مازن معموري

شاعر وكاتب من العراق

في العراق ... أزمة ثقافة أم مجتمع؟

الناقد الاجتماعي الشهير علي الوردي غيّب من نسق الدراسات الثقافية لسبب خطير يكمن في هيمنة الخطاب السياسي للحكومات المُتعاقبة، لدرجة أن صدّام حسين أمره بالكفّ عن الكتابة نهائياً>

  • في العراق ... أزمة ثقافة أم مجتمع؟

هل يعيش العراق أزمة ثقافة أم أزمة مجتمع؟

ينطوي هذا السؤال على فخٍ يفصل بين الثقافة والمجتمع، علماً أن الإثنين مرتبطان بنسق الإنتاج والتبعية السياسية والاقتصادية في الشرق العربي حصراً، ومنهما إلى تفرّعات المنظومة الاجتماعية والسياسية على أرض الواقع. بما فيها تحوّل المؤسسات الراعية للثقافة ومُنتجاتها الفنية والأدبية مثل المسارح والصحف ودور العرض التشكيلي والسينمائي وغيرها.

وحين نتحدّث عن الثقافة في العراق، فإن الإشكالية تكمن في ربط الفنون الإبداعية بمفهوم الثقافة الذي ينتجه المجتمع. بمعنى أن هناك ضبابية واضحة في فهم معنى مُصطلح الثقافة وربطه بالفنون الإبداعية. فكل شخص يعمل في الأدب والفنون يُعتبر مثقفاً، وهذا خطأ كبير يقع فيه أغلب المُشتغلين في مجال الصحافة العامة وحتى التخصصيّة إلا النادر منهم.

حين نقول إن هناك أزمة ثقافة، فإننا نعني فهم المثقف لمعنى أن يكون مثقفاً في عصرٍ ما ومجتمعٍ ما. ففي بداية القرن العشرين بدأ المعنى يتشكّل بوضوح لحظة تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 كما تشير إلى ذلك فاطمة المحسن في كتابها "تمثلات النهضة في ثقافة العراق"، حيث بدت تمثلات تلك النهضة في كتابات الأدباء من أمثال جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي. وهو سبب ربط المجتمع العراقي بشكلٍ عام بين مفهوم الثقافة الأوروبي وبين خطاب الشاعر بشكل خاص، وكذلك كتّاب الرواية الاوائل مثل محمود أحمد السيد، وحتى على مستوى الشعر الشعبي كالملا عبود الكرخي والحاج زاير الدويج.

في العام 1958 بدأت ثقافة الأيديولوجيا العسكرية والنظام المركزي العسكري الذي انتهى بسلطة البعث في الستينات. حينها أصبحت الثقافة موجّهة وملغومة والمثقّف بمن فيهم الشاعر والناقد والقاص والفنان بوقاً للسلطة الحاكمة. وأصبح المجتمع مجرّد كائن غريب عن الثقافة بصفتها مفهوماً مجرّداً من التطبيق. وبهذا الوضع يكون المثقّف العراقي قد فقد أهم عنصر من عناصر الثقافة وهي القيمة الاجتماعية للمثقّف. 

يُشير الكاتب محمّد غازي الأخرس في كتابه "خريف المثقّف في العراق" إلى تلك الأزمة المُخيفة في ظل أجواء نظام استبدادي حوّل الإنسان إلى بيدق حرب لا تنتهي، والمثقّف فيها مجرّد رقم قابل للتسويق الإعلامي مع تهجير وقتل أغلب رجالاته المُحترمين في المجتمع، ولا تفوتنا توصيفات كنعان مكية وهو يسرد صوَر الانهيار العراقي ما بعد احتلال الكويت في كتابه "القسوة والصمت".

فما هو موقف المثقّف العراقي من كل هذه التحوّلات؟ ليس المقصود الموقف الأيديولوجي، إذ إن أغلب المُشتغلين في المجال الثقافي والصحفي منتمين إلى أحزاب مختلفة ومُتناحرة، من أصغر شخص إلى سعدي يوسف الذي يصف نفسه بالشيوعي الأخير وانتهى مؤخراً بالطائفي السنّي القومي العروبي، وكأن مائة سنة من التحديث العربي كانت مجرّد عاصفة صفراء وقد مرّت إلى الأبد.

بمعنى أن المثقّف العراقي بقي حالماً بالخلاص حاله حال أي شخص عابر لا يمتلك القدرة على التصريح والتأثير بالآخرين، وربما يردّ البعض بأن ليس على المثقّف أن يكون منخرطاً في مشاكل المجتمع، والجواب هو إن لم يكن مُهتماً بالحراك والتحوّلات التي يعيشها المجتمع فماذا يفعل إذن؟ هل يلعب كرة القدم؟ ليس المطلوب أن يكون المثقّف مُحللاً نفسانياً أو اجتماعياً، بل بوصلة للحقيقة التي يطمرها السياسي ورجل الدين.

للمرة الأولى بعد 2003 في تاريخ العراق بات يستطيع أي فرد أن يعترض ضد حكومته ويشاركه بذلك كل من تونس ولبنان ومصر بشكل علني، ليس لأن تلك الدول ديمقراطية وتحترم الإنسان، بل لأنها لا تمتلك القدرة على الرد والعقاب.

إن فوضى الحُكم الطائفي والمُحاصصة جعلت من المثقّف في دوامةٍ كبيرة، فهو يستطيع قول الحقيقة ولكن من دون تأثير في المحيط الاجتماعي، وأفضل مثال على ذلك هو جهد الشاعر أدونيس في كل محافله الصحفية والثقافية لتفسير الواقع والتحوّلات الاجتماعية والسياسية لسبب جوهري، هو أن المثّقف ليس بوصلة المجتمع والعامة من الناس، بل رجل الدين الذي رسم خطوط الصراع والقتال وفق الرؤية التاريخية التي تنصّ على أن الحقيقة تكمُن في الماضي. وأن كل ما يحدث مرسوم وفق خطة إلهية. رغم ألا أحد ممَن يتحدّث بهذا المنطق مُطّلع على دفاتر التاريخ وسردياته، وهذا يعني أن الثقافة الشعبية هي مَن ترسم وتبرّر ظواهر الأحداث وتواترها الجدلي الشفاهي من دون فحص علمي.

السؤال الخطير الذي يواجهه المثقّف العراقي اليوم هو: هل هناك إشكال أخلاقي يخصّ شخصية المثقّف؟ بما أن النسق العام للثقافة العراقية ينحو إلى بيان الانتماء لفكرة الحكومة وليس الدولة المدنية، وليس هناك فيض معرفي يتجاوز حدود المرئي من الأشياء والأفكار إلا في حدود الترجمة وتداعيات الحراك الثقافي الغربي، وتأثير ذلك على منظومة التفكير العربي كما هو معروف في مناهج التفكير لدى علي حرب (التفكيكي) ومحمّد عابد الجابري (البنيوي) وإدوارد سعيد (الوصفي التاريخي).

وفي العراق نجد أن الناقد الاجتماعي الشهير علي الوردي قد غيّب من نسق الدراسات الثقافية لسبب خطير يكمن في هيمنة الخطاب السياسي للحكومات المُتعاقبة، لدرجة أن صدّام حسين أمره بالكفّ عن الكتابة نهائياً، وغيرهم من المثقفين الذين يحملون طابعاً غربياً بقضية عربية، مع عِلمهم أن الثقافة إبنة الواقع والبيئة المعيشة في كل مكان وزمان. أما بقية النقّاد الأدبيين فقد كانوا مجرّد تطبيقيين للمناهج الغربية على نصوص أدبية لا تمتّ إلى الثقافة بصلة، على سبيل المثال: دراسات بعض النقّاد لشعر المُتنبي وفق المنهج البنيوي في حرب الثمانينات في العراق رغم أن الحرب كانت تأكل الشباب والاقتصاد من دون أثر إنساني أو ثقافي أو موقف أيديولوجي يُذكر.

ليس المُراد إتّهام أحد لكن ما يحصل دائماً هو الخيانة الثقافية للمجتمع، بما في ذلك حضور جبهتيّ المثقّف الداخلي والمثقّف الخارجي التي أصبحت ظاهرة مُتداوَلة في ثقافة ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق. حيث يتميّز مثقّف الخارج بالتعالي الاقتصادي وامتلاكه لـ "حقوق الإنسان" بسبب حصوله على جنسية أجنبية، في حين يرزح مثقّف الداخل على كل مصائب الدنيا والآخرة لا لشيء سوى إنه يعيش داخل العراق، متّهماً بوطنيته وإنسانيته وثقافته بصفته غير حائز على لغة عالمية أخرى مثل الإنكليزية أو الفرنسية أو الألمانية، ومنها إلى كل أساليب المعيشة المُتحضّرة في العالم المُعاصر.

هذا ما يحدث في العراق حصراً، لكننا نشير إلى أزمة الثقافة والإنسان في حيّز عربي مثل العراق، لننطلق منه إلى كل منطقة في الوطن العربي الذي يُعاني من أزمة حارِقة مثل اليمن المَنسي في غياهب الصراع الدامي لتيار القتل المجاني والإبادة التي سوف نبكي عليها دماً مثلما حصل في العراق وسوريا، وما زالت غياهب الصحافة والتثقيف تمارس دورها السلبي في ستر الحقيقة وتغييب كل مُبدع ومثقّف يمني يحاول التعبير عن تفسيراته بالكتابة أو الإعلان في وسائل التواصل الاجتماعي. الواقع في العراق مُتشابه تقريباً مع نظيره في كل مكان في الوطن العربي المسلوب إلا في حدود منطقة الخليج العربي.

ويا لها من مُفارقة حين يكون جذر العروبة والحضارة الإسلامية مُحرّكاً أساسياً للدمار العربي في الوقت الذي كان فيه الرسول العربي محمّد (ص) فرصة للوحدة العربية والانتشار في العالم كله، بصفته لحظة اختلاف ديني وحضاري.

في نهاية المطاف نسأل: هل هناك حاجة مجتمعية للثقافة في العراق والوطن العربي بعد كل ما حدث ويحدث؟ بالتأكيد سيكون الجواب مُناطاً بمُتغيّرات السلطة الحاكِمة لكل بلد، وهو ما يعني أن المُتغيّرات مُرتبطة بمُتغيّرات الصراع العالمي للقوى حول منابع الطاقة النفطية العربية والشرق أوسطية التابعة للغرب ثقافياً وتقنياً واجتماعياً إلى حدّ اللعنة.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً