ريزان حدو

كاتب وسياسي كردي سوري

الإرهاب وصفة أميركية

في قراءة لجريمة كرايست تشيرتش النيوزلندية نجد أنه كلما ضعفت الجماعات الإرهابية التكفيرية وزاد الخناق عليها تُعطى لها جرعة أوكسيجين لتعطيها مبرّرات ودوافع لاستمراريتها ، فهذه الجريمة الإرهابية والتي ارتكز مرتكبها في شرح دوافعه على خطاب كراهية ضد كل المسلمين ، ستشكل حالة ستنتد إليها التنظيمات الإرهابية كداعش والقاعدة في مخاطبة الشباب ومحاولة تجنيدهم وإقناعهم بأن لا خيار آخر سوى الانضمام لهذه التنظيمات لخوض معركة وجودية مع عدو يعتبر كل مسلم أنه إرهابي.

  • بات الرأي العام محكوماً بنظرية أن كل إرهابي هو مسلم، وبالضرورة كل مسلم هو إرهابي

خطاب الكراهية ضد الإسلام والمسلمين كان أحد الأدوات التي لجأ إليها الغرب في محاولة للقضاء على ثورات الشعوب الراغبة بالتحرّر من الاستعمار ( خطابات وأدبيات الساسة والإعلام الفرنسي إبان الثورة الجزائرية ) ، أي أن استهداف الإسلام كان بهدف السيطرة والهيمنة على الدول التي يقطنها المسلمون ( الشرق الأوسط - آسيا الوسطى - شمال إفريقيا )
محاربة الإسلام في القرن العشرين بدأت تحت عنوان لا يمكن الانتصار على المسلمين بمهاجمة الإسلام من الخارج، فلنجعلهم يقتلون بعضهم البعض ، وهنا عملت المخابرات البريطانية على تأسيس منظمة مهمتها منع التقاء شعوب المنطقة على مشروع واحد فشهد العالم في مارس آذار 1928ولادة تنظيم الإخوان المسلمين .
استمرت الحال على ما هي عليه إبان الحرب الباردة ( السوفياتية الأميركية ) إلى أن بدأ الاتحاد السوفياتي بدخول مرحلة الضعف أواخر سبعينات القرن المنصرم ، وبالتزامن مع بدء الحرب السوفياتية على أفغانستان 1979 وحرب الخليج الأولى 1980، أعلن الغرب عن بدء المرحلة الثانية من خطاب الكراهية والذي كان عرّاب تلك المرحلة كل من وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كسنجر ومرجعه المفكّر البريطاني الأميركي برنار لويس عبر مشروع رسم خرائط جديدة للشرق الأوسط انطلاقاً من إنشاء ولاحقاً إدارة صراع بين المسلمين المتطرّفين والغرب.
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وهيمنة الغرب على العالم وخلو الساحة من أي منافس أو عدو للغرب ، و بما أن غياب المنافس سيؤدّي أوتوماتيكياً إلى ترهّل وتصدّع القطب الواحد، وإغلاق مصانع السلاح والتي يشكل أصحابها تحالفاً مؤثراً على مراكز القرار ، بات لزاماً اختراع عدو ما ، فرسى المزاد كما يقال على المسلمين، لأسباب عديدة أهمها أن هذا المشروع عابر للحدود، وله أساس قوي اشتغل عليه في أفغانستان في الفترة ما بين 1989 - 1979 ، واستكمل لاحقاً بخلق حرب أهلية في أفغانستان انتهت بسيطرة حركة طالبان على أغلبية الأراضي الأفغانية مع بقاء بعض المناطق تحت سيطرة التحالف الشمالي ( أحمد شاه مسعود - عبد الرشيد دوستم).
بدأت حركة طالبان مطلع الألفية الثالثة باتخاذ قرارات ربما يصحّ وصفها بأنها كمَن يطلق النار على قدميه ، ففي آذار 2001 دمّرت طالبان تمثالين لبوذا ما أثار ردود فعل غاضبة في شتّى أصقاع العالم ، وبعدها بشهرين في أيار فرضت الحركة على غير المسلمين أن يرتدوا ثياباً تميّزهم عن المسلمين ، وهنا توهّم أحمد شاه مسعود أن الغرب متضايق فعلاً من تطرّف طالبان وحليفها تنظيم القاعدة ، ولم يدرك أن كل ما يجري مخطّط له ، فأرسل رسائل إلى الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية طالباً تقديم الدعم له ليقود حرباً ضد طالبان وتنظيم القاعدة، فدفع أحمد شاه مسعود حياته ثمن ذاك الاعتقاد الخاطئ واغتيل في 9 سبتمبر أيلول 2001 أي قبل يومين من أحداث 11 سبتمبر 2001 ( استهداف برجي مركز التجارة العالمي - مبنى البنتاغون ) ، تلك الأعمال الإرهابية التي اتهمت واشنطن تنظيم القاعدة بارتكابها والذي بدوره اعترف لاحقاً بمسؤوليته عنها ، كانت أشبه بالإعلان الرسمي عن بدء حقبة الإسلاموفوبيا ، حيث بدأت الماكينة الإعلامية العالمية بحملة جوهرها الربط بين الإسلام والإرهاب ، بالتزامن مع إصدار الكونغرس الأميركي قانوناً يقضي بمنح حاكم البيت الأبيض كامل الصلاحية لاستخدام القوّة ضد الدول والمنظمات والأشخاص الذين خطّطوا وأعطوا الإذن وارتكبوا أو ساعدوا في الهجمات التي وقعت في 11 سبتمبر/أيلول 2001، أو الجماعات والأشخاص الذين يتشاركون أيدولوجياً مع تلك المنظمات الإرهابية ، والجدير بالملاحظة أن ذلك القانون لم تحدّد له أية ضوابط أو قيود زمانية أو مكانية ..
انطلاقاً من هذا القانون المدعوم بحملة إعلامية ضد كل المسلمين أصبحت دول الشرق الأوسط شمال أفريقيا وآسيا الوسطى في عين العاصفة ..
فمن حرب أفغانستان إلى العراق مروراً بالأزمة اللبنانية غداة اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، الفتنة المذهبية في العراق والتفجيرات المتنقلة و التي تارة تستهدف مراقد وحسينيات للشيعة، وتارة تستهدف مساجد السنّة، العدوان على لبنان 2006، العدوان على غزّة 2009.
وصولاً إلى ظهور التنظيمات المتطرّفة داعش والنصرة إثر الفوضى الخلاقة التي حصلت بفعل ما سمّي بثورات الربيع العربي.
حيث دعمت أعمال وفيديوهات داعش الحملة الإعلامية المبرمجة الهادفة إلى ربط التطرّف والإرهاب وعلل الدنيا كلها بالإسلام، وبات الرأي العام محكوماً بنظرية أن كل إرهابي هو مسلم ، وبالضرورة كل مسلم هو إرهابي .
استفاق العالم صبيحة الجمعة 15 آذار/مارس 2019 على خبر جريمة مروّعة ارتكبها بريندون تارنت بحق المصلّين في مساجد كرايست تشيرتش النيوزلندية ، للوهلة الأولى بدا بعض الساسة والأجهزة الاعلامية العالمية في حال تردّد في كيفية توصيف الجريمة هل هي إرهابية أم لا ؟
العقدة تكمن أن الضحايا هم من المسلمين والجاني غير مسلم فكيف سيتعاملون مع هذه العقدة، على الرغم من أن المجزرة التي ارتكبها بريندون تارنت بحق المصلّين في مساجد كرايست تشيرتش النيوزلندية 15 آذار 2019 لم تكن استثناء، بل كانت نسخة طبق الأصل عن مجزرة الحرَم الإبراهيمي في مدينة الخليل الفلسطينية والتي نفذها الصهيوني غوادشتاين الجمعة 25 شباط 1994.
في قراءة لجريمة كرايست تشيرتش النيوزلندية نجد أنه كلما ضعفت الجماعات الإرهابية التكفيرية وزاد الخناق عليها تُعطى لها جرعة أوكسيجين لتعطيها مبرّرات ودوافع لاستمراريتها ، فهذه الجريمة الإرهابية والتي ارتكز مرتكبها في شرح دوافعه على خطاب كراهية ضد كل المسلمين ، ستشكل حالة ستنتد إليها التنظيمات الإرهابية كداعش والقاعدة في مخاطبة الشباب ومحاولة تجنيدهم وإقناعهم بأن لا خيار آخر سوى الانضمام لهذه التنظيمات لخوض معركة وجودية مع عدو يعتبر كل مسلم أنه إرهابي.
أخيراً هل هي مجرّد مصادفة أن تتزامن جريمة نيوزلندا مع قرب القضاء على داعش كقوّة تسيطر على الجغرافيا، وأيضا بالتزامن مع الذكرى الثامنة لبدء ما يسمّى (( الثورة السورية )).
إضافة للذكرى الأولى لاحتلال مدينة عفرين السورية على يد الجيش التركي وحلفائه من الجماعات الإرهابية
أم أن جرائم نيوزلندا و ظهور داعش و تدمير سوريا و احتلال عفرين يقف خلفها مجرم واحد هو مَن يقوم بتحريك أدواته؟
هوامش قد تفيد في إماطة اللثام عن بعض الأدوات التي يعتمد عليها الغرب لتنفيذ مشاريعه في الشرق الأوسط:
1- من أشهر آراء برنارد لويس و أكثرها إثارة للجدل رفضه الاعتراف بجرائم الإبادة الجماعية التي تعرّض لها الأرمن على يد العثمانيين .
برنارد لويس الذي صوّب كثيراً على المسلمين على الرغم من لجوئه أحياناً لبعض العبارات الدبلوماسية ، يرفض الاعتراف بجرائم ارتكبها عثمانيون مسلمون بحق أرمن مسيحيين .
2- دعوته الغرب لتقديم كل الدعم لتركيا و (( إسرائيل )) .
3- من جهة أخرى عمل برنارد لويس على تصوير أن الإسلام الحقيقي يتجلّى بالأعمال التي قام بها العثمانيون الأتراك ، وبالتالي اقتصار صورة المسلم على العثماني التركي، وهنا تقع مهمة تبيان أن من رحم العثمانيين الأتراك والإخوان المسلمين ولدت التنظيمات الجهادية التكفيرية والتي لا تعبّر عن حقيقة وجوهر الإسلام كدين سماوي .

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً