نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

جُزر طرابلس: كنز بيئي مهمل

تنتشر قبالة الشاطىء الطرابلسي شمال لبنان مجموعة من الجزر ... تعالوا نتعرف إليها.

تنتشر قُبالة الشاطىء الطرابلسي شمال لبنان مجموعة من الجزر، يمكن تسميتها بالأرخبيل الطرابلسي، وتنقسم إلى قسمين، محمية جُزر النخل البيئية، والجُزر الحرَّة غير الخاضِعة لقانون الحماية البيئية.


المحمية

تتألَّف المحمية من ثلاث جُزر هي: النخل، ورمكين، وسنني، شكَّلت موطىء قدم للإنسان منذ القِدَم، على ما تُشير إليه آثار ما تزال ظاهِرة للعيان بوضوح، لكن الأهم أنها كانت موئِلاً للطيور، والحيوانات البحرية، والنباتات النادِرة، خصوصاً ما هو مُهدَّد منها بالإنقراض، وكانت عُرْضة للاعتداءات المختلفة إن من صيادي الأسماك، أم من الهُواة مختلفي المشارِب.

في العام 1992، صدر عن المجلس النيابي قانون اعتمد الجُزر الثلاث محمية، وذلك بناء على طلب حماية تقدَّمت به جمعيتان أهليتان هما "لجنة رعاية البيئة" في الميناء في طرابلس، و"جمعية أصدقاء الطبيعة"، وتمّ وضعها بإشراف وزارة البيئة التي شكَّلت لجنة من المُتطوِّعين للإشراف على المحمية، واستقطاب الدراسات، والخبرات العلمية لها.

حملت المحمية إسم أهم وأكبر جُزرها، وهي جزيرة النخل، ولُقّبَت بذلك لأن الجزيرة كانت مُغطاة بأشجار النخيل. وعُرِفت منذ أواسط القرن الماضي بجزيرة "الأرانب"، ولذلك قصته، فقد اعتمدت جيوش الانتداب الفرنسي الجزر موقعاً عسكرياً مُتقدّماً لها.

ومن الطبيعي أن يتَّخذ الجنود الفرنسيون من "النخل" مكاناً للاستجمام، وعلاوة على ذلك، استقدموا إليها عدداً من الأرانب بهدف تكاثُرها لتصيّدها، وتكاثرت الأرانب بسرعة، واقتاتت في أوكارها تحت سطح الأرض على جذور النخيل، فتيبَّست الأشجار بالتدرّج إلى أن كادت تختفي، وغاب عنها سبب لقبها بـــ "النخل"، وطغى عليها اللقب الجديد "الأرانب".  

 

وظلَّت الجزر مُباحة للصيادين، وللهُواة، يعيثون فيها ممارسات عشوائية، تسبَّبت في هجرة العديد من الحيوانات البحرية، مثل السلاحِف، والدلافين، وسواها من أسماكٍ كبيرةٍ، وكذلك الطيور التي اتّخذت منها محطّات استراحة وتكاثُر وإقامة موسمية.

كان أمام اللجنة المُكلَّفة بالمحمية القيام بورشة عملٍ شاقَّةٍ وطويلةٍ، ووضعها في نظام حماية صارِم بين 1996 و2000. أولى المهام تنظيفها من القنابل العنقودية المُنتشرة فيها بسبب غارات للطيران الإسرائيلي 1984 استهدف مقرّات لقوى مسلّحة تمركزت على الجزيرة، وكبَّدت الجيش اللبناني عناء نزعها، وتنظيفها لسنواتٍ خلال فترة حمايتها. وتولَّت اللجنة تنظيف الجزيرة من الأرانب، وإعادة غرسها بأشجار النخل، وإقامة سقالة (سنسول) صغيرة تسهِّل وصول المراكب إليها، وإقامة مراكز للبحث العلمي، وأخرى لراحة الزوَّار، وإنشاء ممرّات مُحدَّدة لهم، وتنظيف البئر الحلوة المياه، واستخدام مياهها في ريّ شتول النخل الجديدة، وجرى تجهيزها ببرج مُراقبةٍ لحركة الطيور بهدف حمايتها، وإنشاء حمّامات بيئية تسهِّل الإقامة الطويلة عليها خلال النهار. وقد أدَّت إجراءات الحماية الصارِمة إلى عودة ظهور نباتات، وحيوانات بحرية، وطيور مُتنوِّعة فيها.

