يارا سعد

كاتبة من لبنان

شجرة برتقال حبلى أنقذتني

رجوتُ كلّ واحدٍ من أصحاب هذه المحال، أن يشغّلني عنده.

شجرة برتقال حبلى أنقذتني (Jane Parkes)
شجرة برتقال حبلى أنقذتني (Jane Parkes)

قبل عامٍ، تخرّجتُ في الجامعةِ. سعادةُ الدّنيا كلّها رقصتْ داخل قلبي. وأخيراً سأحقّقُ أحلامي، وأجدُ عملاً.

حملتُ سيرتي الذّاتيّة، بهمّةٍ سأفقدُها لاحقاً، ورحتُ أدورُ بها بين المؤسّسات والشّركات.  

سمعتُ «سنتّصل بكِ» أكثر ممّا سمِعتُ إسمي مُذ ولدتُ... في البدايةِ، راقَ لي سماعُها. أحببتُ كيف تخرجُ من الأفواه. لكن في ما بعد، بعد أن فهمتُ معنى هذه العبارة طبعاً، صرتُ أرغبُ في أن أعَضّ قائلَها، كائناً مَن كان.

*****

صباح اليوم، تأبّطتُ أكداسَ أوراقِ سيرتي، وتوجّهتُ إلى كلّ المحالِ التّجاريّةِ: ألبسة، أحذية، محمصة، قماش، فلافل...

رجوتُ كلّ واحدٍ من أصحاب هذه المحال، أن يشغّلني عنده.

«أجيدُ ثلاث لغات. أكتبُ جيّداً. أقرأ جيّداً. تدرّبتُ في مؤسّسات عدّة. يمكنُني أن أتدرّبَ في البداية. يمكنُني أن أعملَ من دونِ أجرٍ. يمكنُني أنْ أعملَ وأنْ أعطيَكم أنا أجراً».

لكنّ أحداً من أصحاب هذه المحال، لم يرضَ حتّى أن يأخُذَ منّي سيرتي الذّاتيّة.

بائعُ الفلافل قالَ بسخافةٍ ظنّها ظرافةً: «يمكنُني أن آخذَها لألفّ بها السّندويشات، أما ما عدا ذلكَ، فلا حاجة لي بها».

ولمّا أصررتُ على أحدِ أصحابِ المقاهي، قالَ لي «إن كانت سيرتك الذّاتيّة لم تنفعْك أنتِ، فماذا عساها أن تنفعني أنا؟».

أمّا بائعُ البنّ فسألني «وهل من أحدٍ يعرِّف عنك؟».

إبنةُ خالتي قالتْ لي: «حتّى تعملي في واحدةٍ من الشّركات والمؤسّسات الكبرى التي يصبُّ عملها في خانة شهادتك، تحتاجين إلى واسطة». لكنّها لم تقلْ لي إنّ العملَ في محمصةٍ يتطلّب «واسطة» أيضاً!

ماذا أفعلُ؟ هل آخذُ بنصيحةِ عمّة والدتي «فأتعلّم الطّبخ والنّفخ لأنسترَ في بيت أحدهم؟». أم أكتفي بتأمّل خيبتي في بلدٍ لم تعرفْ ظروفُه ومشاكلُه حلّاً حتّى اللّحظة؟

*****

حرارةُ الشّمس، قطعتْ حبلَ اتّخاذي لواحدٍ من قراراتِ حياتي المصيريةِ العظيمةِ. أيصدّقُ أحدٌ أنّ الشّمسَ هذه مفيدةٌ أكثر منّي؟ تعملُ طوالَ النّهارِ، وفي كلِّ الفصولِ؟ أنا خجلةٌ من نفسي، أمامَ عَظَمة الشّمس السّعيدةِ هذه.

هربتُ من أشعّتِها إلى شجرةٍ خضراءَ حلوةٍ. وضعتُ أوراقَ سيرتي الذّاتية (نعم الّتي لم يأخذْها أحدٌ منّي)، على التّراب، وجلستُ إلى جانبِها.

أرخيتُ ضياعي على جسدِها البنيّ، وزفرتُ: «لقد فقدتُ آخرَ قطرةٍ من الأملِ. انتهى».

ألقيتُ نظرةً إلى الأوراقِ البيضاء. حملتُها... إلى فوق، رميتُها. نحو الشّجرة... السّماء... الفضاء... البعيد. رميتُها لعلّ أحداً يلتقطُها، فيجد ضالّته فيها.

لكن مهلاً، ما هذا؟ الشّجرةُ هذه حبلى! حبّاتُ برتقالٍ كبيرةٍ تتدلّى من أغصانِها الوارِفة.

الشّمسُ وشجرةُ البرتقال وجدتا ما تشغلان نفسيهما به، وأنا لا أزال حتّى اللّحظة عاطلة من العملِ!

فليخبرْني أحدٌ، أين نبحثُ عن عملٍ؟ أين نجدُ فرصةً نستثمرُها لنثبتَ كفاءتنا؟

كيف يمكنُ أن نفعلَ هذا في بلدٍ، يستدعي من المُتخرّجين «خبرة ثلاث سنوات» للحصولِ على فرصةِ عملٍ، في حين أنّ الخبرةَ نفسَها تحتاجُ إلى «عمل ثلاث سنوات»؟

ماذا أفعلُ أكثر من أنّي تركتُ نسخةً من الـ «سي في» في كلِّ شبرٍ من أشبارِ هذا البلد؟

ماذا أفعلُ أكثر من أنّي لم أتركْ مقابلةً إلّا وأجريتُها، بريداً إلكترونيّاً إلّا وأرسلتُ به سيرتي الذّاتيّة، محلَّ أحذيةٍ إلّا وعرضتُ عليه شهادتي؟

لم يبقَ إلّا جارنا اللّحام «أبو نادر» لم أضعْ في ملحمتِه سيرتي!

*****

«ماذا عليّ أن أفعل؟!» سألتُ الشّجرة.

انتظرتُ منها أن تشرحَ لي... أن تخبرَني أنّي مُخطئةٌ... أن تقولَ شيئاً يؤنسُني... لكنّها لم تشرحْ، لم تخبرْ، لم تقلْ شيئاً. بل اكتفتْ بأن قذفَتْ نحوي إحدى ثمراتِها.

حملتُ البرتقالةَ وصحتُ بها: «برتقالة؟ وماذا أفعلُ بها؟ تلك تفّاحةٌ يا فالحة... تفّاحةٌ لا برتقالة!».

قلّبتُ البرتقالة بين يديَّ. كبيرةٌ. مدوّرةٌ. طازجةٌ. منعشةٌ. ماذا عسايَ أن أفعلَ بها غيرَ أن أقطّعَها وآكلَها، أو أعصرَها وأشربَها؟

أحدٌ لا يجيبُني. أحدٌ في هذه البلادِ الخائبةِ لا يحبُّ الأسئلةَ ولا الأجوبةَ.

*****

وجّهتُ عينيّ نحو غيومِ السّماء: «تفّاحةُ نيوتن ألهمتْه ففعلَ ما فعلَ، ماذا يمكنُ هذه البرتقالة أن تلهمَني؟».

صَرَختُ: «وجدتُها. وجدتُها. لقد وجدتُها».

تركتُ البرتقالة قربَ أمّها، وهرعتُ إلى البيت.

قلتُ لأختي: «العملُ ليسَ عيباً. العيبُ في ألّا نسعى».

أخذتُ كيساً قماشيّاً كبيراً جدّاً، وعدتُ إلى الشّجرة... قلتُ لها فورَ وصولي: «فلتسامحيني يا شجرة، سأقطِف فَلَذاتِ كَبِدِكِ».

ابتسمتِ الشّجرةُ ومدّتْ أغصانها لي.

رَجَعْتُ إلى البيتِ مسرعةً، فرّغتُ الكيسَ من تلك الثّمرات البرتقاليّة الحلوة. غسَّلتُها جيّداً. عصرتُها. وضعتُها في قناني شفّافة... ثمّ خرجتُ إلى الشّارع.

منذ اليوم أنا أبيعُ عصيرَ البرتقال الطّازج في الشّارع، كما يفعلُ عشراتُ الشّبابِ.

شجرةُ البرتقال تلك، لم تأخذْني إلى حيثُ يجب أن أكون، بل أخَذَتْ بيدي إلى حيثُ يجب (ربّما) ألّا أكون. لكن أن نكونَ حيث يجب (ربّما) ألّا نكون، أفضل بكثيرٍ من ألّا نكون أبداً. المهمُّ، أن نبدأ من مكانٍ ما. وها أنا ذا بدأتُ.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً