محمد علوش

معد ومقدم برامج سياسية في قناة الميادين.

دلالات عودة القوات الأميركية إلى السعودية

وتقارب دوائر صنع القرار السياسي والعسكري هذه المصالح ببرغماتية عالية عبر عقدها شراكة تقليدية مستمرة مع الجيوش التي تُهمين على مقاليد السلطة في المنطقة، آخذة بالحسبان المصالح الاقتصادية المشتركة والمبيعات الكبيرة للأسلحة. وتضمن لها عدم الملاحقة القضائية على انتهاكاتها المستمرة لحقوق الإنسان، وتصلّب قبضتها الحديدية، وإجهاضها المستمر للتحوّلات الديمقراطية.

دلالات عودة القوات الأميركية إلى السعودية
دلالات عودة القوات الأميركية إلى السعودية

قبل أيامِ قليلةٍ أعلنت السعودية بشكلٍ رسمي استضافة 500 جندي أميركي في إطار "الدفاع عن أمن المنطقة واستقرارها وضمان السلم فيها"، ما يوحي بوجود جَدوَلة لنشر المزيد من القوات الأميركية في ظلّ التوتّر المتصاعِد مع إيران. فما الذي ترمي إليه كلّ من واشنطن والرياض؟

يهمّ الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط بشكلٍ عام انتظام تدفّق النفط والغاز، ومَنْع انتشار أسلحة الدمار الشامل، والحيلولة دون وصول الحركات الإسلامية إلى السلطة، وتقليص نفوذ إيران الإقليمي.

وللحفاظ على أهدافها، تسعى واشنطن إلى ضمان وصول سريع لجيشها إلى كامل مناطق النزاع في أقرب وقت ممكن.

وتقارب دوائر صنع القرار السياسي والعسكري هذه المصالح ببرغماتية عالية عبر عقدها شراكة تقليدية مستمرة مع الجيوش التي تُهمين على مقاليد السلطة في المنطقة، آخذة بالحسبان المصالح الاقتصادية المشتركة والمبيعات الكبيرة للأسلحة. وتضمن لها عدم الملاحقة القضائية على انتهاكاتها المستمرة لحقوق الإنسان، وتصلّب قبضتها الحديدية، وإجهاضها المستمر للتحوّلات الديمقراطية.

ويعتبر التدريب العسكري جزءاً مهماً من العلاقات مع جيوش المنطقة وهو يضمن التنسيق الوثيق والفعّال مع الشركاء الإقليميين وإظهار الالتزام الأمني الدائِم من الولايات المتحدة تجاه حلفائها الإقليميين وتدريب القوات المسلحة يهدف إلى تمكينها من تحمّل نصيب أكبر من المسؤولية عن الأمن الإقليمي ، إلا أن التحدّي الأبرز يكمُن في فاعلية هذه القوات وعدم الاستقرار السياسي والمشاكل الاقتصادية ، ثم التوتّرات الثنائية داخل المحور المؤيّد لها، فضلاً عن التهديدات العابِرة للدولة.

على الصعيد الاستراتيجي، اعتمدت الولايات المتحدة الأميركية في ما يُعرَف "الركن المزدوج" على المملكة العربية السعودية وإيران قبل الثورة في تولّي قيادة الدفاع عن منطقة الخليج في وجه الاتحاد السوفياتي والأنظمة الموالية له في العراق وسوريا وجنوب اليمن. لكن الثورة الإسلامية في إيران عام 1979دمَّرت أحد الركنين، وزاد الغزو السوفياتي لأفغانستان في حينه من الخطر على المصالح الأميركية في الخليج. ولذلك أعلن الرئيس الأميركي جيمي كارتر عام 1980 أن الولايات المتحدة ستتَّخذ إجراءات عسكرية للدفاع عن دول الخليج الغنية بالنفط من أيّ عدوان خارجي. وهو التزام عُرِفَ باسم "مبدأ كارتر" وأمر بإنشاء فرقة العمل المشترك للنشر السريع. وهي مقدّمة لسلسلة القيادة المركزية الأميركية التي تأسّست عام 1983.

ثم انتهجت الولايات المتحدة الأميركية نهجاً آخر منذ عام 1991 حيث أدَّى فشل التعاون بين بغداد ومُفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة حول أسلحة الدمار الشامل إلى الغزو الأميركي عام 2003. ووصل عديد القوات الأميركية في المنطقة إلى 150 ألف جندي حتى عام 2011 حيث أكملت واشنطن رسمياً سحب قواتها من العراق ثم في أعقاب المكاسب الإقليمية التي حقّقها داعش في العراق عادت الولايات المتحدة فنشرت 5000 جندي في البلاد.

ينتشر حالياً أكثر من 35 ألف عسكري أميركي في دول المنطقة. وتستضيف قطر أكبر قاعدة جوية أميركية وهي قاعدة العديد التي يقيم فيها حوالى عشرة آلاف جندي بالإضافة إلى قاعدة السيلية. وهناك انتشار عسكري أميركي في كلّ من الكويت وعُمان والإمارات والأردن والبحرين التي تستضيف الأسطول الخامس.

وتعود بداية العلاقات السعودية الأميركية إلى أربعينات القرن الماضي. ففي شباط/فبراير 1945، دشَّن الملك عبد العزيز بن سعود مع الرئيس فرانكلين دي روزفلت شراكة استراتيجية خلال لقاء جمعهما على متن البارجة الأميركية "كوينسي". بموجب ذلك، نالت السعودية الحماية العسكرية مقابل امتياز حصول الولايات المتحدة على النفط.

وتعزَّزت العلاقات العسكرية بين البلدين وبلغت أقصاها ما بين عامي 1991 و2003، ولم تخرج بعض القوات الأميركية إلا لتخفيف الاحتقان الداخلي في السعودية.

حالياً لا تحتاج الولايات المتحدة الأميركية إلى نشر قوات جديدة في السعودية. ووجودها العسكري هناك لم ينقطع يوماً. فالتدريب العسكري وتقديم الدعم اللوجستي ظهر جلياً في الحرب اليمنية.

ويبدو الإعلان السعودي عن إعادة نَشْرِ قوات أميركية في السعودية ليس مرتبطاً بزيادة حدّة التوتّر مع إيران، وإن تزامَن حدوثه مع الصعوبات التي تواجهها العلاقات الإيرانية الخليجية والعلاقات الإيرانية الأميركية إذا ما أخذنا بالاعتبار التصريحات الأميركية والسعودية الداعية لضبط النفس وتجنّب العمل العسكري.

ولا يمكن أن يُفهَم في الإطار العسكري بقدر وضعه في سياقه السياسي القائم على التنافس بين دول المنطقة. ويتّضح أن الهدف من الإعلان هو تعزيز الشراكة مع الولايات المتحدة الأميركية التي اهتزّت عقب تزعزع الصورة الإصلاحية التي حاول وليّ العهد السعودي تكريسها لنفسه في الغرب والتي تضرَّرت كثيراً نتيجة سلسلة من الحوادث المخيّبة التي دفعت نواباً في الكونغرس إلى الضغط لحجب مبيعات الأسلحة عن الرياض، وتوقّف الدعم الأميركي للتحالف السعودي الإماراتي في اليمن. ولا يبعد عن الهدف السعودي مواجهة قطر التي تستضيف أكبر قاعدة عسكرية في المنطقة.

أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية فمن المبكر الحديث عن تحوّلٍ جذري في اهتماماتها وأولوياتها العسكرية، حيث ركّز المخطّطون الأميركيون خلال السنوات القليلة الماضية على التهديدات المحتَملة الناشِئة للولايات المتحدة من الصين وروسيا على حساب الاهتمام بقضايا الشرق الأوسط.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً