عبد الله خليفة

كاتب لبناني

ثرثرة مع الذات!

أمّا أنت يا صديقي فعانقني حتى يخترق صدرك صدري ويدك يدي.

يتكلّم الإنسان مع نفسه نعم ولكن هل يكتب مع نفسه؟ هل يكون موضوعه الذي يكتب عنه هو نفسه أيضاً؟ أعني بنفسه الآن لا كصورةٍ عالقةٍ على الجدار ينقل تقاسيمها على الورق، بل كحال متحرّكة يخاطبها وتخاطبه من مكانين مختلفين.

"عبد الله" كيف حالك يا رجل؟ مضى زمنٌ طويل!

نعم طويل على ما يبدو إلى الحد الذي يجعلني لا أعرف من أنت!

أنا هو أنت لكننا منذ كنا صغاراً كانت خلافاتنا تكبر، فقرّر كلٌّ منا أن ينسى نفسه فأنا نسيتك وأنت نسيتني.

وكيف يمكن لأحد أن ينسى نفسه؟

يُلبِسُها الأقنعة ويرفض رؤيتها من خلال نفسه بل يراها من خلال ما يراه الآخرون، فهو يقيّمُ نفسه سلباً كان أو إيجاباً بناءً على ما يقوله الناس وهكذا يُصبح أقرب إلى الناس منه إلى نفسه.

وهل يُعقَل أن يكون إنسانٌ ما أقرب إلى الآخَرين منه إلى نفسه؟

لِمَ لا؟ ألا ترى أن أحدنا يفعل ما لا يريده بل ما يُملى عليه؟ ألا ترانا نلبس منذ الصغر ما لا نهوى ونأكل ما لا نحب وندخل الجامعة فندرس ما لا نرغب وأحياناً يتزوّج الكثيرون منا بغير إرادتهم. هكذا نكون أقرب لإرادة الآخرين منا إلى أنفسنا.

ولماذا ننفصل، هل هذا نحن فقط أم أنها حال الجميع أن يخرجوا من أنفسهم ويذوبوا في الآخرين؟

نولد لنا شخصيتنا وتفكيرنا تماماً كبصمة الإصبع لا يمكن أن يتشابه فينا إثنان بذات الفكر كيف وكلٌ ينظر إلى عالمه من مكانه المختلف، ثم يا صديقي يأتي الثقب الكبير الأسود تماماً كما الذي في الكون يسحب المجرّات إليه يجاذبيته، وهكذا على الأرض يأخذ فكرٌ ما كرسي الحُكم فيجتمع حوله كثيرون ممَن لهم سلطة على المجتمع ثم نصبح جميعاً منجذبين ليس لنا إلا أن ننسجم ونذوب ونقفل على عقلنا بالمفتاح ونرميه في المجرّة السوداء التي تبتلع كل المفاتيح الأُخرى.

نحن مُقفَلون ننسلخ عن ذاتنا ونصبح قوةً للأسود الكبير على أنفسنا وعلى من يشعر مثلنا بكياننا الذي نتحرّك فيه، ثم يصبح لكلِّ شيءٍ آذان تسمع حتى حين تكلّم نفسك فينذوي الكثيرون عن التحدّث مع ذواتهم حتى لو رأوها صدفةً في شارع الذكريات تمرٌّ حاملةً صوَر الطفولة وطموحات الشباب، لا يلتفتون إليها، يتصرّفون كأنَّ سراباً ما مرَّ من هنا. أرأيت يا صديقي لو أنَّ لك صديقاً حميماً يمرُّ ثم تجاهلتَهُ كيف يشعرُ في داخله وكيف ستشعر أنت إن كان المارُّ من أمامك نفسك وطموحك وكيانك وأمانيك؟ كيف ستشعر وأنت تلغي نفسك من مساحة العالم لتلحقها بالأسوَدِ الكبير؟

ومَن هُوَ الأسودِ الكبير؟

من يُزاحمَكَ دورَكَ في طابور الحياة. يأتي من آخر الطابور ويقول للواقفين تنحّوا لي حتى أمُرُّ، وهكذا يفعلون ثم إنْ اعترض أحد على فعله نادى لهُ آخرون قد رضوا بأن يتقدّمهم ولم يعترضوا، وقال لهم أرأيتم هذا الواقف هناك يعترض على تقدّمي عليه ولا يعترض على تقدّمي عليكم، فلماذا أنتم ساكتون؟ ألا تُكَبّلوا لهُ عقله وتضعوه جانباً فإنكم تُحدثون جلبةً وصوتاً عظيماً لو تكلّمتم وهو واحدٌ فأسكِتوه.. وهكذا يفعلون. ثمَّ يكسرون الأقلام ويُطفئون المذياع ويحرقون الكُتُب ويخنقون الكلمة، ويغطّون الشمس بضبابٍ كبيرٍ حتى يظنُّ البعض ألا أحد يحكم العالم إلاَّ الأسود الكبير.

ومن هم الذين يقبلون أن يهجموا على الخير وهو واحد وينصاعوا للشر وهو واحدٌ أيضاً؟ أليس الأجدرُ لو تعادل الخير والشر وأن يتبع الواقفون في الطابور الخير؟

هؤلاء هم الذين يسكنهم الخوف من كلِّ شيء، من الفرح ومن السكون ومن العصافير المُغرّدة على أغصانها.هؤلاء الذين خرجوا من رَحَمٍ إلى رحِم ولم يفتحوا أعينهم بعد على نور الحياة. فما أن يُقطَعَ عنهم حبل الإفتتاح لحفلة الأبدية حتى يتمسّكوا بحبالٍ أُخرى، وما أن يرتفعوا حتى يتملّكهم رهاب العلو فهم قصّوا جناحاتهم خوفاً وحرموا أنفسهم أن تُحلّقَ في سماء الوجود، وأن تتذوّق طعم الحرية. وكيف لمَن لم يتذوّق طعم الحرية أن ينتفض على الظلم أو يتمرّد على الطغيان؟

حسناً، وما هي الحرية؟

الحرية هي إكسير الحياة. ما إن تحسَّ بأصابعها تنسابُ إليك حتى يملؤكَ الدفء كأن روحكَ تنفخُ فيك من جديد وكأنّ أيامك قد بدأتْ لتوِّها. الحرية هي أنتَ كما يريد عقلك أن تكون وقلبك أن تكون الحرية. ألا يجذبكَ الأسود الكبير إلى فضائه فيمسح عنك بصماتك وتفاصيل وجهك ويُلبِسَكَ قناعاً يُخيَّلُ إليكَ أنّهُ أنت لكنه ليس أنت. أليست هذه الحبال التي تتمسكُ بها هي التي تخنقُ روحك أيضاً؟ أليست هذه المغارة لكَ سوى هذا العشّ للعصفور يرجع من معركته مع الحياة، ويُصلِحُ جناحيه لمعركةٍ أخرى؟ فكيف تجعل حياتك إذن فضاء الكهف وتمسِكُ روحكَ أن تنطلق إلى فضائها؟

أمَّا الزنازين التي يجدلُ الأسوَد الكبير قضبانها فبمَن يجدلها؟ أليس بهؤلاء الّذين تخلّوا عن أنفسهم في الطريق وباعوا ضمائرهم برغيف خبزٍ هو لهم؟ وهذه السلال أليس الأسوَدُ الكبيرُ يُحيكُها بأيادي الذين سيلبسونها في ما بعد؟ وهذه الستائرُ داكِنة اللون التي توضَعُ على شرفات الأمل فتحجبُ عنها نور الشمس، أليس هي السمُّ الذي يشربه الصغار فيموت فيهم الأمل إذا كبروا؟

أمّا أنت يا صديقي فعانقني بكلّ أيادي الحرف. عانقني حتى يخترق صدرك صدري ويدك يدي وتقاسيم وجهك تقاسيم وجهي. عانقني فيسقط عني القناع فأرتدي وجهك، فأنا هو أنت، ودمك هو دمي، وإن كنت تخاف أذان الحيطان وعيون السماء فعانقني الآن ولو بمقدار رمشة عين، ولو كردّة طَرْفٍ. عانقني ولو حتى على الورق!

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً