العمل المضني والفقر في أغنى بلاد العالم

تتحدث سارة سمارش في مذكراتها المعنونة "هارت لاند" عن فقر الطبقة العاملة في أميركا بطريقة تعمّق فهمنا لطرائق تشكيل الطبقية فيها في العصر الحالي.

"هارت لاند": مذكرات العمل المضني والافتقار في أغنى بلاد العالم
"هارت لاند": مذكرات العمل المضني والافتقار في أغنى بلاد العالم

كتبت فرانسيسكا ماري مراجعة في صحيفة "نيويورك تايمز" لكتاب"هارتلاند" للكاتبة سارة سمارش الذي ضمنته مذكراتها حيث افتتحت سارة الكتاب بقصيدة محيّرة مهداة إلى طفلة متخيلة. "كم أنا سعيدة لأنك لم تتحولي إلى حقيقة واقعية في حياتي. ولكننا تحدثنا على مدار سنوات طوال لدرجة أخالني لن أتوقف قط عن الحديث معك."

يظهر عبر صفحات الكتاب طيف طفلة المؤلفة التي لم ترَ النور قط وتندمج في السرد الأنيق مثل طفل آلي، محفزة سمارش على الكتابة بصفة الراوي البالغة الروعة.

تشكّل حكايا مغامرات قومها المعسرين في كانساس وعثراتهم جل كتابها الأول الذي يتمحور حول حياة الطبقة العاملة الفقيرة في الغرب الأوسط. وتقول سمارش" يتحدثون نوعاً أريباً من الشعر المكوّن من الأشياء والأفعال."

وتتماهى في ذلك عندما تمزج بين الحياة التي عاشتها والمنظور المكتسب بالتعلم.

تعتقد سمارش أنها نجت من الفقر لأنها لم تصبح أماً مراهقة على عكس والدتها وجدتها وجدة والدتها. وتعزو ذلك لكونها الأولى من جيلها في العائلة التي ظفرت بمنزل وحيد مستقر يعود تاريخه إلى وقت زواج جدتها بيتي من زوجها السابع آرني.

وعلى سبيل المقارنة تنقلت جيني والدة سارة 48 مرة قبل أن تباشر المدرسة الثانوية.

وتلك هي حقيقة الفقر. تلقي الرواية الضوء على الحياة في ذلك المنزل الريفي المتواضع الواقع بين جنبات 160 فداناً من حقول القمح خارج مدينة ويشيتا في ولاية كانساس.

وبالرغم من رحابة الأرض وشح النقد، اخترع آرني بكل بهجة طرقاً جديدة للترفيه. ففي عطل نهاية الأسبوع كان يحمل أفراد عائلته وكؤوسهم المترعة ويعبر بهم جدولاً ضحلاً في قارب مجرور بشاحنته ويخترق حقولاً مغمورة بالثلوج. وعبر حكايا والدة سمارش الظريفة ووالدها الرقيق المعدوم الحظ وزوج والدتها السخي وجدتها المفعمة بالحيوية، تظهر سمارش عجز الفقراء عن تحديد القوى المنظّمة التي تقمعهم وربما يساعدونها عن جهل.

يتمحور الكتاب من المزرعة حول قضايا عديدة: الجسد والأرض والعار. تصف سمارش عبء العمل على من لا يملك خياراً سوى القيام به- قوة عمل محرومة من الضمان الصحي بسبب الخصخصة. تهرس الحصادات أطراف الجيران ويتعرض والد الكاتبة لحادث خطير كاد أن يفضي إلى هلاكه بسبب التسمم الكيمائي أثناء فاتحة عمله في نقل مذيبات التنظيف. تستوعب النساء غضب أزواجهن صفعة صفعة. بينما تقوم الشركات الزراعية العملاقة بخنق المزراع العائلية في المنطقة، مخلفة ورائها بقايا عار مخضل- عار الإفتقار والإنتماء إلى العرق الأبيض في آن معاً.

وتضيف سمارش  "الفقر الأبيض هو تهمة مبهمة لأن المجتمع يصوّر الإبيضاض مرتبطاً بالقوة – ليس من خلال جعله العرق الإعتيادي الذي يصنف ما عداه "بالآخرين" فحسب ولكن من خلال إستخدامه كإختصار للإستقرار الإقتصادي."

نشأت سمارت بين ظهراني من صوّت ضد مصالحه "أفراد يقتاتون على المعونات الإعاشية يُفترض أنهم "كسالى" وبالنسبة لنا لم تكن أية كلمة أكثر إيلاماً من تلك".

وتضيف: "وفي ضمن ذلك الإطار يخلد الليبراليون المرتاحون مادياً إلى أن ثرواتهم نتجت من مزاياهم الفردية ويصرون على أنهم يضطرون لدفع الضرائب لمساعدة "المعوزين". وبالتالي يضطر الفقراء لفعل خيار من إثنين: الإعتراف بالفشل الشخصي والتصويت للحزب الأكثر ميلاً لمساعدتهم أو التصويت للحزب الآخر والذي تردد أدبياته الأمل بأن مجهود حياتهم هو من يعوضهم."

تعتبر "هارت لاند" مذكرات إنسانية رقيقة ذات تبصر ألمعي حاد وتنتمي إلى عدد متنامٍ من الأعمال المهمة، بما في ذلك كتاب ماثيو ديزموند "المطرود" وكتاب ايمي غولدستاين "جينسفيل" والتي تستحق مكانها الخاص على أرفف الكتب الواقعية عبر البلاد: في ما يسمى التقهقر الأميركي ما بعد العصر الصناعي. وربما ببساطة: الطبقة.

وهو تعبير تقول سمارش إنه لم يُذكر خلال طفولتها في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين. "لقد أفضى عدم الإعتراف بذلك إلى الإنتقاص من معاناتنا وإلحاق العار بنا إذا حاولنا التعبير عنه."

تظهر سمارش عبر الأزمة الزراعية في الثمانينات والقوانين الإقتصادية المجحفة في عصر رونالد ريغان أن الحلم الأميركي الموعود قد أُستخدم لقهر الفقراء. لقد كانت تعويذة قوية. وكذلك كانت "ماذا سأخبر طفلتي؟".

تستحضر سمارش طفلتها التي لم تلدها قط في هذه المذكرات لأن طرح مثل ذلك السؤال وفق رأيها هو الذي وضع حياتها على الطريق السوي ومكّنها من متابعة تحصيلها العلمي والإستفادة من نزعة المقدرة على الفعل القابعة في موروثاتها. وترى أن تلك الجملة قرصنة فعالة للحياة تستجمع أنقى نوايا المرء وتطلعاته. وعلى عكس الحلم الأميركي لا تبنى على الأمل المجرد بل على النصح الفعال.

وفيما يلي جزء من ترجمة الفصل الأول من الكتاب:

" وزن النيكل".. الحب والعمل والعيش بدونهما

تبعد المزرعة 30 ميلاً غرب مدينة ويشيتا على الأراضي الرملية الطينية الخصبة في جنوب كانساس التي لم تطلب قط أكثر من عشب البراري. حملت المنطقة ثلاثة ألقاب: "سلة خبز العالم" لإنتاجها المدعوم حكومياً من الحبوب و"عاصمة الطيران العالمية" بسبب مصانع الطائرات المتواجدة فيها و"ممر الأعاصير" لعطاياها الطبيعية. يصطدم الهواء الساخن الرطب القادم من الخليج الجنوبي مع الهواء البارد الجاف القادم من جبال الروكي إلى الغرب.

تصبح العواصف الرعدية في الربيع هائلة الحجم بحيث تستنتشق عبيرها قبل أن تراها أو تسمعها.

اشترى آرني، الذي سأدعوه لاحقاً جدي، منزل المزرعة خلال الخمسينات لتنشئة عائلة فتية. قضى أياماً عديدة يبذر ويرقب ويحصد القمح. تمكن لاحقاً من امتلاك 160 فداناً والتي تعادل ربع ميل مربع وزرع ربع ميل آخر لم يملكه. تبدو تلك مساحات كبيرة في أماكن تباع محاصيلها مثل العنب بباقات صغيرة. ولكن بالنسبة لمزارع قمح في القرن العشرين وعندما كان سعر بوشل القمح ينخفض في الأسواق برغم ارتفاع مردود الغلال بفعل التكنولوجيا كانت بالكاد تكفي للعيش البسيط.

عندما يفقد محصول قمح بسبب الإعصار أو غزو الشوفان يحل الدخن محله. زرع آرني الفصة ليكدس تبنها لإطعام أبقاره الخمسين. وربّى بعض الدجاج والخنازير وماعزاً أو حصاناً. استعان بعامل إضافة إلى أبنائه وبناته الذين ساهموا في الحصاد.

ولكي يكسب بعض المال الإضافي في الشتاء عندما تكون الحقول متجمدة عمل جزاراً في مسلخ قريب من الطريق السريع وباع علب الألمنيوم الفارغة التي جمعها في براميل قرب كومة للقمامة غرب عمود الكهرباء.

عندما هدأ المنزل بعد طلاقه شرب آرني الكثير من الويسكي. وفي عطل نهايات الأسبوع كان يحب ارتداء أحذية الكاوبوي ويذهب إلى الرقص في نوادي ويشيتا مثل كوتيليون وهي قاعة رقص صغيرة ذات لوحة منتصف القرن على الطريق السريع رقم 54.

وهناك وفي إحدى أماسي عام 1976 صدحت الموسيقى الريفية ورقص الأرامل والمطلقون وهم يرتدون بناطيل الجينز وياقاتهم الطويلة تحت كرة من المرايا.

جلس آرني حول طاولة مع أصدقائه أحدهم جزار يدعى تشارلي ومزارع لقبوه أربع عيون. لاحظ آرني إمراة نحيلة ذات شعر أشقر قصير قرب طاولة أخرى. وضعت مع صديقتها باقات زهر ورقية صغيرة أهديت لكل النسوة الداخلات إلى القاعة.

أخبر "أربع عيون" آرني "لن تقبل بالرقص معك. أنت بدين وقبيح."

قام "أربع عيون" وطلب من المرأة الشقراء الرقص معه. ولكنها رفضت.

عندها تقدم آرني . كان شعره بنياً ممشطاً إلى الخلف وعلى فكه المربع شاربان منمقان بعناية. تدلى كرشه المستدير فوق حزام بنطاله. سمعت المرأة، بيتي، صديقه وهو يستهزأ به وعندما طلبها للرقص وافقت على الفور.

رقصت بيتي مع آرني على انغام أغنيتين أو ثلاثة. بدت رائحته أشبه بعبق "أولد سبايس" وأحبت ضحكته السعيدة. واتفقا على أن كل أغنية من أغاني جوني كاش حملت نفس اللحن ولكن بكلمات مختلفة. ظن آرني أنها كانت تبحث عن زوج ويا للغرابة طلب منها رقم هاتفها. عندما لملمت الفرقة الموسيقية أدواتها وخلت قاعة الرقص لم تسمح له بإصطحابها لتناول طعام الإفطار في مطعم سامبو على الطريق القريب وبقيت مع صديقتها واشترت شطائرها بنفسها.

اتصل آرني في الأسابيع التالية بمقطورتها ولكنها لم تُجب. ثم أجابت عاملة الهاتف بأن الرقم لم يعد موجوداً في الخدمة. وعاد آرني لزراعة أرضه.

لم تكن بيتي من طبقة المزارعين. قضت معظم حياتها الواعية تتنقل بين المناطق الحضرية في وسط البلاد-ويشيتا وشيكاغو ودنفر ودالاس-والبلدات المجاورة. بدأت بالتنقل عندما كانت لا تزال مراهقة مع ابنتها جيني التي ستصبح لاحقاً والدتي.

كانت عائلتها كلها والتي تكونت غالباً من أمهات مطلقات مع بناتهن عصية على الإستقرار. وبحلول الوقت الذي بدأت فيه جيني بالدراسة الثانوية كانت قد غيرت مكان سكناها 48 مرة وفق ما حسبت. ولكنهن لم يحسبن واكتفين بالإرتحال.

بعد عام من لقاء بيتي وآرني التقيا مصادفة عندما أوقف شاحنته وركنت سيارتها الكورفيت على ذات التقاطع غرب ويشيتا. لوح أحدهما للآخر وذهبا إلى موقف شاحنات قريب لتناول شراب ساخن. لم تتغير حياة آرني ولكن بيتي تزوجت وتطلقت خلال الأشهر التي تلت لقاءهما الآخير.

كانت ذات ضراوة-ليس بالضرورة مشعة ولكن جوهرية- ربما يعتبرها بعض المزارعين منتصفي العمر مزعجة وربما مخزية. ولكنه وقع في حبها وعاملها أفضل من أية معاملة نالتها من قبل. والأهم من ذلك كله أنه لم يضربها قط. ولم يشتكِ من طبخها ولم يتدخل بشؤونها الخاصة.

وأخبرها "إبقي إلى جانبي"، ولذلك بقيت هناك.

خلال موسم حصاد القمح في عام 1977 عندما كانت بيتي في الثانية والثلاثين من العمر وآرني في الخامسة والأربعين كانت تقود سيارتها كل مساء من عملها كموظفة إحضار إلى المحكمة في قصر العدل في مقاطعة سيدجويك في وسط ويشيتا إلى مزرعة آرني. تقوم بتنظيف المنزل وطبخ الطعام له ولمساعديه في الحقل وتحمل علب الدجاج المقلي والصحون الورقية والشاي المثلج إلى الحقول حيث يتبع الغبار الأصفر الحصادات الحمراء. خبرت الغبار العاصف في أصياف الريف حيث تصبح الأسنان متربة وتتحول مياه الإستحمام إلى اللون البني بين الكتفين وأصابع القدمين. ركبت الحصادة مع أرني وهو حق المرور لأي زوجة مزارع محتمل واستيقظت في الصباح التالي مع جيوب أنفية محتقنة. عانت من العرق طوال ليالي الحصاد في وسط الصيف وعندما كانت المراوح تلفظ الهواء الساخن في غرف النوم الحارة وحيث يكون النوم مستحيلاً إلا لمن هدّه التعب وأنهكه الجهد.

كانت جيني في الخامسة عشرة من العمر تداوم في المدرسة الثانوية في ويشيتا وكبيرة بما يكفي وفق معايير أسرتنا لتعتني بنفسها أثناء وجود بيتي في العمل أو في مزرعة آرني. انتهى بها المطاف وسط ثغرة اجتماعية بعد تغيير المدرسة مرتين في العام طوال حياتها. ولكنها لم ترغب بالرحيل في هذه المرة وخاصة إلى مزرعة في وسط المجهول. الآن وبعد أن استقرت في مكان واحد لوقت كافٍ سمح لها بالالتفات إلى فروضها المدرسية والحصول على علامات جيدة والاستمتاع بالدراسة. فضلت التنزه في مركز التسوق في ويشيتا على صيد السمك في بحيرات المراعي.

تمثلت هواياتها في المطالعة والأزياء التي درستها في المجلات قبل أن تخيط ملابسها بنفسها. كانت متاجر القماش والمكتبات العامة قليلة الإنتشار في براري كانساس. تأوهت جيني ولكن والدتها قررت الرحيل ولذلك جمعا حوائجهما وانتقلا غرباً إلى مزرعة آرني.

بعد أشهر قليلة طلب آرني من بيتي أن تتزوجه وظنت بيتي أنها جرّبت حظها من قبل. كان آرني كاثوليكياً وسمعت أن الكنيسة لن تقبل المطلقات فما بالك بمن تطلقت ست مرات.

أكد لها الأب جون، وهو قسيس أبرشية قريبة، أن تلك الزيجات لا تحتسب لأنها لم تحدث في الكنيسة. ولكنها أصرت على احتساب أول زوجين لأنها أنجبت منهما أطفالها ولم تمانع في تناسي بقية الأوغاد. انتهى بها المطاف مع آرني بالزواج خارج الكنيسة في معبد صغير قرب موقف للشاحنات على الطريق السريع في أيلول - سبتمبر من عام 1977.

توافد الزوار على العروسين في المزرعة. كانت أصوات محركات شاحناتهم تُسمع من مسافة على الطريق متبوعة بصوت الإطارات الملامسة للمدخل المرصوف بالحصى وغالباً قرب موعد العشاء. قشرت بيتي أكواماً من البطاطا وخبزت الحلويات وقمرت اللحوم وطبخت الخضار التي زرعتها بالقرب من الباب الأمامي. تعلمت عزلة الحياة الريفية عبر سلسلة من الحلوى وكان لديها كل المواد باستثناء السكر البني. وما عساها أن تفعل سوى القيادة عشرة أميال غرباً إلى كينغمان للحصول على إحدى مكوّنات الوصفة؟

وأخبرتني لاحقاً "كان الأمر مختلفاً عن العيش في المدينة. تفتحين الباب وتذهبين إلى أقرب متجر إليك".

حافظت على إبقاء القبو مليئاً بمعلبات الطعام الرخيصة والمجمدة بكل أنواع اللحوم والخزائن بالعروض المخفضة. كانت وآرني من النوع الفقير سواء بالفطرة أو الظروف الذي يجد طريقة لإطعام أنفسهم وكل من يحتاج إلى وجبة طعام.

حضر أصدقاء بيتي من المدينة إلى الغرب للإطلاع على حياتها الريفية بينما حضر أصدقاء آرني لرؤية زوجته المدنية الفاتنة. احتفلوا عند بحيرة تشيني على بعد أميال قليلة على امتداد طرق ترابية مستقيمة ومرتفعين منحنين. صادوا السمك وسبحوا في بركة آرني المليئة بأفاعي الماء والعلق وقرب السدة الترابية المدملة بحوافر الأبقار بعد هطول المطر. خيموا قرب نيران أوقدوها في المراعي وتناولوا الهوت دوغ والجعة. قادوا الدراجات البخارية ذات العجلات الثلاث وصدموا الأشجار. وقاموا بحفلات ذبح للمواشي في المرآب المنفصل الذي حوى آلة لفرم اللحوم ومغسلة وكلاليب مدلاة من السقف وأرضية اسمنتية ملطخة بالدم.  ثمل الجميع لدرجة تناول محار الجبل وغادر كل من ساعد مع حافظة مبردة من اللحم الملفوف بالورق الأبيض. ضحكوا كثيراً عندما جلبت كومة من علب الألمنيوم خمسة أضعاف ثمنها في محل بيع الخردة بعد أن وضعها أرني في شبكة وجرّها خلف جراره وبالتالي امتلأت العلب بالرمل ورجحت كفة الميزان.

وفي إحدى المرات وأثناء رحلة إلى متجر الكحول في كينغمان وبعد الإنزلاق على جسر ريفي متجمد والتهاوي على حاجز في سيارة تويوتا صغيرة أغضبت بيتي أختها الصغرى "بود" لإشعالها سيجارة في السيارة المقلوبة رأساً على عقب بينما كانت تفكر بطريقة للخروج. أطلقت "بود" على المكان مزرعة مخيم اللهو.

ولم يطل الأمر قبل أن تنتقل إبنة بود الكبرى كاندي إلى منزل المزرعة للهروب من حالة مزرية متبوعة بــ"بود" نفسها وابنتها الصغرى شيلي بعد الطلاق المحتوم. وبالتالي بدأت سلسلة امتدت لثلاثين عاماً من ارتحال أفراد عائلة بيتي المحتاجين للمال والذين لجأوا إلى المزرعة بدافع الحاجة.

تراوح عمل بيتي بين طهو الطعام لأفراد المزرعة والعمل في دار القضاء في ويشيتا. وربما تقوم بنزع الأعشاب الضارة من حاكورة الخضار غرب المنزل وتنظيف وقطف الزهور من الحديقة أو البحث عن الأدوات في الشرفة الخلفية التي حوت غسالة الملابس والآلة المجففة وبنادق الصيد.

كانت بيتي أكبر بعشر سنوات من ولد آرني البكر وهو شاب في العشرينات من العمر طويل الشعر عالي الهمة.

لعب خلال الصيف في فريق السوفت بول المكوّن من فتيان المزارع في المنطقة والذين تجمعوا في مزرعة آرني بعد المباريات لاحتساء الجعة. وكان من بينهم نك سمارش.

وهكذا التقت المراهقة جيني بالشاب نك المزارع النجار الذي أصبح فيما بعد والدي. نشأ نك في المزرعة يعمل في الحقول ويصلح الأسطحة تحت أشعة الشمس الحارقة والرياح الباردة. وفي الصيف تحول ساعداه المكتنزان إلى لون بني محمر وأدكن من اللون البني في قميصه المقصوص الأكمام. قاد شاحنة شيفروليه كابريس موديل عام 1966. حافظ على إبقائها نظيفة من الداخل والخارج ولطالما ارتطم بإشارات الطريق عبر نوافذ الشاحنة.

كان دائم الإبتسام ولم يكن عنيفاً أو منتقداً بعكس معظم الرجال التي عرفتهم. وكان نك الشيء الوحيد الذي لم تكرهه في حياة الريف.

 

ترجمة: إبراهيم عبد الله العلو