مقالات - رأي

يتساءل كثيرون عن مصادر التمويل والإنفاق التي تُبقي الناس في الساحات من دون أن يقلقوا على خدمات أو طعام أو مواصلات. وتزداد الشبهة بعد أن فشلت المحاولات، إلى حدّ الآن، في إظهار القيادات التي تقود هذا الحراك رغم الدعوات إلى الحوار ومناقشة المطالب التي خرج المتظاهرون من أجلها أصلا.

يدرك بيني غانتس التحديات التي يواجهها، ولكنه يعدّها وتكتله أزرق أبيض ومعه الأحزاب اليسارية الأخرى فرصةً للتخلّص من نتنياهو، وإحداث حالة من المعارضة داخل صفوف حزب الليكود، والمطالبة برحيل نتنياهو، وهو سبب دعم القائمة العربية له، ما يتيح المجال أمامه لإمكانية تأليف حكومة وحدة مع الليكود من دون نتنياهو.

من المؤكد أن تحالف القوى المناهضة للقوى الوطنية في كل مكان، سيعيد ويكرر محاولاته السابقة لسرقة أي حراك شعبي وتوظيفه لمصلحته كما حدث في السودان وكما يحدث اليوم في لبنان، لصرف انتباه الجماهير عن المعركة ضد المصارف والكومبرادور والفاسدين.

ألم تكن آخر مراحل هذا الإشعال: تطويق المقاومة لشلها، افتعال أزمة اقتصادية، إشاعة جو الانهيار والإفلاس، تهديد الناس في رواتبهم، استشراس البنوك لخنق البلد، وأخيراً إشعال الأرض وما فوقها؟

فيما تواجه أنقرة الآن ضغوطاً وتهديدات أوروبية بفرض عقوبات عليها بسبب مساعيها للبحث والتنقيب عن الغاز الطبيعي حول الجزيرة، يعرف الجميع أن الوضع المالي الصعب وديون تركيا الخارجية من أهم نقاط الضعف في الاقتصاد التركي وحُكم الرئيس إردوغان.

الحلّ اليوم الذي لا بدّ منه في وطننا العربي على وجه الخصوص بمختلف أقطاره هو أن نعيد التفكير ملياً في أسلوب وأدوات عملنا، وفي النتائج التي أفضى إليها هذا الأسلوب وهذه الأدوات، وأن نسال بكل جرأة وصدقية: هل نحن على الطريق الصحيح، أم هناك الكثير من المفاهيم والأساليب التي تحتاج إلى تنقية حقيقية وتغيير وجهة؟

لذا بات لزاماً على كل شعوب المنطقة (وليس سوريا فقط) العمل على وضع أسس حل استراتيجي يحفظ مصالحهم على اختلاف قومياتهم وطوائفهم، فالمعارك تدار على أراضينا وتطحن عظام شعوبنا بعيداً عن أراضي وشعوب القوى المتصارعة على ثروات منطقتنا.

يبقى الرهان الأكبر والأهم على موقع ودور العنصر الأساسي في مجمل المعادلات وهو الرئيس الأسد الذي تحول إلى ورقة ضغط يستخدمها الجميع ضد الرئيس إردوغان.

أن يصحو البعض متأخّراً ويُعيد قراءة الواقع ويبتعد عن المراهنات على الأميركي هذا جيّد في الصحوة، كذلك الإنتباه إلى أن الجيش العربي السوري لن يتوانى عن إستعادة كل ذرّة من أراضي الجمهورية العربية السورية.

ما يُخطّط له إردوغان ونظامه هو صَرْف الإنتباه عن الهدف الحقيقي بحكاية السيناريو السرّي، وترويض الرأي العام العربي والدولي على الاحتلال التركي للجزيرة السورية.

ستحدّد العلاقة المستقبلية مع أميركا مصير ومستقبل إردوغان وسياساته ودوره الإقليمي، ولكن بعد لقائه المُرتَقب مع ترامب الشهر المقبل، فعسى ألا يُفاجئنا ترامب قبل ذلك التاريخ بتغريدةٍ أو قرار يُعكِّر علينا صفو كل هذه الأجواء الإيجابية وانتصاراتها المُحتَملة.

ممّا لاشكّ فيه أنّ عملية إردوغان ستُسرِّع في معالجة الواقع العربي المُزري وتُعيد الزُخم للغة الحوار والإلتقاء أقلّه في البُعد المصلحي والإنتقال من حال الإشتباك إلى حال التشبيك.

أولى العقبات التي تواجه سعيد أن الأحزاب التي تلت حركة النهضة (52 مقعداً من أصل 217) في عدد مقاعدها في البرلمان تتمنع عن التحالف مع الحركة في تشكيل حكومة ائتلافية. ولا يُعرف ما إذا كانت الحركة قادرة بالتحالف مع الأحزاب الصغيرة الكثيرة للحصول على ما يحقق الثقة بحكومتها برلمانيا. والعقبة الثانية المرشحة للظهور هي الأوضاع الأمنية وما يمتّ لها بصلة، مثل: إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية إلخ..

العدوان التركي الموصوف على الأراضي السورية هو دلالة الاستهانة بالعرب والعروبة، وبحاضر العرب ومستقبلهم وأدوات عملهم وطرائق التعامل بين بعضهم البعض.

رغم اختلال موازين القوى لصالح الاحتلال، أظهرت المقاومة الفلسطينية وفي كل المراحل، حرصها على الالتزام بالأخلاق التي تتناسب مع أحقية قضيتها العادلة، وبذلك تسجل تفوقا آخر على جيش الاحتلال في ساحة الأخلاق والالتزام بالقيم الإنسانية.

المزيد