية تورّطه في عمليات التسريب. لكن ثيوفيلوس اليوناني لم يكن بأفضل من سلفه، فاعتنق نهجه في التواطؤ ضدّ الأوقاف المسيحيّة، وإن استمرّت محاولاته في الظهور بمظهر المُدافِع عن أملاك الكنيسة، وهي محاولات من باب ذرّ الرماد في العيون مُدبّجة بوعود بالدفاع عن الأوقاف، والتصدّي للتسريبات، مع أنّ الوقائع تبيّن خلاف ذلك كما يؤكّد الفلسطينيون من الأرثوذكس العرب.
كذلك، فإنّ هذه الصفقة ليست الوحيدة، بل هي واحدة من مجموعة عمليات تسريب عقارات وقفية عائدة إلى الكنيسة الأرثوذكسية، منها تسريبات يافا والناصرة وقيسارية، وقد تطرّقت ورقة صادرة عن مؤسّسة القدس الدولية في آذار/مارس 2018 بعنوان "البطركية الصامِدة أم العقارية القابضة؟" إلى الصفقات التي طالت الأوقاف المسيحية، وتورّط البطريركية الأرثوذكسية اليونانية في هذه التسريبات.
العقارات التي صادقت محكمة الاحتلال العليا مؤخراً على انتقال ملكيتها إلى المستوطنين تحمل مكانة استراتيجية في البلدة القديمة، ففندقا البتراء والإمبريال يقعان عند الساحة المقابلة لباب الخليل والمؤدّية شمالاً إلى بطريركية الروم الأرثوذكس، فيما يقع بيت المعظميّة في باب حطة المُتحكّم بالطريق المؤدّي إلى المسجد الأقصى المبارك. ومن شأن انتقال العقارات إلى الجمعيات الاستيطانية تعزيز قبضتها على المداخل المؤدّية إلى المُقدّسات الدينية، المسيحية والإسلامية على حدٍ سواء، بما يشمل كنيسة القيامة والمسجد الأقصى، علاوة على تعميق الحضور الاستيطاني في القدس القديمة. وعلى الرغم من أنّ الأملاك المُسرّبة في صفقة باب الخليل هي أملاك وقفية مسيحية، إلّا أنّ ارتدادات التسريب لا تقتصر على المسيحيين، وهي لا تقتصر على استهداف المسيحيين، بل إنّها تشمل مكوّنات القدس المسيحية والإسلامية، وتأتي ضمن عملية تقليص وجودهم في البلدة القديمة، وفي القدس عموماً، لمصلحة الوجود اليهودي الذي يخدم في نهاية المطاف مزاعم الاحتلال حول القدس كـ "عاصمة أبدية للدولة اليهودية".
وانطلاقاً ممّا تقدّم، فإنّ التصدّي لصفقة باب الخليل والحُكم الصادر عن المحكمة العليا للاحتلال ليس مُقتصراً على المسيحيين، أو على المقدسيين أو الفلسطينيين وحدهم، بل إنّ الواجب هو أن ينخرط فيه كلّ معنيّ بالتصدّي لمخطّطات الاحتلال الاستيطانيّة، وبوقف التمدّد الإسرائيلي الاستيطاني في فلسطين والقدس والبلدة القديمة، والمُقدّسات الإسلامية والمسيحيّة. ولا بدّ من الالتفات إلى أنّ الأملاك الوقفية في القدس أرض محتلّة محمية بموجب القانون الدولي ولا يمكن للاحتلال المسّ بها؛ ولكن بمعزل عن عدم شرعية محاكم الاحتلال وقضائه، فإنّ المعركة لم تُحسَم بعد، إذ إنّ شاغلي العقارات الثلاثة من عائلات قرش وعدوين والدجاني هم مُستأجرون محميون، ولا يمكن إنجاز إجراءات نقل الملكية إلى المستوطنين من دون إخراج هذه العائلات منها.
وعلى ذلك، فإنّ الأولوية هنا هي لدعم بقاء العائلات في العقارات، ومنع إخلائهم منها، ومن المفيد هنا حضور الضغط الدولي وتكريس التضامن الأجنبي، وقد ظهرت نجاعة هذا الضغط والتضامُن في الخان الأحمر، إذ اضطرت سلطات الاحتلال إلى تأجيل هدم الخان، ولا تزال تؤجّله، نتيجة التدخّل الدولي ضدّ جريمة التهجير القسري للبدو لمصلحة المشروع الاستيطاني المعروف بـE1. وبالتوازي، فإنّ تفعيل الموضوع على مستوى القانون الدولي مهم لاستصدار فتوى قانونية بعدم شرعية محاكم الاحتلال والحُكم الصادر عنها.
وتذكّر هذه القضية بضرورة العمل الجدّي على تعريب البطريركية الأرثوذكسية، فالأوقاف في القدس عربية، والكنيسة عربية، لكن البطريركية يونانية ينخرها الفساد وتتعارض مصالح القائمين عليها مع مصالح المسيحيين الوطنيين المُتمسّكين بالقدس وعروبتها، ومن الواضح أنّها تعمل على خدمة مصالح الاحتلال ومخطّطاته وتوسّعه الاستيطاني. وهذا الأمر ينبغي أن يلقى الدعم من السلطة الفلسطينية، ومن الأردن من باب تمسّكه بالوصاية على المُقدّسات الإسلاميّة والمسيحيّة في القدس المحتلّة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً