محمد عبد الرحمن عريف

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

موقف أوروبا والعرب من تحالفٍ عسكري أميركي بين باب المندب وهرمز

واقع الصراع على الأرض ظهر عندما أبدت طهران صَرامة في التعامُل مع واشنطن، حيث أسقطت طائرة تجسّسية أميركية، خاصة وأن موقعها الجغرافي ذو الحدود الشاسِعة المُحيطة بالمضيق، وقدراتها العسكرية يتيحان لها تنفيذ وعيدها على أرض الواقع.

البحرية الإيرانية قبل احتجازها الناقلة البريطانية ستينا إمبيرو في مضيق هرمز / أ.ف.ب
البحرية الإيرانية قبل احتجازها الناقلة البريطانية ستينا إمبيرو في مضيق هرمز / أ.ف.ب

هي تصريحات سابقة على لسان رئيس هيئة الأركان المُشتركة الأميركية الجنرال دانفورد، وإن لم يعط تفاصيل كثيرة باستثناء أن هناك تحالفاً سيركّز على المراقبة والاستطلاع، وأن الأيام القادمة ستشهد تحديد الدول الراغِبة في المُشاركة في هذا التحالف. وإن كُتِبت للتحالف الولادة، فهو سيراقب منطقة جدّ حيوية في الملاحة البحرية بين (باب المندب وهرمز). وإن جاء الحديث عن أن السعودية ستُشارك في التحالف، ليس فقط بالدعم اللوجستيكي، ولكن كذلك بسفنها الخاصة أو حتى بالمُحارِبة منها، ولن تتأثر هنا بموقف أبو ظبي، التي كانت لديها علاقة تصالحية نوعاً ما مع طهران بسبب المصالح الاقتصادية التي تجمعهما.

العرب قليل منهم مَن يرفض التحالفات الأميركية، فالعراق الذي تربطه علاقات قوية مع إيران، يرى في أيّة خطوة لإغلاق مضيق هرمز من قِبَل إيران "عقبة كبيرة" لاقتصاده، وبذلك ستجد بغداد نفسها في وضعٍ صعب إزاء أيّ تحالف يبتغي مُحاصرة إيران، إذ لا يزال العراق يحتاج إلى دعم أميركي، خصوصاً مع استمرار القوات الأميركية في هذا البلد، لكنه كذلك لا يرغب بإغضاب طهران، وهو ما ظهر عندما وجَّه الرئيس العراقي برهم صالح لوماً كبيراً لدونالد ترامب، عندما صرَّح أنه يريد مراقبة إيران من الأراضي العراقية.

نعم سبق أن نقلت نيويورك تايمز نقلاً عن مسؤولٍ عسكري أميركي قوله إن الأمر سيتّضح خلال أسبوعين بالنسبة للدول التي ترغب في الانضمام إلى هذا التحالف. حقيقة أهدافه والتحديات في العضوية؟ فبعيداً عن الأهداف السياسية، تحمل الدول المُدافِعة عن التحالف أجندات أمنية لحماية مصالحها الاقتصادية، فوفق وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، تتجنَّب شركات نفط دولية إرسال ناقلاتها إلى موانئ الشحن في الشرق الأوسط، بعد وقوع هجومين خلال شهر واحد، الأول استهدف ناقلات في إمارة الفجيرة الإماراتية، والثاني استهدف ناقلات في خليج عُمان.

سبق أن صرَّح مسؤول في إحدى الشركات النفطية في دبي، إن "هناك توقّعات بتدهور الأوضاع بصورةٍ أكبر قبل أن تبدأ في التحسّن"، مؤكَّداً أن ميناء الفجيرة "يشهد تراجعاً كبيراً في الطلب بسبب ارتفاع تكاليف التأمين على ناقلات النفط ضد مخاطر الحرب". وقد نقلت "بلومبريغ" تصريحات مُتباينة لتجّار ووسطاء يتحدَّثون عن تراجُع حركة مبيعات النفط بما بين 15 و 30 في المئة مؤخّراً. وتُدرِك إيران أن تحالفاً مثل هذا يبتغي تقليم أظافرها أكثر وأكثر، خاصةً مع تهديداتها المستمرة بإغلاق مضيق هرمز إن استمرت الولايات المتحدة في حِصارها اقتصادياً.

واقع الصراع على الأرض ظهر عندما أبدت طهران صَرامة في التعامُل مع واشنطن، حيث أسقطت طائرة تجسّسية أميركية، خاصة وأن موقعها الجغرافي ذو الحدود الشاسِعة المُحيطة بالمضيق، وقدراتها العسكرية يتيحان لها تنفيذ وعيدها على أرض الواقع. عليه فاستراتيجية ترامب تدخل في إطار قومية اقتصادية نحا إليها، وذلك بأن تتحوّل أموال الخليج والعالم لخدمة الاقتصاد الأميركي. فهو يرغب في مبادرة بقيادة أميركية لحماية الخليج، لكن بتمويلٍ خليجي، وذلك عبر استخدام فزَّاعة التهديد الإيراني وفزّاعة الهجمات المُهدّدة للملاحة البحرية. وإن كان الخليجيون لن يستفيدوا من هذه المبادرة كثيراً.

وسط هذه الأحداث لأكثر من مرة كرَّر الاتحاد الأوروبي دعوته إلى احترام حرية الملاحة البحرية في الخليج، لافتاً إلى أنه ليس طرفاً في محادثات تجرى بين الولايات المتحدة وبعض الدول بشأن إرسال قوات بحرية إلى الخليج، رغم أن الوضع متوتّرٌ في المنطقة ومن المهم عدم العمل على تصعيد التوتّرات. فهذه ألمانيا ترفض طلباً من الولايات المتحدة للمشاركة في خططها لتأمين الملاحة البحرية في الخليج ومضيق هرمز. ووزير خارجيتها هايكو ماس، يعلن أن بلاده لن تشارك في المبادرة الأميركية، مؤكّداً "ضرورة التركيز على تفادي التصعيد في المنطقة". قائلاً "علينا تفادي أيّ تصعيد لاحِق في مضيق هرمز، وهذا ما تمثّل به موقفنا دائماً، لا يمكن أن يكون حل عسكري هنا، وألمانيا لن تشارك في المهمة المُقترَحة والمُخطّط لها من قِبَل الولايات المتحدة".

لقد أعلنت السفارة الأميركية في برلين إن الولايات توجّهت "بصورةٍ رسميةٍ إلى ألمانيا باقتراحٍ أن تنضمّ إلى فرنسا وبريطانيا، كي تساهم في ضمان الأمن في مضيق هرمز والتصدّي لعدوان إيران". وإن أكَّد نائب المستشارة الألمانية أولاف شولتس، أن "الأولوية يجب أن تكون لخفض التوتّر، وأن برلين تُجري اتصالات مُكثّفة مع فرنسا وبريطانيا بشأن الخليج".

عليه فترامب يتحدَّث في مُراهناته على عديد مشاريع سبق أن جاء منها (الناتو العربي) و(حلف وارسو الجديد)، وإن جاء بعدها فشل "التحالف الدولي الجديد" في الحرب النفطية. وهي مشاريع هَدَفت إلى إطلاق صفقة القرن مع إسرائيل. في النهاية نبقى أمام عديد الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات منها: هل ما حدث ويحدث يُصنّف كزحزحة خطوات لخنق إيران وتأجيج روح حرب؟، كانت بدايته بقرار واشنطن بشأن عدم تجديد إعفاءات استيراد النفط الإيراني. وعليه فهل ينجح حلفاء أميركا في مساعدتها الرامية نحو هذا التقليص.

هل هو تحالف جديد في الخليج؟.. أم خطّة أميركية لتضييق الخناق على إيران؟ هل يبصر النور في الشرق الأوسط بمبادرةٍ من الولايات المتحدة؟، وهذه المرة على شكل سفن حربية تسعى إلى"حماية المياه الاستراتيجية في مضيق هرمز وباب المندب". فما هي أهدافه؟.. يبقى أنها صورة رمزية ترغب واشنطن بقيادة تحالف عسكري بحري في مناطق التماس بينها وبين إيران، ما يجعل أهدافه مثيرة للجدل، خاصةً مع تصاعد التطوّرات في موضوع الملف النووي، في وقتٍ تختلف فيه وجهات النظر بين دول المنطقة على خلفيّة مواقفها من طهران، بين مَن يرغب في حِصارها، ومَن يرتبط بعلاقاتٍ معها تجعله مُتردِّداً أو حتى رافِضاً لأيّة مبادرة ضدّها.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً