بسام رجا

كاتب واعلامي فلسطيني

"ملفات" جونسون... تُثقلها حربُ الناقلات

ملفات ثقيلة ورثها رئيس الوزراء البريطاني الجديد بوريس جونسون ليس أولها الانسحاب من الإتحاد الأوروبي"بريكست" وفق شروط كبَّلت المملكة المُنهَكة باقتصادٍ مُتعَب، وتراجع في الدخل القومي وارتفاع نِسَب البطالة.

"ملفات" جونسون... تُثقلها حربُ الناقلات
"ملفات" جونسون... تُثقلها حربُ الناقلات

فالثقوب كثيرة والملفات كبيرة في استعادة الدور البريطاني على المستوى الدولي ما دامت السياسات الداخلية والخارجية مسوَّرة بأطرٍ تحدّ من اتخاذ قرارات تُعيد "الإمبراطورية" العجوز إلى صفوف الدول الصانِعة للسياسات المُستقلّة في القرار.

الصراع الداخلي بين الحزبين العمالي والمحافظ وإن بدا في هوامش ديمقراطية أظهرت نتيجة انتخابية أرضت المحافظين، لكن ما سيظهر من احتدام وتنافُس في الأشهر القادمة  سيرفع من منسوب ثقل الملفات التي يتصدّى لها بوريس جونسون...في ظلّ شدّ حبالٍ بينه ومَن يعارضونه من عمّاليين وكذلك من يمينٍ مُحافظٍ وليبرالي داخل حزبه ما يجعل قرارات مُقرّر "Downing street10" فيها الكثير من التحدّي مع المرحلة السابقة التي قادتها تيرزا ماي ، وخاصة بعد أن دفع إلى إقالة معظم وزراء حزبه وشركاء الحكومة من أحزاب أخرى... مُعلناً عن مرحلةٍ جديدةٍ يخوض فيها بقوّة "الواثِق" في تحدٍّ للإتحاد الأوروبي الذي أعلن على لسان مسؤولة السياسة الخارجية  فيديريكا موغيريني  أن ما توصّل إليه الاتحاد مع  تيريزا ماي لن يخضع للابتزاز.

جُعبة بورسون يبدو أنها مليئة بقرارات "التحدّي" من فتح النار على الاتحاد الأوروبي الذي  أعلن  أنه لن يتنازل عن (47) مليار يورو على المملكة البريطانية إن انسحبت من دون شروط وافقت عليها رئيسة الوزراء السابقة. ـ التي غامَرت بمستقبلها السياسي ولم يساندها المُقرّبون إليها في حزبها-.

الخطوة التي أقدمت عليها تيرزا ماي في الاستفتاء العام للانسحاب أو من عدمه من  الإتحاد، كانت الضربة القاصِمة لها وهيَّأت المسرح لجونسون لقلب الطاولة بدعمٍ من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أطلّ برأسه في المشهد السياسي البريطاني وإنْ لم يظهر ذلك بشكلٍ فاقِع.

تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد فوز بوريس جونسون برئاسة الوزراء في بريطانيا، أظهرت حمَاسة الرجل الذي يدفع إلى تفكيك الإتحاد الأوروبي وفق مُعطيات الاشتباك السياسي والإقتصادي الذي اتّبعه سيّد البيت الأبيض مع حلفائه في قراره الأكثر إحراجا ـ الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني الذي توصَّل إليه سلفه الرئيس الأسبق أوباما. ولم يترك فسحة للتحرّك الدبلوماسي إلا ودسّ فيها رأسه ليعطّل أية إمكانية "للمُناورة" للذين وقَّعوا وكانوا ضمانة لتفعيل الاتفاق النووي حين ألغى كل الإعفاءات للتبادُل التجاري التي كانت هامشاً لحركة حلفائه.  

وما يؤكّد صحَّة الارتباك الذي افتتحت فيه حكومة بوريس جونسون عهدها ، استعدادها للمُغامرة والإنجرار وراء الرئيس الأميركي ترامب الذي شجَّع خطوة لندن  في تصعيد الاشتباك مع الجمهورية الإسلامية في إيران، بعد أن تجسَّد ذلك في حرب الناقلات. وفاضت التصريحات البريطانية في تأكيد أن السياسة الجونسونية تدخل حلبة تأكيد القوّة والقرارات النارية التي ورَّطها فيها مستشار الأمن القومي جون بولتون في إدارة الرئيس الأميركي. وهذا انعكس بشكلٍ كبيرٍ على تصريحات سياسيين بريطانيين في مجلس اللوردات وأحزاب مُعارِضة، أن جونسون يذهب إلى الرداء الأميركي في وقتٍ تحتاج فيه بريطانيا لفسحةٍ من القراءة الموضوعية والعميقة للملفات العالِقة والكبيرة التي تواجه المملكة.

تصعيد لهجة  التهديد البريطاني الذي يأخذ الوجه الأميركي ـ والتجذّر الإيراني في ردّ" الصاع صاعين" يُفاقِم من الأحداث المُتصاعِدة في الخليج ، ويسير كل ذلك مع الدور الأميركي الذي يدفع إلى التورّط البريطاني في حرب الناقلات- بعد أن أعلن الرئيس الأميركي أن هناك شركاء سيدفعون معنا إلى تشكيل حماية دولية في الخليج (أمن البحار). ما أطلقت عليه أميركا بالحارس ومُرافَقة الناقلات من الدول التي ترفع علمها. ورغم كل التجييش الأميركي السياسي والعسكري لم تذهب فرنسا إلى التورّط التي أعلنت على لسان وزيرة دفاعها فلورانس بارلي إنها تدرس ذلك وفق الأطر والتشاور الدبلوماسي ـ كما فعلت ألمانيا ذلك على لسان وزير خارجيتها هايكو ماس.

يبدو أن رئيس الوزراء البريطاني الذي وإن بدا مُتحمّساً لتوثيق العلاقات مع واشنطن ـ يُدرِك أن هذا المشهد المُشتِعل ستكون نتائجه كارثية في حال حدوث احتكاكات مع الحرس الثوري الإيراني في منطقة الخليج. بعد أن أفرجت إيران عن التسجيل الذي أظهرت فيه إجبارها المُدمِّرة البريطانية على  تغيير مسارها والابتعاد عن الناقلة البريطانية التي تمّ احتجازها في الخليج بالقرب من مضيق هرمز  لـ "انتهاكها معايير الملاحة" وفق تصريح إيراني مسؤول.

حرب الناقلات قد تكون بداية لتغيير قواعد اللعبة بعد أن انتهكت واشنطن كل المعايير القانونية للاتفاق النووي ـ وعطّلت من إمكانية تدوير الزوايا من قِبَل شركائها الموقِّعين على الاتفاق.

السيناريو الأميركي في محاولة خَنْق إيران ومنعها من تصدير نفطها ـ قابلته الجمهورية بخطابٍ واضحٍ لا لُبس فيه أنه لن يُصدَّر النفط من مضيق هرمز إن واصلت واشنطن حربها المُعلنة المدعومة بالمال الخليجي لتحجيم دورها في المنطقة ، وفق قراءات وتبني المملكة السعودية التي تدعم الخطوات البريطانية والأميركية في العقوبات بل أكثر من ذلك إلى ضرب استقرارها.

المشهد في الخليج وحرب الناقلات والتورّط البريطاني وراء واشنطن ـ تقرأه طهران بعيداً عن الانفعالات - والارتجال السياسي، ووجَّهت عبر وزير خارجيتها  الدكتور محمّد جواد ظريف خطاباً يؤكّد على أن طهران لن تتراجع عن مواجهة الحصار المضروب عليهاـ ولن تُقايض أيّ ملف مقابل الآخر. وتدعو دول الاتفاق إلى تنفيذ التزاماتها ولن تزيد من المُهَل التي منحتها لزيادة التخصيب والعودة إلى لا اتفاق.

خطوات الجمهورية الإسلامية تنسّق مع حلفائها الصينيين والروس وهذا يجد صداه في التصريحات التي يؤكِّد فيها وزيرا خارجية البلدين على أحقية إيران في تصدير نفطها. ويدعوان إلى الالتزام بالاتفاق النووي من دون شروط مُسبقة والعودة إلى طاولة المفاوضات.

لاحرب في الخليج ـ والتصعيد البريطاني المدعوم من واشنطن لن يُغيِّر من الحقائق في أعالي البحار... وطهران لن تقدِّم أية تنازلات في أحقيّة ما وصلت إليه الاتفاقات مع الدول الضامِنة- ولن يكون مضيق "هرمز" ورقة ضغط بل حلاً للضغوط - ولن تصبح مياه الخليج نزهة لمَن يريد أن يختبر الصبر الإيراني.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً