محمد عبد الرحمن عريف

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

أبعاد الاتفاقيات بين "بغداد وطهران" في زيارة روحاني

ستبقى هي السياسة تُعرف بأنّها (فنُّ المُمكن)، خاصة في عصر الأزمات التي تُمسك بتلابيب الأوطان. فـ(العلاقات بين إيران والعراق "خاصة جداً" وتعزيز العلاقات الثنائية والتبادل التجاري بين البلدين، لا يمكن مُقارنتها بدولة محتلة مثل الولايات المتحدة، المكروهة في المنطقة. فالأميركيون يبحثون عن إثارة الإيرانوفوبيا، وهم يبحثون دائماً عن الخلافات والانقسامات بين دول المنطقة بسبب مصالحهم الخاصة والحفاظ على الكيان الصهيوني"، هكذا تحدّث الرئيس روحاني.

ليس الرئيس الإيراني روحاني مُنفرداً، فالرئيس العراقي برهم صالح سبق أن قام بزيارة رسمية إلى طهران في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي
ليس الرئيس الإيراني روحاني مُنفرداً، فالرئيس العراقي برهم صالح سبق أن قام بزيارة رسمية إلى طهران في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي

هي الزيارة الأولى للرئيس روحاني للعراق منذ تسلّمه الرئاسة عام 2013، بدأت بمُهاجمته أميركا، واصفاً إياها بـ"الدول الغازية للعراق". مع السعي لتعزيز التواصل الإيراني خلال زيارته بغداد، بتشديده على أن زيارته مهمة، وأن إيران تستطيع توفير الكثير من احتياجاتها عن طريق العراق، ولديهم خطط مهمة لهذه الرحلة، وبالنسبة إليهم، فإن مسألة العبور مهمة للغاية وهم مهتمون بتطوير طرق للتواصل بين البلدين، هكذا جاءت الخطوط العريضة للزيارة.
تمهيداً لذلك سبقه وزير خارجيته محمّد جواد ظريف، حيث التقى نظيره العراقي محمّد الحكيم. ذلك كخطوة بشأن تيسير الإجراءات ذات الصلة بتأشيرات الدخول بين البلدين. مع اقترح إيراني بإلغاء التأشيرات بين البلدين، أو إصدارها مجاناً أو كحد أدنى خفض قيمتها. روحاني في زيارته التاريخية للعراق، أكّد على أهمية استقرار العراق وأمنه والرغبة في تعزيز العلاقات بين البلدين. ووصف محادثاته مع برهم صالح بالجيّدة، وأنه لم تكن هناك أية نقاط خلاف. لا شك أنها مجالات واسعة للتعاون في التجارة والاستثمارات والنقل والبيئة كذلك في القضايا الاقليمية. فطهران "مُصمّمة على تعزيز علاقاتها الأخوية مع العراق، كذلك فهناك مشاريع مهمّة تم بحثها خلال زيارة روحاني لبغداد"، هذا ما بعض ما نُقِل عنه.
حضرت اتفاقية الجزائر بين البلدين 1975، والتي تقضي بتنازل إيران عن مساحتها التي تشغلها من خط التالوك لصالح العراق، الذي سيكون قادراً على إرساء البواخر. لتأتي على خط التعديلات، وإن صرَّح نائب محافظة نينوى، أنه "ليس هناك إمكانية لتعديل الاتفاقية، وصعب جداً في الوقت الحاضر، بسبب عدم وجود أرضية سياسية لمُناقشتها أو تعديلها، حتى وإن طلب ذلك الجانب الإيراني، فالعراق بنظامه الحالي السياسي البرلماني لا يمكن لشخص اتّخاذ قرار فردي لتعديل الإتفاقية، وحتى رئيس الجمهورية، فهو يحتاج إلى توافق بين الحكومة والبرلمان". وإن توقّع البعض أن روحاني سيطلب من العراق عكس ذلك ، وهو تنفيذ الاتفاقية، الموقّعة بين الجانبين، إذ إن العراق ما زال غير مُطبّق لتلك الاتفاقية بشكل كامل لأنه يرى فيها إجحافاً بحقه.
ليس الرئيس الإيراني روحاني مُنفرداً، فالرئيس العراقي برهم صالح سبق أن قام بزيارة رسمية إلى طهران في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وصنّفت في حينها، على أنها خطوة لعدم مرور العقوبات الأميركية عبر بغداد. فمن طهران كانت التصريحات.. بأن "أمن العراق هو أمن إیران والتقدّم والتطوّر فی العراق هو تقدّم وتطوّر لإیران ویجب تعزیز التعاون والعلاقات بین البلدین یوماً بعد یوم". وصرّح الرئيس روحاني حينها أن "الطريق الوحيد لمواجهة المؤامرات هو الحفاظ على التلاحُم بين أطياف الشعب العراقي، فالعراق العزيز والقوي والمستقل والمتطوّر مُفيد جداً لإيران، وسنكون إلى جانب إخواننا في العراق. فبعض الدول في المنطقة وخارجها تتعامل بحقد مع العراق وتتدخّل في شؤونه الداخلية". وجاء الرد العراقي أن "العناصر والأسباب التي تجمع الشعبين العراقي والإيراني مُتجذّرة في التاريخ ولا يمكن تغييرها. عازمون على تحويل العراق إلى بلد قوي ونأمل الاستفادة من إمكانات إيران من أجل إعمار بلدنا".
يبقى أن زیارة روحاني لبغداد من شأنها أن تؤدّي إلى تعزیز العلاقات بین البلدین في جمیع المجالات السیاسیة والاقتصادیة والثقافیة والاجتماعیة. ومن المتوقّع أن یبلغ حجم التبادُل التجاري بین البلدین خلال السنوات القلیلة القادمة 20 ملیار دولار سنویاً؛ مع العِلم أن حجم هذا التبادُل يبلغ 13 ملیار دولار حالیاً. كذلك تعاون يتم من خلال ربط خط سكة الحدید الذي یبلغ طوله 35 كیلومتراً لتسهیل عبور المسافرین بين البلدین. فقد بلغت قيمة الواردات غير الهيدروكربونية نحو 6 بلايين دولار عام 2017، ما يجعل إيران ثاني أكبر مُصدّر للسِلع المُستورَدة في العراق. لكن ربما الأكثر أهمية بالنسبة إلى 39 مليون شخص في العراق، هو اعتمادهم على إيران للحصول على الكهرباء. هنا جاء الاتفاق على إقامة منطقة تجارة حرّة بین البلدین وبدء الصناعة المشتركة. كذلك فمُحافظ البنك المركزي الإيراني يتحدّث أنه سيتم فتح حسابات قائمة على اليورو والدينار لمُعالجة المعاملات الخاصة بالنفط والغاز.
صنّفت زيارة روحاني إلى بغداد بـ"المهمة جداً وتأتي في ظروف مهمة أيضاً. ونأمل منها أن تكون محطة مهمة لتوطيد علاقاتنا الاقتصادية والتأكيد على المشتركات بيننا أمنياً وسياسياً واقتصادياً ومن حيث رؤيتنا لعموم المنطقة، فلا يمكن للمنطقة أن تستقرّ من دون منظومة إقليمية اقتصادية سياسية أمنية تضمّ إيران. فالعراق يستطيع أن يلعب دور الجسر والرابط والوسيط النزيه من أجل ربط المصالح بين دول المنطقة"، هكذا تحدّث برهم صالح.
نعم ستبقى هي السياسة تُعرف بأنّها (فنُّ المُمكن)، خاصة في عصر الأزمات التي تُمسك بتلابيب الأوطان. فـ(العلاقات بين إيران والعراق "خاصة جداً" وتعزيز العلاقات الثنائية والتبادل التجاري بين البلدين، لا يمكن مُقارنتها بدولة محتلة مثل الولايات المتحدة، المكروهة في المنطقة. فالأميركيون يبحثون عن إثارة الإيرانوفوبيا، وهم يبحثون دائماً عن الخلافات والانقسامات بين دول المنطقة بسبب مصالحهم الخاصة والحفاظ على الكيان الصهيوني"، هكذا تحدّث الرئيس روحاني.
كذلك فهي ذات العلاقات (الإيرانية- العراقية) التي شهدت أسوأ حروب خاضتها المنطقة في التاريخ الحديث، حيث استمرت لثماني سنوات (1980-1988)، ومع ذلك فقد شهدت تطوّراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، وكان الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أول رئيس يقوم بزيارة للعراق منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979. وإيران لديها سفارة في بغداد وخمس قنصليات عامة في (السليمانية- أربيل- البصرة- النجف- كربلاء). وللعراق سفارة في طهران.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً