محمد عبد الرحمن عريف

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

اللاجئون الفلسطينون في لبنان... عندما يكون الألم مُشترَكاً

(فلسطين ولبنان) جِراح طويلة بل عميقة، فهما في الهمّ سواء.. جاءت النسخة الحديثة مع أحداث السادس من حزيران/ يونيو الماضي، عندما أطلقت وزارة العمل اللبنانية خطّة لمُكافحة اليد العاملة غير الشرعية في البلاد، "للحد من ارتفاع نسبة البطالة محلياً".

  • هناك مَن يحاول أن يُصوِّر اللاجئين والعمال الفلسطينيين وكأنهم يخالفون القانون

واتّخذت الوزارة اللبنانية تدابير أقرّتها الخطّة ومنها إقفال المؤسّسات المملوكة أو المُستأجَرة من أجانب لا يحملون إجازة عمل، ومَنْع وإلزام المؤسّسات التجارية المملوكة لأجانب بأن يكون 75 %من موظفيها من اللبنانيين.

بالطبع شملت هذه الإجراءات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، الذي يستضيف منذ سنوات عشرات الآلاف من النازحين السوريين. وقوبِلَت هذه الإجراءات باحتجاجاتٍ شعبيةٍ واسعةٍ في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وسط تنديد واسع من قوى وفعاليات فلسطينية. فواقع الحال أنه يعيش 174 ألفاً و422 لاجئاً فلسطينياً، في 12 مخيماً و156 تجمّعاً في محافظات لبنان الخمس، بحسب أحدث إحصاء لإدارة الإحصاء المركزي اللبنانية، عام 2017.

البداية حضرت سريعة مع تضامُنٍ واسعٍ مع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ضد قرارات وزارة العمل تصاعدت الاحتجاجات في صفوف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وإن أكّدت قوى وفعاليات فلسطينية ومؤسّسات حقوقية في داخل لبنان وخارجه تضامنها الكامل مع اللاجئين الفلسطينيين ضد إجراءات وزارة العمل اللبنانية، واصفة هذه الإجراءات بالعنصرية والتي لا تخدم الشعبين اللبناني والفلسطيني، وطالبَ مركز العودة في رسائل بعث بها إلى سفارتيّ لبنان في لندن وجنيف، الحكومة اللبنانية بإعادة النظر في إجراءاتها "التي تمارس شكلاً من التمييز ضد اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العمل والكرامة في البلاد".

الواقع أنه جاء في الرسائل المُتطابِقة، أنه "من غير المقبول أن تواصل الحكومة اللبنانية استهداف اللاجئين الفلسطينيين الذين يواجهون أصلاً تمييزًا تقرّه الدولة في العديد من القطاعات الاجتماعية والسياسية منذ عقود، في الوقت الذي تتسبَّب فيه الهجمات (الإسرائيلية-الأميركية) على الأونروا بمزيدٍ من عدم الاستقرار". وقالت رابطة عُلماء فلسطين في لبنان، في بيانها  إن إجراءات وزارة العمل "تُعدّ بمثابة إعلان حرب على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بلُقمة عيشهم ومستقبل أبنائهم". وطالبت الرابطة القيادات اللبنانية والوطنية والإسلامية بوقف ما وصفتها بـ"المهزلة"، وتحديد موقفها تجاه القضية الفلسطينية واللاجئين الفلسطينيين.

صنَّف البعض ما حدث على أنه "قرارات جائِرة" وإن دانت قوى وأحزاب لبنانية وفلسطينية وفعاليات منطقة شمال لبنان، ما وصفوها "القرارات الجائِرة"، التي صدرت عن وزارة العمل اللبنانية، مطالبين وزير العمل بالعودة عنها. جاء ذلك في بيانٍ صدر عن تلك القوى عقب انعقاد لقاء بدعوةٍ من المُنتدى القومي العربي في مدينة طرابلس. وقال البيان، "إن مثل هكذا قرارات تصبّ في خدمة المشروع الصهيوأميركي، وتساهم في تهجير الفلسطينيين وفي شطب حق العودة وفرض التوطين".

لا شك أنه هناك مَن يحاول أن يُصوِّر اللاجئين والعمال الفلسطينيين وكأنهم يخالفون القانون، وهذا كلام غير دقيق وتحريض على الفلسطينيين لتبرير إجراءات وزارة العمل. وإن دان مركز الجالية الفلسطينية الكندية والبيت الفلسطيني في بيان مُشترك إجراءات وزارة العمل اللبنانية "بما تشكّله من حِرمان اللاجئين الفلسطينيين من أبسط حقوقهم الإنسانية ، وهو توفير لُقمة العيش لعائلاتهم". ووصف البيان تلك الإجراءات "بالظالِمة والجائِرة ضد شعبنا"، وطالب الحكومة اللبنانية والوزير المعني بالتراجُع عن تلك القرارات.

نعم أعربت المنظمة الفلسطينية لحقوق الإنسان "حقوق" عن قلقها إزاء مُجريات تداعيات حملة وزارة العمل "التي إذا ما طُبِّقت بحذافيرها، سوف يتأثّر بها سلباًّ أصحاب المصالح والعمال الفلسطينيين كما تتأثّر بها مصالح لبنانيين، خاصة لناحية نسبة عمَالة الأجانب إلى اللبنانيين"، بحسب ما جاء في بيان صادِر عن المنظمة. وأضافت "حقوق" إن الاحتجاجات التي رافقت حملة وزارة العمل "أظهرت أن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان غاضبون مما وصلت إليه أحوالهم المعيشية، وبالتالي يمكن استغلال الأمر سلباً ممَن يُضمِرون السوء للبنان وللاجئين الفلسطينيين".

المرصد الأورومتوسّطي لحقوق الإنسان ومقرّه جنيف حضر على الخط وانتقد أيضاً "إجراءات الحكومة اللبنانية العنصرية التي تُفاقِم مُعاناة اللاجئين الفلسطينيين وتتجاهل خصوصية قضيّتهم". واعتبرت مسؤولة الاتصال والإعلام في المرصد، سيلين يشار، إن قرار وزارة العمل اللبنانية وتنفيذ إجراءاتها الحالية يشير إلى تصنيفها العمال الفلسطينيين، خلافاً لتعديل القانونين 128 و129 اللذين أقرّهما المجلس النيابي عام 2010، بأنهم عمال أجانب. في حين بروتوكول الدار البيضاء عام 1965 ينصّ على ضرورة مُعاملة الفلسطينيين في الدول العربية التي يقيمون فيها معاملة شعوبهم في إقامتهم وسفرهم وتيسير فُرَص العمل لهم مع احتفاظهم بالجنسية الفلسطينية. وطالب الأورومتوسّطي السلطات اللبنانية باحترام الاتفاقيات الدولية التي أقرَّت للاجئين حقوقهم الأساسية ومنها حرية العمل من دون تقييد أو مَنْع.

لقد حثَّت الأمم المتحدة والمنظمات العامِلة في مجال حقوق اللاجئين على ممارسة الضغط اللازِم على السلطات اللبنانية لتمكين اللاجئين الفلسطينيين من ممارسة أعمالهم من دون مُلاحَقة من قِبَل سلطات البلاد. تشكيك بتصريحات وزير العمل في المقابل، فسبق أن قال وزير العمل اللبناني، كميل أبو سليمان، إنه يتفهّم "مُعاناة اللاجئين الفلسطينيين"، وسيقدّم "كل التسهيلات اللازِمة بما يتعلّق بالمُستندات المطلوبة لحصولهم على إجازات العمل".

جاء ردّ الفعل اللبناني من وزارة العمل، في تصريحات لها أن الوزير اللبناني يبحث أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وإن أعرب عن "تفهّمه لمُعاناة الشعب الفلسطيني، مع تقديم كل التسهيلات اللازِمة بما يتعلّق بالمُستندات المطلوبة لحصول الفلسطينيين على إجازات العمل كما ينصّ القانون اللبناني، وهي لا تكبّدهم أية رسوم عملاً بالتسهيلات الممنوحة لهم في القانون". وإن حضر ردّ فعل لعديد اللجان الفلسطينية المُتابِعة، وعدَّت تصريحات وزير العمل "كلاماً غير صحيح وهو محاولة لقتل الحراك الشعبي في المخيمات".

في النهاية يجب التشديد على ضرورة تفهّم خصوصية اللاجئين الفلسطينيين والعمالة الفلسطينية في لبنان باعتبارها عمالة مُقيمة "تزرع وتأكل وتُنفِق في لبنان وليست عمالة أجنبية وافِدة تنطبق عليها القوانين اللبنانية".. وإن كان لبنان يعاني من ضيق العيش، عليه يبقى اللاجئ الفلسطيني في لبنان.. نموذجاً لألمٍ مُشتَرك.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً