ذكرى 13 نيسان وبذور الحرب

ترتعد ذاكرة اللبنانيين بحلول ذكرى الحرب الأهلية في الثالث عشر من إبريل – نيسان من كل سنة. ذاكرة مُفعمة بالخوف والمآسي والأسى. فالحرب السابقة كلّفت لبنان عشرات آلاف القتلى وخسائر اقتصادية لا تزال تداعياتها تعصف برزق المواطن وتعيق اقتصاد الدولة حتى الآن، ناهيك عن الجروح النفسيّة والاجتماعية الغائرة في الجسد اللبناني الماثلة بقوّة في مختلف مظاهر الحياة والسلوك اليومي.

ذكرى الحرب الأهلية اللبنانية تفتح النوافذ على رياح ساخنة لم تكن تنقصها إلا روائح تعفّن النفايات.
لا شفاء من هذه الحرب يقول علماء النفس. يعزّز هذا المرض حاضر اللبنانيين المُهدّد بانقسامات وتهديدات وأزمات متراكمة ، أخطرها تحفّز الإرهاب والتكفير على الحدود الشرقية والشمالية وداخل البيئة الحاضنة في الداخل، لا سيما أن تفكيك وضرب الشبكات الإرهابية المزروعة في لبنان متواصل ويكاد سِمة يومية لعمل الأجهزة الأمنية، من دون أن ننسى عمل إسرائيل المزدوج على خطي التحضير المستمر للحرب وتغذية عوامل الصراع الداخلي.
ذكرى الحرب الأهلية اللبنانية تفتح النوافذ على رياح ساخنة لم تكن تنقصها إلا روائح تعفّن النفايات واجتياحها لأكثر من مدينة مذكّرة بتراكم مثيلاتها المختلطة بجثث الضحايا خلال الحرب. هذه الظاهرة إن دلّت على شيء فإنما على تحلّل وتفكّك مؤسسات الدولة بسبب عجز السلطات عن توحيد أطراف الصراع والتناحر حول مفهوم واحد ووحيد للدولة كوطن، بعد أن بلغت أزمة فراغ رئاسة الجمهورية  مرحلة تُنذر بتعذّر الوصول إلى هذا الاستحقاق الدستوري، شأنه شأن عجز مجلس الوزراء عن  استعادة آلية عمل تنفيذية لتسيير شؤون البلاد فيما يُعطل دور المجلس النيابي في لعبة عض أصابع لا تُدمي لاعبيها بقدر ما تُدمي المواطنين. عندما توصّل المتحاربون إلى تسوية اتفاق الطائف كنهاية للحرب، قال علماء سياسة يومها إن الحرب دخلت استراحة فيما تركت بذور الصراع قابلة للتخصيب وماثلة في الثلم السياسي – الاجتماعي مثول المرض العضال في الجسم السقيم. الأحداث أثبتت صحة هذا التحليل. لم يتوقف اللبنانيون عن اختبار شهيتهم للتقاتل. المشّغلون من الخارج باقون على استخدام الساحة اللبنانية كمختبر للصِدَامات الإقليمية. بمعنى آخر لم تعد الحرب الأهلية مجرد ذكرى تُتْعِس لبنان. هي هاجس مُرعب يتسلّل يومياً إلى منازل اللبنانيين كلما تناهت إلى مسامعهم خطابات العُصاب السياسي المتحكّم بغالبية الفئات السياسية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسن عبد الله

رئيس القسم الثقافي وكاتب سياسي في الميادين، شاعر صدرت له مجموعتا شعر "صور الوله" و"مولانا الغرام"، له أبحاث جامعية في تحليل الخطاب السياسي والإعلامي، حائز على ديبلوم دراسات معمقة في علوم الإتصال وفلسفة اللغة من جامعة السوربون - باريس، ماجستير في الصحافة من الجامعة اللبنانية، عضو نقابة المحررين اللبنانيين، عضو جمعية الصحافيين العالمية في براغ.

إقرأ للكاتب

الوباء الذي اجتاح المسنّين في القارة العجوز والقيم الأوروبية على المحك

تتكثّف التقارير التي تتحدث عن أن استمرار أوروبا في هذا المسار يجعل المسنين قنبلة موقوتة.

فرنسا وأزمة كورونا.. خوف من "جان فلجان"

يتمنّى بعض المفكّرين الفرنسيين أن لا تحوّل جائحة كورونا الشعب الفرنسي إلى "جان فالجان" الذي سُجن...

كورونا والداعشية الأنيقة

هل يمكن النظر بعين الريبة إلى كارتيلات تصنيع الدواء والمختبرات وحيتان المواد الحيوية الضرورية...

عن أدونيس في "الميادين"

يمكن لكل متابع لإنتاج أدونيس فكراً وشعراً، ولكل مهتم بتحقيق التحول النوعي في سياقات عملية...

عن مادورو وإسبر!!

اغتيال العالم السوري عزيز إسبر ومحاولة إغتيال الرئيس الفنزويللي نيكولاس مادورو، حدثان يعكسان عمق...

صحوة فرنسية في مواجهة حكومة القتل الإسرائيلية

تأتي استطلاعات الرأي في فرنسا لتُعطي للاحتجاجات زخماً ومشروعية، فآخر استطلاع أنجزته مؤسّسة...