"كنت سفيراً لدى السلطان": آخر سفير مصري في تركيا

كتاب "كنت سفيرًا لدى السلطان" يساعدنا على فهم وتحليل المجتمعين السياسيين فى مصر وتركيا والعلاقات المصرية التركية فى تلك الفترة.

"كنت سفيرًا لدى السلطان" للاًخر سفير مصري في تركيا
"كنت سفيرًا لدى السلطان" للاًخر سفير مصري في تركيا

يتحدث كتاب "كنت سفيرًا لدى السلطان" للسفير المصري عبد الرحمن صلاح الذي شغل منصب سفير مصر لدى تركيا من عام 2010 إلى عام 2013. عن أحداث تلك الحقبة المهمة فى تاريخ البلدين، وذلك من خلال سرد مواقف شارك فيها، أو زيارات متبادلة، أو أحداث خفية كان شاهداً عليها من خلال 14 فصلاً، وقد ألحق بها 6 ملاحق عن حوارات صحافية متنوعة، فالتفاصيل الموجودة في الكتاب تساعدنا على فهم وتحليل المجتمعين السياسيين فى مصر وتركيا والعلاقات المصرية - التركية فى تلك الفترة.

والسفير صلاح هو آخر سفير للقاهرة لدى تركيا، قبل خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى درجة "قائم بالإعمال" عام 2013. فقد شغل منصبه كسفيراً للقاهرة في تركيا في مطلع نيسان/ إبريل 2010، ممهوراً بتوقيع الرئيس السابق حسني مبارك.

بعتبر كتاب "كنت سفيرًا لدى السلطان"، الصادر عن دار "نهضة مصر للنشر والتوزيع"، في القاهرة  مرجعاً أساسياً، عن التحولات التي شهدها البلدان من عام 2010 إلى عام 2013 في ظلّ حكم أربعة رؤساء: الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك (في سنته الأخيرة) ثم الفترة الانتقالية بقيادة المجلس العسكري الذي ترأسه المشير طنطاوي، ثم نظام حكم الإخوان المسلمين بقيادة محمد مرسي، ثم فترة انتقالية ثانية برئاسة المستشار عدلي منصور، أعقبها وضع دستور وانتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي.

يتحدث السفير صلاح في كتابه عن "أول زيارة لاسطنبول في عام 2009، "رأينا حدائق مُنتشرة، أسعدنا أن نسمع أذان الصلاة من مسجد (أورطا كوي) على ساحل البوسفور وسط عشرات الأتراك الذين جلسوا على ضفاف البوسفور، مرتدين ثياباً غربية متحررة تُلائم حر صيف إسطنبول، ويحتسون البيرة ويدخنون، ما ذكرني بالإسكندرية في الستينيات وقت طفولتي".

ويضيف: "لابد أن أسجل شعوري وزوجتي منذ وصولنا تركيا في مارس (آذار) 2010، وحتى مغادرتنا في نوفمبر  (تشرين الثاني) 2013، وجدنا العديد من التناقضات، مثل عمق التديّن الأناضولي مع تطرف العلمانية، ومثل السعي لتطبيق المعايير الغربية في كل نواحي الحياة، مع الاتفاق الشعبي والرسمي أن الغرب يُحيك المؤامرات ضد تركيا لتفريقها وتقسيمها".

يروي الكتاب تفاصيل تلك الحقبة المهمة في تاريخ البلدين، ويكشف عن حقائق جديدة وأسرار خفية بين الرئيس التركي أردوغان وجماعة الإخوان المسلمين إبان حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي لمصر، ودور عصام الحداد ، مساعد مرسي في رسم السياسة الخارجية المصرية لتصُب في القناة التركية.

ويتوقف السفير صلاح في كتابه كثيراً  عند شخصية "أردوغان" من خلال العديد من الأحداث، منها أن أردوغان أصر على التعامي عن التهديدات الإسرائيلية، إذ انطلقت حينها السفينة «مرمرة الزرقاء»، نهاية أيار/مايو 2010، ودخلت المياه الإقليمية لغزة، فأوقفها سلاح البحرية الإسرائيلي، وهبط عليها الجنود الإسرائيليون لمواجهة المناضلين، فقتلوا عشرة مدنيين، بينهم 9 أتراك وواحد تركي أميركي، ونقلوا جميعًا إلى "إسرائيل"، وبدأوا بالإفراج عن المصريين أولاً.

أطلق أردوغان حينها، تصريحات نارية تهدد بالرد على "إسرائيل"، لكنه لم يفعل شيئاً سوى تخفيض التمثيل الدبلوماسي معها إلى مستوى سكرتير ثاني.

ويكشف كتاب "كنت سفيرًا لدى السلطان"، عن أسرار جديدة في ملف العلاقات المصرية- التركية قبل وبعد ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، منها أن الأتراك اعترفوا بتحريك تظاهرات ضد مصر في أنقرة واسطنبول بسبب "معبر رفح"، وأن مسؤولاً في حزب "العدالة والتنمية" الحاكم قال لسفير مصري: "يجب أن تحمد الله أننا لم نقتحم سفارتك".

يقول السفير صلاح:"إذا بدأنا بالسنة التي تقع في آخر عهد مبارك، فإن الكتاب يكشف عن  هوامش مهمة من العلاقة آنذاك، ويبدأ المؤلف من نقطة مشتركة بشكل ما بين النظامين المصري والتركي في ذلك الوقت، وهي معبر رفح".

يضيف: كانت سياسة مبارك وقتها هي تضييق استخدام معبر رفح البري في تمرير  المساعدات الإنسانية للقطاع، خوفاً من أن تتهم إسرائيل مصر بتهريب أسلحة داخل تلك المساعدات. كما أن مبارك كان "يستخدم المعبر وسيلة للضغط على حماس من أجل إخضاعها، ولدفعها إلى التصالح مع حركة فتح.

وفي ذلك الوقت، كانت المنظمات التركية الإسلامية تنظم مسيرات احتجاجية أمام السفارة المصرية في أنقرة والقنصلية في إسطنبول، على خلفية مسألة غلق أو فتح معبر رفح.

وحسب ما ينقله السفير صلاح عن سلفه في تركيا السفير علاء الحديدي، فإنه عندما سأل أحد قادة  حزب"العدالة والتنمية" الحاكم هناك: من يقف وراء تلك التظاهرات، وهل للحزب الحاكم دور في تحريكها؟ أجابه المسؤول التركي الحزبي بالحرف الواحد: "يجب أن تحمد الله أننا لم نقتحم سفارتك".

كان التحفظ وعدم الثقة يسودان علاقة مبارك بإردوغان، وتجسد ذلك في عدم حرص وزير الخارجية المصري وقتها أحمد أبو الغيط على حضور المؤتمرات الإقليمية والدولية التي تقام في تركيا بحضور عربي واسع.

لكن هذا الفتور القلِق كان له جانب آخر مهم للغاية يجري في الكواليس على خلفية إخضاع إردوغان الجيش التركي للسلطة التركية، وفق نموذجه للحكم الإسلامي العلماني، والذي كان يلقى تأييداً من الولايات المتحدة برئاسة باراك أوباما وقتها، ولقي إعجاباً من القوى الإسلامية في عدة دول عربية ومنها مصر.

ويرى صلاح أن مبارك كان يخشى وقوع مثل هذا السيناريو  في مصر، ولهذا فقد غضّ النظر عن نشاط محدود لجماعة "الإخوان ا لمسلمين"، بل وسمح لهم مع تسميتهم في نفس الوقت "الجماعة المحظورة"، بالسيطرة على 20% من مقاعد البرلمان خلال انتخابات عام 2005.

ورحل مبارك بعد ثورة شعبية إثر 30 سنة من وجوده في سدة الحكم، وتولى المجلس العسكري برئاسة المشير حسين الطنطاوي مسئولية الفترة الانتقالية.

وكان الحكام الأتراك الحالمون باستعادة أمجاد"السلطنة العثمانية" في أنقرة، معجبين للغاية بما حدث وسرعان ما توافدوا على القاهرة متقمصين دور "الأخ الأكبر" ليقدموا نصائحهم للقادة المصريين الجدد في كيفية إدارة المرحلة المقبلة.

وفي آذار/مارس 2011، أي بعد أقل من شهر على تنحي مبارك، أبدى الرئيس التركي وقتها عبدالله غول رغبته في زيارة القاهرة، كأول رئيس دولة تطأ قدماه أرض مصر في العهد الجديد ، وجاء "غول" بالفعل على رأس وفد رفيع المستوى من ضمنه وزير خارجيته أحمد داود أوغلو إلى مصر زائراً.

ويقول السفير صلاح إن اهتمام داود أوغلو كان منصباً على الاتصال بالمستشار طارق البشري، رئيس لجنة التعديلات الدستورية وقتها: "طلب مني على مائدة الغداء مع الرئيسين أن أوصله مع البشري تليفونياً، وقد قمت بذلك، واتفقا على اللقاء قبل مغادرة غول وداوود أوغلو القاهرة".

ويشير الكتاب إلى أن غول واوغلو حرصا قي هذه الزيارة على لقاء زعماء كل التيارات السياسية وقتها.

وتطورت الأمور سريعاً وجاء أردوغان إلى القاهرة في "فترة تجلى فيها انكشاف ضعف مؤسسات الدولة بعد سقوط حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وحدث الكثير مما يدل على غرور القوة الذي كان يعيش فيه الرجل الحالم بأوهام السلطنة العثمانية".

ويتذكر السفير صلاح في كتابه ما فعله أردوغان وحرسه في هذه الزيارة: "بناء على توصية من سفيرهم، وبترتيب مع السلطات المصرية تم السماح بنشر عربات عسكرية مدرعة تركية فيها جنود أتراك ملثمون يحملون رشاشات لمرافقة موكب أردوغان في كل تحركاته ما عدا داخل وزارة الدفاع المصرية، وشملت حراسة أردوغان الشخصية حوالى عشرين حارساً بلباس مدني".

وقد قدم أردوغان في هذه الزيارة إقتراح مشروع تضمن: إنشاء "مجلس إستراتيجي مشترك"، والإعفاء من تأشيرة الدخول للمواطنين، وعقد اتفاقية تجارة حرة، وتسيير خطوط طيران وملاحة مباشرة.

ويؤكد صلاح أن المشير المشير طنطاوي وقتها رفض اقتراح "المجلس الاستراتيجي"، وعندما ألح الأتراك ووسّطوه لمعرفة السبب، أبلغه رئيس أركان الجيش المصري وقتها بأن المشير رد بأنه "لا يفضل أن يلزم أي رئيس مقبل بأمر قد لايريده".

ويبدو أن رئيس المجلس العسكري وقتها كان – مثل مبارك – لا يثق بأردوغان، كما يؤكد صلاح، فيما حال اعتراض المخابرات العامة على اقتراح الإعفاء من تأشيرات الدخول دون تنفيذه، لأسباب أمنية. ويعتبر السفير صلاح بأن هذا القرار ثبتت صحته بعد "ثورة 3 حزيران/ يونيو 2013".

في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2013، غادر السفير عبدالرحمن صلاح وزوجته تركيا، بعد "تخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع تركيا من درجة السفير إلى درجة القائم بالأعمال"، فيما كانت القاهرة "مشتعلة، إذ طالبَ الرأي العام المصري بقطع العلاقات الدبلوماسية تماماً مع تركيا، بدءاً من قطع العلاقات الدبلوماسية، وحتى مقاطعة المنتجات التركية، وإلغاء اتفاقيات التعاون بين البلدين".

ويؤكد السفير صلاح أن من الأشياء التي لاحظها  خلال عام 2013، أن مستشاري أردوغان، كانوا غير قادرين أو راغبين في تقديم النصح له، حول التصريحات التي يدلي بها حول مصر، وهو وضع مختلف عن "صورة أردوغان 2000"، عندما كان وشريكه، عبدالله غول، يستمعان إلى كل الاتجاهات، قبل أن يقررا توجهات حزبهما الناشئ، آنذاك.