أيمن حسين

مدرس وباحث سوري حائز على دكتوراه في العلوم التربوية من فرنسا

الروح التربوية في سوريا ومرحلة ما بعد الحرب

يجب أن يكون الحوار والمشاركة صيغتين مُعتمَدَتين شفوياً وعملياً في انتقاء الأولويات والسياسات وبناء المناهج.

بغضّ النظر عن الصعوبة الجوهرية التي تواجه العملية التربوية الرسمية في سوريا، إلا أننا نستطيع أن نميِّز اليوم مجموعة واسعة من السياسات التربوية البراغماتية التي أعادت للتربية مُكتسباتها في مجال التعليم والتثقيف والمواطنة.  لكن هذا لا يعني أن الجهود الوطنية الصرفة كافية. على العكس تماماً، فهناك المزيد من المشكلات العويصة الحاضرة والقادمة والتي تحتاج إلى مناقشة وسياسات جديدة، حتى تكون التربية أحدث وفي تناغُمٍ مع حاجات المجتمع المُتبدّلة وأهدافه على حدٍ سواء.

قبل أن نوثِّق المواقف والأفعال الرسمية، يجب أن نتذكَّر أنه وفي سنوات الحرب شريحة مهمة من الأطفال السوريين حُرِمَت من التعليم الإلزامي وجزء آخر وخاصة الذكور منهم تمّ تعليمهم وإعدادهم في أنفاق أو مساجد أو مدارس استولى عليها تنظيم داعش وجبهة النصرة وحوِّلَت إلى "مراكز تربية وإعدادٍ جهادي ودعائي". وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن التنظيمين الإرهابيين فرضا مناهج خاصة في "التربية" وغايتها تدمير روح وثقافة التسامُح والعيش المشترك التي كانت قيمة أساسية في الفلسفة التربوية في سوريا طوال عقود.

في كل الأحوال لا يمكن لأحد أن ينكر أن هذه الهجمة الفكرية المُتطرِّفة ركَّزت على إلغاء مفاهيم ومبادئ التسامُح والاندماج مع الآخرين، بوصف هؤلاء جميعهم "خوارج ومرتدّين" مُستندة إلى تأويلات متخلِّفة على المستوى الديني والثقافي والقانوني واستخدمت التربية كأداة ناعمة من أجل تحقيق ذلك.

من هنا، تمّ إنهاء تدريس عدد من المُقرَّرات الإنسانية كالتربية الفنية والموسيقية، والدراسات الاجتماعية والقضايا الفلسفية والنفسية ليحلّ محلّها التدريب العسكري واستخدام الأسلحة، فضلاً عن إعطاء التعليم "الديني" العنيف والمُتصلِّب حيِّزاً مهماً في تربية الأطفال من سن الخامسة تقريباً، وتخصيص الكُتب بالمفاهيم والأفكار والأدعية المؤدلَجة ، وإشباعها برواياتٍ وفتاوى وقصصٍ تاريخية من ثم طباعتها وإخراجها بشعارات هذه التنظيمات الإرهابية.

طوال سنوات الحرب استطاع كل من داعش والنصرة زرع الأفكار المُتطرِّفة في نفوس وعقول جزءٍ من أطفالنا، جعلتهم يُعادون الإنسانية والجمال والتسامُح، فأصبح تركيزهم على القدرات العقلية والبدنية والعاطفية ليتخرَّجوا من مدارس التنظيمين تحت مُسمَّى "أشبال الخلافة".  

هذه السياسات والمُمارسات التربوية لم يضعها أحد تحت المجهر ولم تشغل الكثير من المفكّرين ، ولم تكتسب اهتماماً واسع النطاق في الفضاء الرقمي، لكنها بلا شكّ تركت جروحاً وندوباً في أرواحنا، وتحتاج جهوداً كبرى وطنية وربما مساعدة إقليمية ودولية لعلاجها.

يجب الإقرار أن واقع التعليم اليوم وخاصة في المناطق التي تمّ تحريرها مؤخّراً من هذين التنظيمين مختلف. فمثلاً في الغوطة الشرقية ودير الزور ومنذ اليوم الأول للتحرير، أدخلت كوادر إدارية وتعليمية وارتفعت المدارس رغم الدمار.

وكذلك مع بداية العام الدراسي 2018-2019 تمّ تعيين آلاف المُعلّمين والمُعلّمات في مختلف الاختصاصات، وتمّت طباعة الكُتب المدرسية وإيصالها وتوزيعها مجاناً، فضلاً عن تخصيص أقساط مدرسية لجميع الأُسَر لشراء المُستلزمات المدرسية.

الملاحظة التي لا غُبار عليها أن التربية ما زالت في قلب المشروع الوطني في سوريا مهما اختلفت الأحداث والضغوطات السياسية والاقتصادية، ولكن هذا الاهتمام برغم أهميّته يبقى مُتواضعاً أمام التحدّيات والتحوّلات والشعارات التي نعيشها اليوم والتي تُحتّم علينا الوقوف بصدق ، وأن نقرَّ بأن السياسات التربوية كلما كانت مبنية على الحوار والمشاركة، كلما خدمت المصلحة الوطنية العليا.

نعم يجب أن يكون الحوار والمشاركة صيغتين مُعتمَدَتين شفوياً وعملياً في انتقاء الأولويات والسياسات وبناء المناهج، حتى نتمكَّن من صَهْرِ الجميع في مشروعٍ وطني يصبّ في إنقاذ سوريا ويحفظ هويّتها التعدّدية ويُعيد لها مجدها ودورها كما كانت عبر التاريخ.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]