نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

متاهات الروح: وقائع مأزومة في وجه امرأة

تستلهم لوحات أحمد قليج روح مآسي الشرق من حلبجة إلى الحرب السورية.

  • متاهات الروح: وقائع مأزومة في وجه امرأة
  • متاهات الروح: وقائع مأزومة في وجه امرأة
  • متاهات الروح: وقائع مأزومة في وجه امرأة
  • متاهات الروح: وقائع مأزومة في وجه امرأة
  • متاهات الروح: وقائع مأزومة في وجه امرأة
  • متاهات الروح: وقائع مأزومة في وجه امرأة

استضاف غاليري جانين ربيز على الروشة في بيروت معرض الفنان السوري أحمد قليج بعنوان "متاهات الروح"، في سلسلة لوحات تدور في فلك المتاهة السورية، وتداعياتها على الإنسان.

قدّم المعرض أعمالاً متعدّدة الأشكال لوجوهٍ وأشخاصٍ بالصوَر التي احتلتها في ذاكرة الفنان، وعقله، وعواطفه، وانعكاساتها عليه برؤى مختلفة.

مناخات المعرض، والأعمال، عكست محورية إنسانية في مشاعر الفنان، فهو (الإنسان) على ما يوضح قليج في تعريف المعرض "محور الأساس في عملي".

يغوص قليج في الإنسان كصورةٍ مُطلقة، غير مُحدَّدة، يُعبِّر عن ذلك بتماهي الوجوه، وغياب بعض أجزاء الأجساد لتصبح أشكالاً مُبهَمة، لكنها واضحة بما يكفي لتعكس حالات يعيشها الإنسان، بتقنيةٍ تلغي الهوية الخاصة نحو شمولية الانتماء الإنساني، ويقول في ذلك: "نساء فقدت أقدامهن دفء التراب في ظهيرة الشرق البعيد..يقفن على حافّة الحزن، والانتظار".

"دفء التراب في ظهيرة الشرق" في العِلم والجغرافيا، أرضية حارِقة للأقدام الحافية، تطأها في قيظ الشمس الحارِقة. وفي المجاز، "ظهيرة الشرق" كأنها "ربيعه" الحارِق، وأحداثه الساخِنة، وتطوّراته اللاهِبة، تنعكس في التراب احتقاناً يكاد يتفجَّر جراحاً، وآلاماً، وأحزاناً تنرسم على الوجوه بطرقٍ شتّى، وفي الوجوه، كما في الأجساد، انغمس قليج يعالجها لتخرج من بين يديه، وعلى ريشته، آلام بلاده، وبلاد الشرق في ما يعيشه في العقد الأخير.

تستلهم لوحاته روح مآسي الشرق من مجازر حلبجة شمال العراق، لوقائع ومؤثّرات الحرب السورية، تترجم ألواناً وأشكالاً قاتمة، على بعض نفور، ورغم انتماء الأشكال في اللوحات للمألوف، لكنها تبدو غامِضة غير قابلة للتمييز والتعريف بما يميل للتجريد في كثيرٍ من الأحيان.

تعبر الوجوه الصامِتة، والمُتسائلة، والمُستغربة في اللوحات، توحّد انتماءها للحزن الإنساني، ولضبابية الوقائع السياسية الطاغية في المنطقة، يعبّر عنها بوجه امرأة وحيدة.

قليج تحدّث للميادين الثقافية" ذاكِراً أنه "منذ البدايات، وأنا أرصد وجوه الناس، وأيديهم من حولي، محاولاً قراءة ما في داخلهم، والغوص إلى أعماق أرواحهم المُتعبة"، لافتاً بلغةٍ شاعريةٍ أن "تلك الوجوه، والأجساد، كانت تغويني دائماً برسمها، لعلّني أخفّف عنها، وأبعث فيها بعضاً من الفرح المُنتَظر"، ورغم كلامه المباشر، من الصعب تلمّس الفرح في وجوه مُتعَبة، خارجة من أتون النار مُندلعة من حوله.

يُصنَّف قليج بالفنان المُلتزم، لكن من دون حصرية، أو تقوقع حول فكرة معينة، أو إيديولوجيا مُحدّدة، فالفنان، برأيه، "لا يستطيع أن يعمل مُنفصلاً عن واقعه، وأنا أحاول دائماً أن أبحث عن البقعة المُضيئة لأفتح في هذا الظلام نافذة للأمل، ففي هذه البلاد الحزينة، والمُدمَّرة، لم يتبق لهذه الأرواح المُتعبة مكان تأوي إليه، حتى تلك الأجساد التي بقيت مُلتصِقة بأرضها، ممزوجة بترابها، تبحث عن خلاصها".

في الأسلوب، يعتمد قليج توافر الفكرة مُسبقاً في أعماله، قبل البدء بالعمل، وفي معرضه الحالي، يقول: "مازلت أعالج موضوع الاغتراب، والقهر الذي يعاني منه الإنسان منذ أولى معارضي مع الاختلاف فقط من حيث المُعالجة، ومن هنا، لا تحمل الأعمال أية عناوين لأنها كلها تدور حول نفس الموضوع".

ويُضيف: "في أغلب الأحيان، أترك عملي (اللوحة) بعد الانتهاء منه من دون توقيع، وقد يكون ذلك لفترةٍ طويلةٍ لأني أشعر أنه من الممكن بعد فترة إضافة شيء، أو إلغاء شيء آخر، لكني عندما أوقّع لوحتي، أكون قد قرَّرت اكتمال نضوجها، وأية فكرة لاحقة للتعديل أو الإضافة، ما هي إلا بداية للوحة جديدة".

ويرى قليج أن "كل لوحة هي مخلوق جديد يتشكَّل بين يدي الفنان، ينمو ويتطوّر مع الوقت، وبالعمل، ليصل إلى مرحلة الكمال، عندها يشعر الفنان أنه يجب عليه أن يتوقّف لأنه لم يعد قادراً على إضافة أو حذف شيء منها".

أحمد قليج ولِدَ في حلب سنة 1964، وتعلَّم الفن في معهد فتحي محمّد للفنون سنة 1988، وهو عضو في اتحاد الفنانين السوريين في دمشق، عاش، ومارَسَ حيِّزاً هاماً من حياته الفنية في لبنان، قبل أن ينتقل إلى هولندا للمكوث فيها.

في بيروت، شارك في العديد من المعارض الجمعية، في قصر الأونيسكو، ومتحف سرسق، والجامعة الأميركية، ومعارض عديدة في مختلف بلدان أوروبا، وأقام معارض فردية في غاليرهات "زمان"، و"ربيز"، وفي "دار الأوبرا" في دمشق أيضاً.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً