محمد حسن خليفة

كاتب من مصر

(الاختراق العظيم).. ليس "الأخ الأكبر" وحده من يراقبنا

نحن اليوم مُجرّد أرقام وبيانات تجمعها شركات عملاقة وتبيعها من دون موافقتنا.

"الأخُ الأكبر يُراقبك". قالها جورج أورويل على لسان أحد أبطال روايته "1984".

إذا كان "الأخ الأكبر" قد عبّر عنه أورويل قبل عقود بالسلطة التي تراقبنا عبر أدواتها المتنوّعة، فإن سطوة هذا "الأخ" على الشعوب تشتدّ اليوم عبر السوشيل ميديا بمفهومها الواسع. تلك الشبكة التي تسخّر التكنولوجيا الرقمية وعِلم البيانات، فتجعلنا مراقبين. تحصل على معلوماتنا. تُحلّلها. ثم تستخدمها ضدّنا، لصالح أشخاصٍ وكياناتٍ تدفع لقاء ذلك مبالغ خيالية.

نحن اليوم مُجرَّد أرقام وبيانات تسبح في الفضاء الإلكتروني، وهناك شركات عملاقة، تجمعها، وتبيعها من دون موافقة صريحة منا.

هذه القضية هي محور الفيلم الوثائقي "الاختراق العظيم" The Great Hack" (إنتاج نتفليكس وإخراج كريم عامر وجيهان نجيم).

يناقش الفيلم هذا الموضوع لحظةً بلحظة، منذ أن بدأ الأمر مع فضيحة شركة "كامبريدج أناليتيكا"، وموقع "فيسبوك"، في بيع بيانات ملايين الأميركيين والبريطانيين لصالح حملة دونالد ترامب الإنتخابية، واستخدامها للتأثير على توجّهاتهم الإنتخابية، وقبلها حملة "بريكست" ودعوى انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.


نحن مجرّد سلعة

كل نشاطاتك الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك استخدام بطاقات الائتمان، والأبحاث على الإنترنت، ومعاملات الشراء والبيع، ومواقع تواجدك، كلها توفّر عنك "بروفيل" غنّي ومُتجدِّد بالمعلومات.

وما يحدث بعد ذلك أن بياناتك الإلكترونية الشخصية (المعلومات) تُمنح لجهة تشتريها، وقد ترك لها حق استغلال بياناتك لأغراض إعلانية وسياسية. بشكل أو بآخر، تصبح كل المعلومات التي جُمِعت عنك سلاحاً في يد مُشتريها، وبالتالي يصير في إمكانه تحديد الطريقة المُثلى للوصول إليك والتأثير في اختياراتك.

ما يجري حالياً هو أن مواقع مثل فيسبوك، وأنستغرام، وواتس آب، ويوتيوب وغيرها، أصبحت تتوقّع تصرّفاتنا، بناءً على ما نقدّمه إليها مِن بيانات، وتوقّع هذه التصرّفات أصبح الآن دقيقاً جداً، لدرجة تُشعِر مُستخدِم هذه المواقع بالخوف.

إذ ما إن يعلن أحدنا عبر فيسبوك مثلاً (عبر تعليق أو رسالة خاصة) أنه يحتاج لشراء هاتف جديد، أو الحصول على سيارة، أو الذهاب لمطعم ما. لن تلبث الإعلانات المتّصلة بهذه الحاجات الثلاث تظهر أمامه عبر سَيْلٍ لا ينقطع من المنشورات ومقاطع الفيديو. الأمر مردّه إلى كون بياناتنا بما فيها التعليقات والإعجابات (likes, comments) تؤمّن صورة وافية عن ميولنا وحاجاتنا، في زمن تحوَّلت فيه حياتنا البشرية إلى تعامُلات وتفاعُل رقمي. سواء كان حباً، كرهاً، خوفاً، ضيقاً، نجاحاً أو فشلاً، كلها تمثل ثروة لمَن يجمع بياناتك. هذا ما يرتكز عليه فيلم "الاختراق العظيم".


بريكست وترامب.. والقوة الخفية

مع انطلاق السباق الرئاسي الأميركي والذي شمل عدداً مِن المشرحين، لم يصل إلى المنافسة النهائية سوى إثنين، هما الديمقراطية هيلاري كلينتون والجمهوري دونالد ترامب. الحملات الانتخابية تقلّصت إلى حملتين، في حين بدأ الأميركيون بالانقسام. ساهم في انقساهم ما يُبثّ على الإعلام وما يُصاحبه من انتشار للشائعات. لكن كان ثمة قوة خفية تعمل بالتوازي. إنها التكنولوجيا.

دايفيد كارول (مُتخصّص في الإعلام الرقمي وبناء التطبيقات) استطاع أن يعرف بعد بحث طويل، أن البيانات المرتبطة بنشاطاتنا على الإنترنت، لم تكن تتبخَّر وحسب! مثله مثل الجميع كان هذا هو الاعتقاد السائِد، لكن بعد دراسة وتعمّق اكتشف دايفيد أن آثارنا الرقمية تُجمَع وتُحفَظ لتتحوَّل إلى قطاع صناعي يكسب منها مبالغ ضخمة سنوياً.

بدأ دايفيد البحث عن أجوبةٍ لِما حدث في الانتخابات الأميركية، وكيف فاز ترامب؟ وأين تنتهي بياناتنا؟ كان أول سؤال خَطَر بباله، هو، مَن كان يغذّي مخاوفنا، وكيف؟ ثم كان الجواب. إنه "مشروع ألامو" الذي كان بمثابة الذراع الرقمية لقسم عمليات حملة ترامب. عندما بلغ هذا المشروع الذي شارك فيه ممثلون عن فيسبوك، يوتيوب، وغوغل، ذروته، كان يُنفق مليون دولار يومياً على إعلانات داعِمة لترامب. أما الغاية فكانت واضحة: كيف يمكن لترامب الوصول إلى البيت الأبيض؟

الإجابة كانت لدى شركة "كامبريدج أناليتيكا"، الشريك الأساسي في المشروع. فقد كانت بمثابة العقل ومركز البيانات الذي يضخّ ملايين المعلومات المفيدة لــ "مشروع ألامو". في المحصّلة، وصل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض!


بياناتنا حقنا.. فلنطالب بها

فيسبوك، كامبريدج أناليتيكا، ترامب، وخروج بريطانيا مِن الاتحاد الأوروبي، كل هذا له رابط واحد، يبدأ منه فيلم "الاختراق العظيم The Great Hack"، حيث كل شيء يرتبط بعضه ببعض. الشركات والهيئات والأهم بيانات المواطنين التي تمّ بيعها ثم استخدامها. وكما فعلت "أناليتيكا" مع ترامب ليصل إلى رئاسة الولايات المتحدة قامت بالمهمة ذاتها في حملة "بريكست".

لقد وثّق الفيلم ما قام به كل من أناليتيكا وفيسبوك، من بيع البيانات وكيف أصبحت هذه صناعة ضخمة، وكشف ما كان يدور داخل هذه المؤسَّسة العملاقة. الفيلم تتبّع وقابل أشخاصاً من ذوي الصلة المباشرة مثل: دايفيد كارول، بول أوليفيه، بريتني كايزر، ألكسندر نيكس، كارول كادوالادر، وكريستوفر وايلي.

طبقاً لألكسندر نيكس المدير التنفيذي في "أناليتيكا"، يُعرف تحديداً ما الذي تفعله الشركة كالتالي: هي شركة الاتصالات المرتكزة على البيانات الأبرز في العالم. بيانات علمية مُحترفة تعرّفكم أكثر على الجمهور الذي تريدون الوصول إليه، وكيف تصلون إليه.

هذا ما كانت تفعله الشركة في البداية، إلى أن أصبحت مهتمة أكثر ببناء قطاع انتخابات قوي لها. القطاع الذي سيتواصل في ما بعد مع حملة ترامب، بقيادة كل من ألكسندر نيكس، وبرتني كايزر، ويساعده للوصول إلى الحُكم، ويدعم حملة "بريكست".

"كامبريدج أناليتيكا"، ما هي إلَّا آلة دعائية كاملة الخدمات، وستيف بانون، أحد مؤسّسيها كان رئيس حملة ترامب في الانتخابات.

كل هؤلاء خضعوا لجلسات استماع في الكونغرس الأميركي، على رأسهم رئيس فيسبوك، مارك زوكربيرغ، الذي شهدت جلسة استماعه ليس فقط متابعة كبيرة داخل أميركا، لكن على مستوى العالم كله. إذ كانت الأسئلة الموجَّهة إليه تُشير رسمياً إلى أنه فقد ثقة المُستخدمين في موقعه.

لقد أصبحت قضية دايفيد كارول منذ أن قرَّر أن يجبر "أناليتيكا"، على منحه بياناته، كي لا يتمّ استخدامها ثانيةً ضدّه، سبباً في ضرورة اعتبار الحق في البيانات من الحقوق الأساسية والبسيطة والعادلة، وهو ما بات قضية دايفيد وغيره الكثيرين.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً