محمد حسام الدين العوادي

شاعر وكاتب تونسي مقيم في فرنسا

المقامة النيويوركيّة

حين تصنع (إسرائيل) الأسلحة وتطوّر العلوم، ترى العربيّ في جهله يعوم ... ثم يسألون أين ذهبت فلسطين.

أفقت على خلاف عادتي باكراً، لاعناً ليلتي الماضية التي قضيتها ساهراً، وغادرت السرير يتندّى قلبي أسى، أودّع سريري الذي كنت له مُخلصاً، فقد كنت لنوم الصباح خلاً وفيّاً، حتى كدت أكون لمعنى التبكير نسيّاً، وأعشق الفراش وسريراً، فهو وحده يجعل قلبي قريراً.

أسرعت باحتساء قهوتي على عَجَل، وتدخين سيجارتي على مَهل، وعندما أكملتها رميت بقيّتها، وودّعت جثتها.

خرجت من الفندق أحثّ الخطى، ثمّ دخلت "المترو" مع مَن دخلت، حتى وصلت لنقطة انطلاق جولتنا السياحية، التي ستتنزّه بنا من الصباح حتى العشيّة، في شوارع نيويورك، فركبتها مزهوّاً كالديَكة، أمنّي القلب برؤية جمال أميركا، وكان معي بعض السيّاح، ترى في وجوههم أثر النعيم قد لاح، بعضهم من أوروبا وأميركا وآسيا، وها قد ركبوا في هذه الحافلة الراسية، ثم انطلقت الحافلة تطوي الأرض طيّاً، ونحن نشاهد من النافذة الأحياء حيّاً حيّاً.

ثم كانت وجهتنا جنوب مانهاتن، حيث ناطحات السحاب والمشهد الفاتِن، فصعدنا إلى "أمبير ستايت" وهي ناطحة سحاب شاهقة، فأيقنت أني سأعيش مغامرة شائقة. رأيت من سطحها كل المدينة وبعض عماراتها ومعالمها الثمينة، وصرت أرى العالم تحتي صغيراً وأتخيّل نفسي عظيماً كبيراً، وتذكّرت من تونس أعلى البنايات، فقلت ويحي إنها ستبدو من هذا العلو كالحصاة، وتذكّرت بناء من أبنيتنا نراه عظيماً، فقلت ويحي إنه من هنا يبدو مهين، ولا يكاد يُبين.
صعدنا إلى القارب وخرجنا لنتمتّع بالمشهد من دون حاجب، فتراءى لي جسر بروكلين، شامخاً بنيويورك كأنه حارسها الأمين، فذكّرني بالجسور في بلادي، تونس وجندوبة التي منها أهلي وأجدادي، وتذكّرت أن لنا جسراً لم يكتمل بناؤه منذ سنوات، رغم أنه لا يعادل من حجم هذا الجسر إلا بعض اللبنات.

فقد تعاقبت عليه شركات المقاولات وكل شركة تأتي تسرق أكثر مما فات، وتترك للدولة مشروعاً مُعاقاً وبعض الفتات، وتذكّرت جسراً آخر في جندوبة يكاد يهوي، لولا لطف ورحمة ربي وتذكّرت نهر مجردة المسكين الذي من أوساخه يقع في الأنف موقع السكين، وقارنته بأنهار مانهاتن، فخجلت من نفسي ومن نهرنا الآسن.

وشقّ بنا المركب عباب البحيرة والأنهار ونحن نستمتع ونمتّع الأنظار حتى حللنا جانب تمثال الحريّة، فأخذتني النخوة الفرنسيّة، وأحسست بفخر جميل، أحسّه مع فرنسا وطني البديل، لا مع وطني الأصيل، وقلت لمَن بجانبي من الزوّار، يملؤني الزهوّ والافتخار. هذا من بلادي ويذكّرني بالديار، وهو من فرنسا إلى أميركا هديّة ليرسّخ صداقتهما وعلاقتهما القويّة، فحظيت منهم ببعض الاحترام، وزاد بيني وبينهم الودّ والانسجام.
نزلنا من الحافلة في انسجام نتبع قائدها ونسير للأمام ووجهتنا متحف الطيران والفضاء، وهو متحف راسٍ على الماء لأنه حاملة طائرات يعود تاريخها إلى الأربعينات، وهو مبنى قوي عتيد من الفولاذ والحديد إسمه "الأنتربيد". شارك في الحرب العالمية الثانية وكبّد اليابانيّين هزائم قاسية، في عصر كنا نحن فيه نركب الخيل والبغال والحمير، ولا نحارب أحداً ولا نعلن النفير، بل كان أغلب العرب تحت الاستعمار يعانون من التخلّف والافتقار.

وبما أن التاريخ بعد الشعر هوايتي الثانية، لم أضع في زيارتي ولو ثانية، وشاهدت أول مكوك للفضاء صعد في السبعينات إلى السماء، كما شاهدت الطائرات الحربيّة وأخذتني مرة أخرى نشوتي الفرنسيّة عندما رأيت طائرات "الميراج"، فقلت لرفيقي هذه أيضاً من فرنسا، فلا تنكر تقدّمنا ولا تنسى، ثم مشيت قريباً، وصدمت صدمة تجعل الوِلدان شيباً.

فهذه طائرة من صنع إسرائيل، تشهد بذراعها الطويل، فأين العرب من هذا ولما لم يفعلوا مثلها لماذا؟ فحين تصنع (إسرائيل) الأسلحة وتطوّر العلوم، ترى العربيّ في جهله يعوم وحول فساده وتخلّفه يحوم، وفي حين ينفق الأغنياء أموالهم على المُرافقات، من الغانيات ويخزنون نفطهم في خصيّتهم، ويحاربون بسلاح الغرب جارتهم، وينفقون الأموال على السهرات، وإطلاق الفضائيات، حينها تنفق (إسرائيل) أموالها في تمويل البحث والجامعات، ثم يسأل ويسألون، أين ذهبت فلسطين، ولماذا نحن مُستضعفون.