زينب حمود

كاتبة من لبنان

شوارع الذل

أنا اليوم أجول الشوارع وحدودي لا تتخطّى أقدام المارة.

كنت أحلم منذ نعومة أظفاري أن أصير طيّاراً وأجول بلاد العالم، بحرية مُطلقة، من دون أن تستوقفني أية  حدود. وها أنا اليوم أجول الشوارع وحدودي لا تتخطّى أقدام المارة. أدرك جيّداً أن الحلم ليس في متناول الجميع، كان عليّ ألا أحلم.

لا أظن أن الحرب في سوريا علّمت سوريا كما علّمتني. فأنا في العام الأول للحرب تحوّلت من طفل مُتطفّل تُبكيه ملاحظة من معلّمته، لأصير اليوم رجلاً يلكمونه الناس، يوبّخونه ويخدشون ما تبقّى لديه من كرامة. تراني لم أعد أكترث لهراءات الصغار. طموحي لم يعد الحصول على لعبة أغرتني في إحدى المتاجر، تحوّل فجأة إلى تجميع أكبر عدد من الأوراق النقدية لأسعد بها غيري، أمّي وإخوتي. أما والدي، فلم يعلّمني، قبل أن تأخذه الحرب مني، أن أكون إنساناً مسؤولاً، لكنّ الحياة لم تقصّر، علّمتني بقسوةٍ رغم صِغر سنّي.

كانت حياتنا جميلة رغم بساطتها. لم تعد أمّي مُدرِّسة للغة العربية بعدما أقعدها المرض. لكنها لا تزال مدرَستي وبوصلتي وفلسفتي. تقرأ لي أشعاراً وقصائد لأنام. لقد أورثتني حبّ نزار قباني ومحمود درويش وثلّة من الأدباء، حتى بتُّ أحفظ أشعارهم من دون أن أفهم معظمها.

لطالما أحببت لبنان، وتمنّيت زيارة صخرة الروشة، مغارة جعيتا، وسوق الحمراء. وتكفّلت الحرب بتحقيق أمنيتي، فجاءت بي إلى لبنان لاجئاً يتيم الأب، غادر مقاعد الدراسة إلى أرصفة الشوارع. أصحو بتوقيت الطلاب، حاملاً معي صندوقي الخشبي و"اللامِع" وخرقة بالية. وشهادتي  آخذها من تعليقات الزبائن بعد أن أتفنّن في تلميع أحذيتهم، لترضى عني جيوبهم، وأُرضي بدوري أمّي المسكينة وإخوتي الأبرياء.

جاء حذاء جديد إلى صندوقي الصغير لينتشلني من تحرّشي بالماضي. رفعت رأسي المُنكَّس وضحكت ضحكة الترحيب المُصطنعة. ثم انخفض رأسي ليصبح على مستوى الحذاء. وبعد أن أنهيت مهمّتي، طلب مني الزبون أن أُبقي رأسي مرفوعاً لأن مهنتي شريفة، ولأنني أكسب مالاً حلالاً في زمنٍ يسهل فيه تجميع الثروات. لم أردّ. فعبثاً مهما حكيت ومهما شرحت، وعلى قولة نزار قباني  كان "إحساسي أكبر من لغتي".  فماذا يعرف هذا السيّد عن مهنتي؟ هل جلس مكاني للحظة؟ تُرى هل اختبر هذا الرجل الإهانة؟ هل وبّخه زبون وطلب منه أن يُعيد تلميع الحذاء وهو يعرف جيّداً أن السبب مرض نفسي في ذلك الزبون وليس لأن الحذاء لم يكن نظيفاً؟ هل شعر لمرّة بعجزٍ في ردّ الإساءة من أناسٍ ساديين يتعمّدون خَدْش مشاعر الآخرين؟ فما أسهل أن يرمي المرء بحكمه ودروسه على طفلٍ من أطفال الشوارع ليشعر بشيء من العَظَمة!

مرّت ساعات ولم يزرني حذاء، فماذا أدعو ربي؟ هل أدعوه أن يرزقني حذاءً؟! أضحكتني فكرة أن يكون الحذاء ذا قيمة لي حتى أنتظره بفارغ الصبر. أخيراً، أُرزَق حذاء، فيأتي رجل مُتعجرِف يطلب أن ألمّع حذاءه بنبرةٍ لا تخلو من الفوقية، يُشعِل سيجارته وينفخ صدره كطاووسٍ وهو يستعرض حركات بهلوانية. يرمقني بنظرة اشمئزاز، ويستعجلني، ثم يرميني بماله ويذهب، فيختفي رويداً رويداً ذلك الطاووس الكامِن فيه كلما ابتعد عني.

عجباً! أتوق لأعرف ماذا يشعرون وهم يرفعون رجلهم ليستريح حذاؤهم على صندوقي. فكَّرت في أن أجرِّب وأقف مكان الزبون لكنني عدلت عن فكرتي، بعد أن أدركت أنني لا أستطيع أن أكون ماسِحاً للحذاء وصاحبه في آنٍ واحد. لكن، حتماً هذا الزبون الأخير كالكثير من الزبائن الذين يأتون إليَّ ليمسحوا عقدهم بدلاً من غبار تعلق بالحذاء. فهم ملّوا أن يكونوا موظفين يتلقّون الأوامر من رؤسائهم. لعلّهم سئموا الخضوع وسئموا السكوت، فوجدوا مكاناً يصبحون فيه هم رؤساء.

أمشّط الطرقات  وأدخل في المتاهات العميقة والدهاليز السرّية، أريد أن أختلي بنفسي. لكن الوقت يمضي بسرعةٍ وعتمة الليل تُربكني، إذ لا تزال جيوبي فارِغة. فبأيّ وجه ألقى أطفالي الجائعين؟! أعاود المشي في الشوارع الواسعة حيث الضجيج ينخر أذني، وأصوات السيارات تستفزّ رغبتي بالهدوء والسكينة. جلست في زاوية تجذب المارة، ففاجأني رجل عشريني يُحدِّق بي تحت نظارات يضعها. ما الذي يعجبه يا ترى بطفلٍ مثلي؟ طفل نكست الآلام ظهره. تختلط في وجهه ملامح الطفولة المبتورة والرجولة المُبكرة. يسكن السواد أسفل عينيه، وهو يتمرّد على واقعه طوال الليل ليعيشه مُرغماً في النهار.

عندما صرت  وجهاً لوجه مع ذلك الرجل أربكني صمته. دعوت قدمه لترتاح عل صندوقي الخشبي. فردّ عليّ: "لقد قمت بتنظيف حذائي بنفسي، وعلى الجميع أن يقوموا بتظيف أحذيتهم بأنفسهم. فلينتهي عصر العبودية، ولتنقرض هذه المهنة التي تستفزّني". انتهى البيان، وآن لذاتي أن تدافع، فأجبته بهدوء: " لن أقول لك كما تقول لي أمّي "الشغل مش عيب". بلى إن عملي عيب، ولكن العيب الأكبر أن تكون أمّي في مكاني تسكن الشوارع وتشحذ من المارة". طلبت منه أن يكفّ عن إيلامي، ويتركني لحماقاتي برأيه ولتضحيتي برأيي.

لم أقرّ يوماً بأني راضٍ عن مهنة الذل هذه. لكن، ما الفرق إن رضيت أو لم أرضَ عن مهنتي، ما دام القدر لم يقدّم لي خيارات. لقد تكفّل برسم خارطة حياتي، ليُتقن بتر طفولتي، وتشويه أحلامي الوردية. لم أختر يوما أن أكون لمّاعاً للأحذية، ولم أختر أن أتسرّب من مدرستي وأن أصبح مُعيلاً لأسرة من خمسة أفراد وأنا في سن الحادية عشرة. لكنني اخترت أن أسكن في بيت عتيق تسترنا سقوفه المُهترئة، وأن أسكت بطوننا الجائعة.

اختفى ذلك الرجل ولم يختف تأثير كلامه عليّ. لمّعت بعض الأحذية، لأعود أخيراً إلى أمّي. أحتاجها كثيراً في هذا اليوم كما في كل يوم. أحتاج أن أتمسّك بأطراف ثوبها، وأجهش بالبكاء. عندما أكون في حضرتها تطيب جروحي. معها فقط، أشعر أنني إنسان. تنبّهني أمّي في كل يوم قبل أن أغادر منزلي "حذار أن تخجل يوماً من أن تكون لمّاعاً للأحذية، ما دمت يا صغيري تجني مالك بعرق الجبين". أغمرها، وأخبرها بأني فخور بمهنتي، فأكذب. وأخبرها بأن زبائني يحبّونني ويعاملونني بإحسان، فأغرق في كذبي.

تدرين يا أمّي، إن وقع تشجيعك يزول حالما أنزل إلى الشارع، فتحرجني نظرات الشفقة في عيون الناس. كلما حاولت أن أقنع نفسي بأن مهنتي ليست مُذلّة، يتعمّد الناس إثبات العكس بنظراتهم، بكلامهم وتصرّفاتهم. وعدتك أمّي أن أخبرك عن كل متاهاتي وأحزاني، فبمَ عساي أبوح؟ لا يمكن أن أعترف لك يوماً أن رجلاً اختبر أقسى أساليب المزاح معي، فراح يداعب وجهي بحذائه بينما أنا منشغل بتلميعه، ظناً منه أنه سيرسم ابتسامة على شفتيّ البائستين. يرهقني هذا الموقف كلما ذكرته، فكيف أرهقك به أنت أيضاً يا أمّي؟

كلما أقترب من منزلي البسيط، الذي خطّت على جدرانه مأساتي أستذكرها. أرى بصيص الأمل وأنا أستعيد كلامها: "الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ولاعب كرة القدم البرازيلي الشهير المعروف ب"بيليه" كانا ماسحين للأحذية".  تظهر ابتسامة عفوية، بسيطة، حقيقية هذه المرة على وجهي. أركض إليها غير آبه لعشرات الناس من حولي، كما لو أن صوتها الرنّان يغطّي على ضجيج المارة. أينك يا أمّي... إنني قادم إليك... إنني قادم.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]


إقرأ أيضا