تبلغ مساحة جزيرة النخل حوالى 180796 متراً مربعاً، وتبُعد عن الشاطئ 5،5 كلم، تتألَّف من قسمين: صخري، ورملي، وتضمّ آثاراً لكنيسةٍ صليبيةٍ تعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي، شيَّدها أحد الملوك الصليبيين خصيصاً لزواج إبنه.

وثاني جُزر المحمية جزيرة "سنني"، تحمل الإسم نظراً لظهورها كصفّ أسنانٍ عندما تحطّ عليها رفوف النورَس البيضاء، وهي غير قابلة للارتياد في وضعيّتها الطبيعية لوعورتها، ومساحتها 45503 أمتار مربعة، تقع على بُعد 500 متر من جزيرة النخل، مُستطيلة الشكل، صخرية باستثناء جزء رملي صغير.

أما الثالثة فجزيرة رامكين، مساحتها حوالى 34903 أمتار مربعة، تقع على بُعد 600 متر من جزيرة النخل، صخرية عموماً وتوجد عند بعض أطرافها مساحات رملية صغيرة، تحتوي على فنار عمل لفترةٍ من الوقت بالطاقة الشمسية، وعليها بقايا مُنشآت، وتجهيزات عسكرية، وقواعد مدفعية تعود إلى فترة التمركز الفرنسي عليها زمن الانتداب.

تتميَّز هذه الجُزر بغنى تنوّعها البيولوجي بما تضمّه من أنظمةٍ بيئيةٍ، وأنواع نباتية، وحيوانية، وهي محطّة للطيور المُهاجِرة النادِرة، ولتلك المُعرَّضة لخطر الإنقراض، وشاطئها من المواقع القليلة المُتبقيّة لتفريخ السلاحِف ضخمة الرؤوس، وتلجأ فُقمة البحر المتوسّط المُهدَّدة بالإنقراض عالمياً إلى مغاوِر صخورها.

 

وتُعتَبر مغاوِر هذه الجُزر، وتجاويفها البحرية مكاناً مناسباً لتفريخ أنواعٍ عدَّةٍ من الأسماك المتوسّطية كأرنب البحر، والحفش الصخري، والسرغوس، إضافة إلى الأخطبوط، والأصداف، والإسفنج.

وجُزر المحمية بمثابة متحف تاريخي، وطبيعي للعديد من أنواع النباتات كحشيشة البحر، ونبتة الخشخاش الأصفر شبه المُنقرِض في منطقة البحر المتوسّط، وأجملها الزنبقة البيضاء التي تُزهِر صيفاً.

وهناك أنواع عديدة من الطيور المُفرّخة على الجزر، مثل: النورَس ذو الأرجل الصفراء، والنورَس "الأدويني" ذو الأرجل الحمراء، والهُدهُد، وخطَّاف الصخور، وصقر العوسق، وأمّ سكعكع البيضاء، والبومة الصغيرة، وهازجة القصب، والجشنة السمراء، إضافة إلى حوالى 156 نوعاً من الطيور المُهاجِرة بعضها يُكمِل طريقه إلى اليابسة اللبنانية حيث يفرِّخ، مثل الدرسة سودائي الرأس، والتيّان، والفرّي، والصرد الأبقع، والصرد أحمر الظهر، كما أن بعض أنواع الطيور يتَّخذ من جزر المحمية موئِلاً لقضاء فصل الشتاء مثل النورَس "الأدويني" (Edwin) المُهدَّد بالإنقراض عالمياً، وغُراب البحر، ومالِك الحزين، وبعض أنواع ديك الماء، وسواها من طيورٍ وحيواناتٍ ونباتات.


الجزر غير المحمية

أولى الجُزر غير المحمية وأقربها إلى الشاطىء، هي جزيرة عبد الوهاب التي تبعُد زهاء مائتي متر، مما سهَّل بناء جسر صغير للمُشاة للوصول إليها، وتحوَّلت إلى حديقةٍ عامةٍ ومُنتجَعٍ للمواطنين وموئِلٍ للطيور والعديد من أصناف الأسماك والحيوانات البحرية.

الجزيرة صغيرة تُناهِز مساحتها 500 متر مربع، وتأتي بعدها جزيرة "البلان" التي تبعُد أقل من كيلومتر عن الشاطىء، وهي خالية من الأشجار، وتتغطَّى بنباتاتٍ طبيعيةٍ، خصوصاً "البلاّن" الذي اكتسبت تسميتها منه، وتُشبه التلّ الصغير، واستخدمها الناس للنُزهة، والسيران البحري. ولا تصلُح للاستخدام الدائِم نظراً لانحداراتها، وغياب محاولات لاستصلاحها.

وتتالى الجُزر بعدها، الرميلة، والوسطى، وجزر صغيرة أسماها الطرابلسيون بأرقام، ويمكن الركون والاستجمام فيها ليومٍ لا أكثر، وتستوعب أعداداً قليلة من الروَّاد.

 

جمال الجُزر في بحرٍ هادىء إجمالاً، يُحوِّلها بالتدرّج محطّ الأنظار، ومقصد مُحبي البحر، وجمالاته الكثيرة، ما أنشأ خطاً بحرياً للوصول إليها، تنتشر لافتاته على الرصيف العريض، وعند الانطلاق في رحلةٍ بحرية، يمكن لرائِد الزورق أن يجول بين الجُزر، ومُتنقِّلاً من واحدةٍ إلى أخرى، ويمكن أن يقصد الراغبون المحمية، التي تضمّ الجزر الأبعد.


تراجُع

بينما شهدت المحمية اهتماماً كبيراً في العقدين الأولين لنشوئها، تراجع وضع العناية بها على ما تبدو للزائِر في ما لو أُتيحت له زيارتها، والتجوّل فيها، فتبدو أضرار في المنشآت القليلة التي أقيمت عليها من سقالات، وغرف، وشماسٍ، وممرات، وشبكة الريّ. ورغم غياب الاهتمام الرسمي فيها، فقد فرضت وزارة البيئة رسوماً على الدخول إليها، جعل العديد من روَّادها يستغربون الإجراء كون الجزر في محيطهم، وهي جزء من حياتهم، اعتادوا ارتيادها ساعة يشاؤون.

ويعزو أمين سرّ لجنة محمية جُزر النخل، وهو رئيس لجنة البيئة في اتحاد المهندسين العرب، عامر حداد، تراجُع الاهتمام لــ "قلَّة المال"، ولذلك، بنظره، "يمكن أن يشكِّل رَسْم الدخول مردوداً يساعد في تحسين وضع الجزيرة، وخدماتها، ونفقات الحراسة، وزيادة عدد المظلاّت، والمقاعِد وتجهيزات لازِمة أخرى لهذا الموسم"، وفق حديثه للميادين الثقافية.

ويُضيف إن وضع المحمية "يحتمل أن يكون أفضل بكثير مما هو عليه، لكن ذلك يتطلَّب المال"، مُردِفاً عن سبب عدم استثمار الجزر لتغطية نفقات تطوير المحمية، أفاد بأن "المحمية تابعة لوزارة البيئة، بينما بقيّة الجُزر تتبع قانوناً لوزارة النقل، وهذا يحتاج إلى قراراتٍ حكومية، وبلدية، وتأمين شركات خاصة، للقيام بمشروعٍ استثماري عليها، وهي تحتاج إلى عملٍ كثير".

لكن حداد أبدى ارتياحه كون المحمية "ما تزال مُحافِظة على قوانين وشروط حمايتها، ومَنْع التعديات عليها، وأبقيناها محمية بصورتها التامَّة".

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً