خلف جابر

كاتب وصحافي من مصر

المرحوم

اول بيبان الجنة.. باب القبر ... فوتوا لي بابه ع الطريق مفتوح!

قبل سنوات، كنت مشغولاً بالحياة، حتى أصابني الموت في صديقي. حينها توقفت أمامه كثيراً، عاتبته وخاصمته، ولم أجد بداً من التصالح معه، فهو المنتصر دائماً، ولكن قبل انتصاره كان عليّ أن أكتبه. فالشعر هو انتصارتي الصغيرة، ومن ثم كانت قصيدتي «المرحوم» والتي حاولت فيها أن أجيب عن بعض التسأولات التي تشغلني تجاه الموت، وإن خرجت مشغولة بالحياة.

كتبت عن حبيبتي وأصدقائي، عن أمي وأبي، عن من سيهتمون بموتي، ومن سغيفلون عني. أردت أن أنظر إلى الموت؛ فوجدتني أنظر إلى الحياة من بعيد، من خلف الحجب، من هناك، أظن أن الموت أنتصر أيضاً في قصيدتي.

كتبت «المرحوم» في فترة التجنيد العسكري، وكانت خدمتي في شمال سيناء، وخرجت ضمن قصائد ديوان «أربعاء أيوب» وهو ديواني الثاني؛ بعد «عجلة خشب» الديوان الفائز في القائمة القصيرة لجائزة ساويرس لشعر العامية المصري أحمد فؤاد نجم، كتبت قصيدتي لعلها تُذكر بعد موتي، قاتل الله الموت، ورحم صديقي.

 

 

دقك يا قلبي..

مسمع الجيران

نايم بتتقلب نومة المديون

 بين الحبايب حيط والعتمة ليها ودان

عصا الكفيف..

في العتمة ليها عيون

شعري اللي شاب يشهد على السيرة

ومسيرة بدأت تحت رجل الشمس

والشمس مولودة بنور يحبي

يمّ العتب يمّ الترع والغيط

طول عمري ماشي في سكة مقطوعة

برجول إبر.. لكن ناقصهم خيط

والشمس مولودة بشعر ابيض

وسط النهار تقعد وتتحنى

الناس بتمشي فوق كتافهم هَمّ

زي العيدان في الريح بتتّنى

وصيت بفاسي يندفن وياي

في حتة لسه بايرة في الجنة

الموت مافيهش كبير ولا صغير

 كل اللي حان وقته تلاقيه بيئن

مافيش تراب شايب وطين عيل

كل التراب ع الأرض نفس السن

أنا قلت قلبي يختصر في بكاه

لكن ما عمر الورد جفّ نداه

علّمت قلبي قسوة الفّرقة

وغصب عني في الفراق بيحنّ

يا مغسل الجثمان أمانة عليك

تسوّي شعري عشان..

في بنت عجباني

يمكن تجيني وترمي نظرة وداع

يا باني قبري رصّ طوبك زين

وسّع في قبري بطول شبر ودراع

في الرقدة عايق..

وبتقلب على الجانبين

أنا لسّه شايف صحبتي دايرين

بيوصوا في الخياط على الأكفان

ما واخدش جسمي يدفى بالدّمور

سهوا الكفن.. وبطنوه بقفطان

والصحبة مش في الروحة والجاية

طبع الرفاقة في الرزا بيبان

صبّاري دا المزروع على قبري

عيايل ما جوش واتيتموا في ضهري

فيا بنات الجنة طل الليل

حلوا الشعور..

واسقوا اللي مات عطشان

أمك وأبوك راح يبكوا ع النبتة

اللي الزمان داسها بلا استئذان

كل الحريم يبكوا على ضِلّك

في زمان ما يسترهمش ضِلّ حيطان

فاوعاك تصدّق نوحة الجنازات

 كل اللي يبكي بيبكي على حاله

لو مرة مات عيل مالوش صاحب

تبكي عليه العسلية في الدكان

يادي الحبيب لو بلّغوك موتي

وقالوا راح في سكة اللي ما جوش

قول للي شايف جثتي بعنيه

ما كل يوم الليل يبات مقتول

وكم دوروا على جثته ومالقوش

فانده يا عمّ الشيخ على الموتة

واياك تخلّي جثتي تبيّت

قول للي جاي يسرّ في المنديل

ما تبخلوش بالدمع ع الميت

فانده يا عمّ الشيخ وقول اسمي

خلي الخلايق يطلعوا م الشق

خلي الغلابة يشرّوا م الحيطة

يطلع ورايا كلب ربيته

يطلع ورا الدفنة الشجر والطير

يتشعبطوا الرضع في ديل النعش

اكتب على القبر اللي بانيينوا

مين اللي سهى في خرجتي وما طلعش

دا الميت الراقد في قلب تابوت

زي النوا الراقد في قلب التمر

لكنه لما بيندفن بيموت

والموت بكفّ يحشّ ما بيزرعش

قول للغلابة لو يعزّ الصبر

مالكوش نصيب من راحة الدنيا

أول بيبان الجنة.. باب القبر

خلّولي لي بابه ع الطريق مفتوح

فيه في الترب نسمة تردّ الروح

أمانة وانتو بتفوتوني وحيد

ابقوا اسندوا لي ودني ع الحيطة

انا عايز اتونس بخطوتكم

وابقوا تزوروني بس خفّوا الدّوس

دا الميتين نايمين..

والجنة حلم الموعودين

والنار

النار كابوس.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً