لماذا ينحاز الغرب إلى (إسرائيل)؟

يعترض الباحث على رأي المسيري الذي يرفض الاعتراف بالخلفية الدينية للموقف الغربي من المشروع الصهيوني لأنّه حريص على "إزاحة العقائد من أنموذجه ومنهجه"، ولأنه متأثر بالفكر الماركسي. لذا كان طَبعِيّاً أن يبحث عن تفسير غيرِ التفسير الديني لصهيونية الغرب.

يتناول كتاب "جذور وأسباب الانحياز الغربي لــ (إسرائيل) في فكر عبد الوهاب المسيري" للكاتب المغربي الحسين بودميع الانحيازَ الغربي لــ (إسرائيل) في المشروع الفكري لعبد الوهاب المسيري، وقبل أن يخوض الباحث في بيان مفهوم الانحياز ومظاهره وجذوره؛ يستهل الكتابَ بمقدمة توضِّح موضوع الكتاب ودوافعَه ومنهجه؛ مبيناً جذور نشأة الفكر الصهيوني وتبني الغرب له، وهو محل نقاش بين الدارسين. فهناك من يربط نشأة الفكرة الصهيونية بالمنطلقات العَقَديّة لدُعاتها الأولين، وهناك من يرجعها إلى ظهور النزعة الإمبريالية الاستعمارية والتيارات الفلسفية والقومية في الغرب، وهناك من يربطها بظاهرة "العداء لليهود وما تعرضوا له عبر تاريخهم من صنوف الاضطهاد"، وبالرغبة العارمة لدى اليهودي في العودة إلى فلسطين، تحت قيادة المسيح اليهودي المنتظَر.

لكن رواد الصهيونية الحديثة (يهوذا القلعي، وتسيفي هيرش، وليو بنسكر) تخلوا عن فكرة انتظار المخلص بعد اعتقادهم أن خلاصهم في "استعادة ما يعدّونه وطنهم التاريخي"، وقد انعكس ذلك على تفسير الانحياز الغربي لــ (إسرائيل) وتبنيه المطلق للمشروع الصهيوني، حيث رأى بعض الدارسين في دعم (إسرائيل) مصلحةٌ للقوى الغربية، وعزا بعضهم ذلك إلى قوة اللوبي الصهيوني في الغرب وآخرون رأوا أنَّ العقائد البروتستانتية التنبُّؤية التي تتضمن ضرورة التجمع اليهودي في فلسطين هي الباعث على هذا الانحياز الغربي المطلق للكيان المحتل.

ويُعد المفكر عبد الوهاب المسيري أحد أبرز الباحثين الذين كرسوا جهداً عظيماً في دراسة العقيدة اليهودية وتشريح الفكر الصهيوني في كتبه القيمة، أبرزها (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية)، جعلته مرجعاً لكل الباحثين والمهتمين بالديانة اليهودية والفكر الصهيوني.


مفهوم الانحياز

يُستعمل مصطلح الانحياز لــ (إسرائيل) "بمعنى حماية دولة الكيان الصهيوني وضمان بقائها واستمرارها، ودعمها اقتصادياً، وتقويتها عسكرياً، وتأييدها دبلوماسياً".

ويستعمل المسيري، للتعبير عن ذلك، تعبيرات من قبيل (دعم إسرائيل) و(تأييد إسرائيل) و(حماية الدولة الصهيونية) و(ضمان بقائها واستمرارها) وهذه العبارة الأخيرة أكثر اعتماداً لديه.

وفي سياق تحديد المصطلح يشرح عبد الوهاب المسيري علاقة انحياز الغرب لــ (إسرائيل)، مشيراً إلى أنها قائمة بين راعٍ إمبريالي قوي ودولة وظيفية عميلة له؛ تقوم على التزام المستوطنين بالعمل داخل مستوطَنهم لحساب مصالح الحضارة الغربية على أن يلتزم الراعي الإمبريالي بحماية المستوطن العميل عسكرياً، ودعمه اقتصادياً.

فالصهيونية عند المسيري "ظاهرة غربية استعمارية استيطانية إحلالية" و"الولايات المتحدة هي الرّاعي الإمبريالي للدولة الصهيونية الوظيفية التي تدعمها وتموّلها وتضمن بقاءها واستمرارها".


مظاهر الانحياز

يتجلى الانحياز الغربي في مجموعة من المظاهر منها:

أ – التأييد السياسي والدبلوماسي: بتأييد مذابح الدولة الصهيونية في حقِّ الشعب الفلسطيني، واستعمال "حق" النقض (الفيتـو)، والتجريم القانوني لنقدها باعتباره معاداة للسامية، وتعهد رؤساء الولايات المتحدة في حملاتهم الانتخابية، وبعد انتخابهم، بحماية أمنها.

ب - الحماية العسكرية: وهي ظاهرة معروفة، وحقيقة واقعة، تتجلى في أمور منها أن "الولايات المتحدة أقامت جسراً جوياً بينها وبين (إسرائيل)، إذ نقلت إليها في أيام قليلة 22 ألف طن من العتاد العسكري لتعويضها عن خسائرها التي مُنيت بها"، كما أن المساعدات الأميركية لتل أبيب تطورت بعد حرب أكتوبر عام 1973 "حتى وصلت إلى 3 مليار دولار تقريباً سنوياً طبقاً للإحصاءات الأميركية الرسمية منها 1.8 مساعدات عسكرية، 1.2 مساعدات اقتصادية".

ج - الدعم الاقتصادي: هناك أدلة عدة تثبت هذا الدعم منها أن "(إسرائيل) تحصل على ربع المعونات الأميركية كل عام، الأمر الذي جعلها أكثر دول العالم اعتماداً على المعونات الخارجية" و"يصل مجموع المساعدات الأميركية لتل أبيب إضافة إلى التعويضات الألمانية عن "المحرقة النازية" والجباية اليهودية منذ عام 1949 وحتى عام 1996، إلى أكثر من 179.4 مليار دولار، موزعة بين 79.6 مليار دولار مساعدات حكومية أميركية متنوعة، 60 مليار دولار تعويضات ألمانية، 19.4 مليار دولار جباية يهودية، 23.4 مليار دولار أصول أجنبية في (إسرائيل)، هذا بالإضافة إلى المساعدات غير الحكومية التي تتلقاها إسرائيل من أفراد ومؤسسات داخل الولايات المتحدة منذ منتصف السبعينات.

وتشير بعض التقديرات إلى أن "المساعدات التي حصلت عليها (إسرائيل) من مصادر غير حكومية في الفترة من 1948 إلى 1986 قد بلغت 24.5 مليار دولار".


لماذا يتبنى الغرب المشروع الصهيوني؟

يتناول الباحث محاولة المسيري تفسيرَ انحياز الغرب – وخاصة واشنطن - لــ (إسرائيل)، فهو يرى أن ذلك ناجمٌ عن كونها "قاعدة عسكرية وحضارية وأمنية للغرب (.....) وأن المصالح الاستراتيجية الغربية (الأميركية)، هي التي تحدد القرار الأميركي، وأن الضغوط الصهيونية - من خلال اللوبي أو الإعلام- ذات أهمية ثانوية".

هكذا يكون الجانب المصلحي والاستراتيجي هو العامل الحاسم في هذا الانحياز. أما اللوبي الصهيوني - عنده - فتأثيره في صناعة القرار السياسي الغربي لا يعدو أن يكون ثانوياً.

ويعترض الباحث الحسين بودميع على رأي المسيري، بل يجزم بعدم صلاحية تفسيره الذي يرفض الاعتراف بالخلفية الدينية للموقف الغربي من المشروع الصهيوني لأنّه حريص على "إزاحة العقائد من أنموذجه ومنهجه"، ولأنه متأثر بالفكر الماركسي. لذا كان طَبعِيّاً أن يبحث عن تفسير غيرِ التفسير الديني لصهيونية الغرب.

كما ينتقد الباحث اعتبار (إسرائيل) مجرد "دولة وظيفية" قائلاً: "... فلو كانت (إسرائيل) – كما يرى المسيري- مجردَ "دولة وظيفية" لتخلى عنها الغرب بعد أن "فقدت وظيفتها" كما تخلى عن "الجماعات الوظيفية اليهودية" حين "فقدت وظيفتها"، وهو ما لم يحدث؛ والعلة أن ِلتَجَمُّع اليهودِ بأرضِ فلسطين في الشعور الغربي دوراً دينياً، لا "وظيفة قتالية" أو"مصلحة استراتيجية مادية".


جـذور الانحياز

حاول الباحث بودميع نقضَ أطروحة المسيري التي تقول بانعدام الأساس الديني في الانحياز الغربي لــ (إسرائيل)، معتمداً على خطط غربية لإنشاء دور محوري لليهود في فلسطين في ما يعتبرونه "الخطة الإلهية للخلاص المسيحي"، وعلى تصريحات كُتّاب وقادة أميركيين مثل تصريح رونالد ريغان في غشت سنة 1984: "يلعب الدين دوراً حاسماً في أمّتِنا" وقول الكاتب الأميركي (جيمس فان James Van) "لا أحد يستطيع أن يفهم أميركا.. إلا إذا وعى وتفهَّم التأثير الذي باشره وما زال يباشره الدِّين في صنع هذا البلد"، وقول بيل كلينتون: "إن ما يجري في البوسنة مؤلم، ولكننا نريد بناء أوروبا مسيحية".

وقد يستدل الباحث بعدد من الكتاب الذين بحثوا في الجذور الدينية للانحياز الغربي منهم يوسف الحسن الذي رصد "نشاط الحركة المسيحية الأصولية الأميركية و حركتها ومؤتمراتها، ونشاط إعلامها" والباحث إسماعيل الكيلاني الذي يقول في كتابه (الخلفية التوراتية للموقف الأميركي): "إن الخلفية التوراتية التي يؤمن بها النصارى على اختلاف مذاهبهم، هي التي تجعلهم يتعاطفون مع اليهودية العالمية في غزوها لبلادنا".

وفي الختام يرى الباحث أن "الأساس الديني الذي يرجع إليه التبني الغربي للمشروع الصهيوني يعود إلى أمرين:

1- الاعتقاد بحق اليهود تاريخياً ودينياً في أرض فلسطين، استناداً إلى وعود توراتية لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وذرياتهم بتملك تلك الأرض، والإيمان بحتمية بناء (إسرائيل)، اعتماداً على نبوءات توراتية بشأن عودة بني إسرائيل إلى فلسطين بعد الشتات."

2- هناك جملة من التصورات الدينية المستمدة من النبوءات التوراتية التي تعتبر التجمع اليهودي في فلسطين شرطاً ضرورياً لعودة المسيح، وقول إنجيل يوحنا: "لأن الخلاص هو من اليهود" 4/22 وهذه الدراسة – في رأي الباحث – من شأنها أن تثمر لدى الدارسين قناعة ثابتة بأن وراء التبني الغربي للمشروع الصهيوني قناعات دينية راسخة بوجوب إنشاء (إسرائيل) ودعمها وحماية أمنها، وضمان بقائها واستمرارها، وأن هذه القناعات الدينية هي العامل الحاسم الكامن وراء الانحياز الغربي لــ (إسرائيل).