خديجة صفي الدين شرارة

كاتبة من لبنان

14 نصيحة لصديقي

إياكَ أن تسعى لنَيْلِ مراتب القلوب، فإنها فُطرَت على التّقلُّب.

صديقي، هذا الجسد ما هو إلاَّ قارورةٌ سكب الله بها روحكَ البخارية، وحدكَ أنت مَن يصنع من هذا البخار عطر البخور أو دخان مداخنٍ مُغبّرة! إنها معركةٌ مُحتدمةٌ بين رائحةِ المسك وترسّبات العفن، وحدها علاقاتك ترسمُ الحدّ الفاصل بين هذي وتلك!

كلّما مرَّرت بشخصٍ مُعطّر، صبّ بعضاً من نفحاتهِ في قارورتك، وكلما اصطدمتَ بشخصٍ مغبّر تركَ أثراً من تلوّثه عليك. لذلك كن حريصاً على معاشرة قوارير تشبهك وتكمّلُ الثلم الذي أحدثتهُ فيك أظافر وأنياب القساة.

صديقي، هاكَ خريطتي المبسّطة التي تتيحُ لكَ سنّ قانون المعشرِ المتوازنِ والحَسَن. 

صديقي، كلُّهم متشابهون. لا تسمح لعينيكَ أن تنبهِرَا من النّظرةِ الأولى، وامسك بقميصِ قلبكَ المتهوّر! للبداياتِ بريقٌ خدّاع، والنهايةُ هي مسكُ الحكاية. وما بين الأولى والثانية يظهرُ معدَنُ الأفراد! صديقي، لا تأسَ على ما فاتك من العلاقات المُبهرة، ولا تذرف الدّمعَ على مَن أحدثَ ثقباً في كلتا عينيك، لا ترتمِ في حضنٍ قذفكَ يوماً ما، ولا تسمح لذاكرتكَ أن تتشبَّث بأشباه الأحبّة! 

ضع قلبك في أكفٍّ رحيمة، ذاتَ أصابعٍ ليّنة، لا تشدّ قبضتها مهما تبدلّت الظروف! إعلم أنه لا يوجد من لا يستطيع الإستغناءْ عنك، البدائل متوفّرة والقلوبُ متقلّبة. سأُشفقُ عليك إن ظننتَ أن الله لم يخلق سواك، تأمّل عدد الخلقِ من حولِك قبل أن تصفَعكَ الخيبة!

لقد أفلتكَ رحمُ أمّك عند ولادتك، كيفَ تثقُ بأن هناك مَن سيمسكُ بك إلى الأبد؟ صديقي، مَن يريدُ وصالكَ لن يضلَّ الطريق، وإن ضلّها، سيجعلُ من قلبهِ خارطةً للوصولِ إليك ... فلا تُتعب نفسك في إزالةِ الحجارةِ من أمام ديارك، ولا تكلّف يداكَ حملِ ما لا طاقة لها به!

هذا شارعك، وذاك منزلك، لا تصنع لنفسكَ منزلاً سواه ولا تُهيّئ لهم الطريق!

تعلّم أن تعضَّ على جراحكَ بصمت! وحينَ تعتريكَ رغبةٌ بالصّراخ، إبتَلعْ صوتك واترك صداهُ مدوّياً في رأسك. ليسَ هناكَ مَن يهتمُّ لنحيبكَ الرّوتيني المُمل! إمسح دموعك بطرفِ ردائك، فمناديلهم مُبتَلّةٌ بعطورٍ ثمينة قد تفسدها أملاحُ دمعِكَ الرّخيص. حذارِ أن تستسلم، إنها كفُّ قلبكَ اللّحوح، تضربُ صدركَ بقوّةٍ كي تنهزم أمام الألم! وتذكر أن شكواكَ لن تُسعِفك، بل ستزيدُ من آلامك وستكسِرُ ما تبقّى من فؤادكَ الزّجاجي، لابدَّ من أن تدركَ أنك تقاسي وحدك وليس هناكَ مَن يقاسمكَ هذا الألم سوى نفسك!

صديقي، إحذَر أولئك الذين يجتاحونَ حياتكَ بصخَبٍ عارم، فيُخالُ لكَ أن زفّةَ أحدهم تُقامُ في قاعة قلبك! فرحيلُ هذا النوعِ من الأشخاص، يشبهُ الموت. هم يحرصون على إقامة الحفلاتِ في صدرك، وفجأةً يختارون الإبتعاد عنك بهدوءٍ حَذِر، على رؤوسِ أصابعهم الباردة! فتنتقلُ من مراسم الزفافِ إلى مراسم الجنازة؛ تشتاقُ لهم بجنونٍ مؤلم، ويرتدّ صدى نداءاتك إليك! ويصيرُ حالكاً كوجه الأمّ في جنازةِ إبنها، تناديهِ بحرقةٍ تُفرِغُ فؤادها المكسور، وقلب وليدها يتجاهل معجزة نداءاتها، ويتخلّى عن نبضهِ ببرودٍ موجِع!

لذلك، إحرص على بدايةٍ متوازنة، تضمنُ لكَ الرقصَ من دونَ بترِ كعب حذائك! وحينَ يُغلَقُ البابَ في وجهكَ ألف مرّة، إستيقظ من وَهْمِ مكانتك، إنها ليست الريح! بل هناكَ يدٌ خلفَ هذا المِقبَض تأمركَ أن تخفّفَ من زياراتك المتتالية!

لا تقاوِم كثيراً، بل دعْ تيّارَ قلوبهم يصنّفُكَ كيف يشاء! لا تحاول مواجهة أمواجَ مشاعرهم، بل اركب تلك الأمواج ودع لها قرارَ التصنيف؛ فإمّا أن ترميك نحو شاطىء أولوياتها وإما أن تُغرقكَ تحت هامش اهتماماتها!

إعلَم أن الحروبَ التي تُخاضُ للفتِ الأنظار، تنتهي بك بأسفلِ البصَر، وتُردي غروركَ جثةً هامِدة في قبورِ التجاهل الأبدي.

إياكَ أن تسعى لنَيْلِ مراتب القلوب، فإنها فُطرَت على التّقلُّب؛ اكتسبت من النحلةِ طبعَها الخائن في التنقّل من زهرة إلى أخرى، وكيدها الأحمق في لسعةِ الموت!

صديقي، دعكَ من هذه المعاركِ الحمقاء، فما حاجتكَ بأفئدتهم الصدِئة، وقلبُ الله - "البلّوري" - يحتويكَ من كلّ جانب؟ 

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]


 

إقرأ أيضا