"أجندة إيران اليوم" بحسب باحث أميركي

لعل أروع تعبير عن تركيبة العلاقات الأميركية – الإيرانية هو ربط السفير الأميركي السابق فريمان السياسية الأميركية بمرض ذهني يجعل المريض يرفض الاعتراف بالحقيقة.

  • "أجندة إيران اليوم" بحسب كاتب أميركي

حرص ريز إرليخ على تدعيم كتابه "أجندة إيران اليوم: الرواية الحقيقية من داخل إيران والخطأ الذي حصل في السياسة الأميركية" (الدار العربية للعلوم - ناشرون -بيروت، ترجمة: رامي الريس)، بشهادات أهم الشخصيات الأميركية المشهود لها بعدم انحيازها، وواقعيتها السياسية ومعرفتها العميقة بالشأن الإيراني، ليكون كتابه أحد أهم الكتب حول إيران.

يبدأ إرليخ كتابه بذكر زيارته إلى طهران في حزيران/يونيو 2005، إلى جانب المخرج الأميركي شون بن الحائز على جائزة الأوسكار والمعروف بمعارضته للحرب على العراق، بصفته مراسلاً لصحيفة "سان فرانسيسمو كرونيكال"، و"نورمان سولومون" صاحب كتاب "الحروب الميسرة" وهو من أشجع الصحافيين الأميركيين الذي كشف أكاذيب الإدارات الأميركية المتعاقبة.

ونشير هنا إلى أن إرليخ زار طهران مرات عدة وتجول فيها وقابل العديد من الشخصيات ونزل إلى الشارع واستمع إلى رأي المواطنين فيه.

يقول إرليخ: "إن معظم الإيرانيين انتقدوا بشدة سياسة الحكومة الأميركية وإسرائيل، ولم ينسوا أيضاً الدعم الأميركي للشاه الديكتاتور أو البحرية الأميركية التي أسقطت طائرة إيرانية ما أسفر عن مقتل 290 شخصاً على متنها. قد يحبون الممثل شون بن، ولكنهم مستعدون لحمل السلاح ضد دونالد ترامب".

يذكر الكاتب في كتابه مراراً أن الإيرانيين الذين يعارضون بشدة الحكومة الإيرانية هم في الوقت ذاته معارضون بشدة للسياسة الأميركية ويرفضون أي عمل عسكري ضد بلدهم.

ومنذ أن أطاحت ثورة 1979 نظام الشاه المدعوم أميركياً، توالت الإدارت الديمقراطية والجمهورية على ذم إيران. لقد جادلوا بأن إيران تشكل خطراً على الأمن القومي، وكان السبب المزعوم يختلف كل سنة: إنها تنشر الثورة الإسلامية، إنها تدعم الإرهابيين، إنها تنوي تطوير قنبلة نووية، إنها تقتل جنوداً أميركيين في العراق. 

يؤكد إرليخ أن السياسة الأميركية تدار من قبل نخبة حاكمة صغيرة تضم مدراء تنفيذيين وقادة عسكريين، ومسؤولين حكوميين بيروقراطيين وسياسيين، ومن المفترض أن تكون هذه المجموعة خاضعة للمساءلة الديمقراطية. ولكن في الممارسة، الشعب الأميركي يملك تأثيراً محدوداً على قراراتها. ويضيف: ترغب النخبة الأميركية الحاكمة دائماً بالخلط بين الأمن القومي والمصالح العسكرية والاقتصادية. الشعب الأميركي لا يواجه تهديداً مباشراً من إيران، وإيران لا تستطيع شن هجوم عسكري على الأراضي الأميركية. ومع أن إيران دعمت مجموعات شنت هجمات اعتبرت "إرهابية" في "إسرائيل" وفي مناطق أخرى في الشرق الأوسط، إلا أنها لا تدعم تنظيمي القاعدة و"داعش"، أو المنظمات الإرهابية الأخرى التي تشكل تهديداً حقيقياً للولايات المتحدة.

يفترض الكاتب فرضية مفادها أنه إذا اختفت الحكومة الإيرانية غداً، فالأميركيون لن يكونوا في أمان اكثر أو أقل، إلا أن إيران تشكل تهديداً لمصالح النخبة السياسية والعسكرية والإقتصادية التي تدير الولايات المتحدة.

في مطلع القرن العشرين، تنافست بريطانيا مع روسيا والعثمانيين والأتراك وقوى إمبريالية أخرى على الثروة النفطية في الشرق الأوسط. وكان التزاحم على الموارد الطبيعية يسمى "اللعبة الكبرى". اليوم تغير اللاعبون، ولكن اللعبة الكبرى مستمرة.

يتوقف إرليخ كثيراً أمام شهادة السفير الأميركي السابق في السعودية تشارلز فريمان (1989 – 1992) ونائب وزير الدفاع للشؤون الأمنية الدولية (1993 – 1994)، والذي كان وراء أقوى دراسة أكاديمية نشرت في عام 2006 وحملت عنوان "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية" للباحثين الأميركيين ستيفن والت العميد السابق لكلية جون أوف كيندي في جامعة هارفارد، وجون ميرشيمر أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو.

يستطرد إرليخ في حديثه عن السفير فريمان: كم كان صريحاً ومرحاً في حديثه معي عن المصالح الأميركية في إيران عندما رحب بي في مكتبه في "مجلس سياسة الشرق الأوسط". يقول فريمان: "هناك تراتبية للمصالح الأميركية في هذا المجال وهي تبدأ بالوصول الآمن إلى موارد الطاقة". ويضيف: "شرح لي أن شركات النفط الأميركية لم تطرق باب مكتبه مرة لمطالبة الولايات المتحدة لقلب النظام الإيراني أو غزو العراق. هم ليسوا بحاجة لذلك. السياسيون والمسؤولون العسكريون الأميركيون يفهمون أن البلد بحاجة إلى مصادر اَمنة من النفط، والشركات النفطية تستفيد بصورة أوتوماتيكية لانها مؤتمنة على تطوير وتسويق النفط".

وقال فريمان إن الولايات المتحدة تريد حكومات شرق أوسطية غير عدائية، ودول مستعدة للعمل مع الشركات الأميركية لتأمين الطاقة، وقادرة على حماية الاستقرار بدل الدخول في أعمال قد تعطل تدفق الطاقة.

تمتلك إيران نحو 10 بالمائة من الإمدادات النفطية حول العالم، كما تمتلك ثاني أكبر كمية من الغاز الطبيعي. كما أنها تجلس بين الخليح وبحر قزوين، وهما منطقتان نفطيتان حساستان. وناقلات النفط العالمية تهبط نزولاً بمحاذاة شاطئ إيران على مضيق هرمز الذي تنحسر مساحته إلى 31 ميلاً في إحدى النقاط. إن السيطرة على المضيق تعني السيطرة على المنطقة برّمتها. وليس غريباً أن البريطانيين والروس والأميركيين حاولوا جميعاً السيطرة على إيران.

ينقل إرليخ عن بول بيللر مسؤول الشرق الأدنى وجنوب اَسيا في وكالة الاستخبارات الأميركية بين عامي 2000 و2005 والمتقاعد من التعليم في برنامج الدراسات الأمنية في جامعة جورج تاون والمعروف بنقده الدائم للساسية الأميركية قوله: "يدرك المخططون العسكريون الأميركيون كلهم، القدرة الإيرانية – إذا وجد الدافع – على إلحاق الأذى بإغلاق مضيق هرمز أو فرض إجراءات عسكرية كبيرة من الجهة المقابلة لتركه مفتوحاً، إذا أمكن القول، على الولايات المتحدة".

ويقول بيللر: "لا تكتفي النخبة الأميركية الحاكمة بالرغبة بالسيطرة على المنطقة، بل إنها تعمل لمنع الاَخرين من القيام بذلك".

السفير الأمريكي السابق لدى حلف الناتو روبرت هانتر من عام 1993 إلى عام 1998، وكبير الباحثين في مركز العلاقات عبر الأطلسي، وكبير مستشاري مستشاري مؤسسة راند في واشنطن يقول: "إن الهدف مع إيران ليس فقط تغيير النظام كوسيلة لإلغاء الدور التنافسي لإيران في النفوذ والتأثير.. عزيزي القارئ أن أياً من المصالح القومية، له علاقة بك أو بي. صحيح أننا بحاجة للبنزين لقيادة السيارات أو الغاز الطبيعي لمحطات توليد الطاقة، ولو بكميات أقل مع استعمال الطاقة المتجددة، ولكن باستطاعة الولايات المتحدة شراء موارد الطاقة من الأسواق الدولية كما تفعل دول أخرى".

ويضيف بسخرية: "واضح أن الرب أعطى هذا التفويض للولايات المتحدة الأميركية. في الواقع المصالح الإستراتيجية الأميركية تخدم الشركات التي تعتمد أرباحها على السيطرة على المنطقة".

ويرد إرليخ على بعض "المحافظين الجدد" الذين يرون أنه إذا كنت تعارض السياسية الأميركية فهذا يعني أنك تدعم الملالي الإيرانيين، بأن ذلك لا يجعل من إيران تهديداً للأميركيين.

يتوقف المؤلف عند جواب حفيد الإمام الخميني، السيد حسن الذي إلتقى به في منزل جده الإمام الذي كان – حسب محمد هاشمي أحد مرافقي الإمام – أطلق من شرفته للمرة الأولى على الولايات المتحدة تسمية "الشيطان الأكبر"، في رده على الإتهام الأميركي لإيران بأنها راعية أساسية للإرهاب. فقال: "ما هو المعيار الذي يحدد أن إيران هي دولة راعية لإرهاب، ويبعد هذا الإدعاء عن إسرائيل؟، إن بوش يعتمد هذه المسألة كذريعة وإذا لبّت إيران كل المطالب الأميركية سيبتدع بوش ذرائع جديدة".

ويضيف السيد حسن الخميني: "لا أظن أن الولايات المتحدة تملك ما يكفي من القوة للهجوم على إيران. الرأي العام الأميركي، وما تواجهه أميركا في العراق، والوضع الدولي لن يسمحوا للأميركيين القيام بذلك". وقد ختم الخميني حديثه معه بقوله: "بوش من صنّف إيران كجزء من  من محور الشر، بيمنما المطلوب الاعتراف بأن الحكومة الإيرانية مستقلة. على الرأي العام الأميركي إجبار حكومته لتغيير رأيها في هذا المجال".

ولعل أروع تعبير عن تركيبة العلاقات الأميركية – الإيرانية هو ربط السفير السابق فريمان السياسية الأميركية بمرض ذهني. وقال: "المريض النفسي يظن أن 2 + 2 = 5، ولكن المريض العصبي يعلم أن 2 + 2 = 4، ولكنه مغتاظ للغاية من ذلك. واشنطن عصبية لأنها ترفض الإعتراف بالحقيقة بسعادة".

ويعلق الكاتب على ذلك: في هذه الأيام، يبدأ الإضطراب العصبي عندما ينظر المسؤلون الأميركيون إلى برنامج إيران النووي.