"استعادة الخلافة": تفكيك الاستعمار والنظام العالمي

إن تفوّق البيض في صورته الحالية يتم التعبير عنه من خلال تنشئة الإسلاموفوبيا وترسيخها بشكل مؤسّسي على المستويين المحلّي الأميركي والدولي. مراجعة: حسن صعب

"استعادة الخلافة": تفكيك الاستعمار والنظام العالمي
"استعادة الخلافة": تفكيك الاستعمار والنظام العالمي

كتاب (استعادة الخلافة) ليس بتاريخ، ولا هو بتقرير مركز أبحاث، ولا هو ببيان رسمي؛ بل هو تحقيق مفكِّك للاستعمارية في الطريقة التي يقوم بها ظهور هوية سياسية مسلمة بالتأثير في النظام العالمي الموجود. لذا، لم يُكتب (استعادة الخلافة) لتأييد خطة سياسية محدّدة أو لتفصيل ما ينبغي أن تكونه ماهيّة مضمون أو ماهيّة سياسة أي برنامج أو أية منظمة.

هكذا يقدّم المؤلّف كتابه، الذي يتلاءم بشكل أكبر مع الأسلوب الأدبي المعنيّ بالنظرية السياسية (Political Theory) من ملاءمته مع ذلك المعنيّ بصنع السياسة Policy -

Making .

في رأيه، فإن ظهور كينونة مسلمة  (Muslimness)عالمية هو مخِلٌ بالنظام العالمي الموجود، ليس من حيث الأمن أو الثقافة فقط، بل كذلك من حيث الفلسفة. وإن ظهور كثير من الأفعال السياسية باسم الإسلام يمكن وصفها بطريقة مفيدة باعتبارها الإسلاموية (Islamism) . وقد تمّ وسم ظهور الإسلاموية بتطوّرين: إزاحة الغرب عن المركز، والمحاولة المتصاعدة في شدّتها لإيقاف تلك الإزاحة عن المركز من خلال إعادة تقرير تفوّق البيض.

ويضيف المؤلّف: لقد جلبت رئاسة دونالد ترامب الإسلاموفوبيين المتعنّتين إلى مركز صنع السياسة في الولايات المتحدة؛ وينبغي أن يساعد ذلك على الإثبات بأن مراقبة الكينونة المسلمة من قِبل الكينونة البيضاء ليست مسألة هامشية تؤثّر فقط في الأقليات المسلمة؛ بل هي بالأحرى ظاهرة عالمية.

إن تفوّق البيض في صورته الحالية يتم التعبير عنه من خلال تنشئة الإسلاموفوبيا وترسيخها بشكل مؤسّسي على المستويين المحلّي (الأميركي) والدولي.

في المقابل، فإن وجود مسلمين متواطئين مع تفوّق البيض لا يدحض الحجّة بأن التعبير عن الإسلام باعتباره مشروع تحرير - في صورته الأكثر ملاءمة وبعثاً على الأمل - يتضمّن تفكيك استعمار تفوّق البيض. وهو ليس تفكيكاً اقتصادياً، أو عسكرياً، أو ثقافياً فحسب؛ بل له أيضاً بعد إبستيمولوجي (معرفي).

وعليه، فإن الباعث المفكّك للاستعمارية لكتاب (استعادة الخلافة) موجّهٌ بشكل واضح تجاه تحدّي تفوّق البيض؛ حيث يتم التعبير عن التحدّي للمركزية الأوروبية بشكل متصاعد من خلال وعي بتكشّف هوية مسلمة جماعية عابرة للأوطان.

ويستنتج المؤلّف بأن فكرة الخلافة هي ملحقة من نواحٍ كثيرة بالأمل بتحوّل سياسي وثقافي قادر على مساعدة المسلمين في التحرّر من المأزق العالمي الحالي. فالخلافة إذاً ليست مجرّد كيان جيوسياسي، بل تتسامى أهميتها الدلالية فوق السياسة المعتمة من الخيانات وخيبات الأمل: ذلك أنها تشير إلى احتمالية وجود أفق مفكّك للاستعمارية.

وفي نهاية المطاف، فإن (استعادة الخلافة) هو – في رأي مؤلّفه - مجرّد كتاب من كتب الدراسات النقدية المسلمة.

في القسم الأول من الكتاب يقدّم المؤلّف التزاماً نقدياً بالطرق التي يتم بها تغيير درجات التعبئة المسلمة بموضوعات عديدة، من مثل: الديمقراطية، والنسبية، والعلمانية. ويقوم بإثبات الصلة بين التدخلات الثقافية والفلسفية والحكومية، التي تشكّل التفاعلات المتبادلة بين المطالبات بالاستقلالية المسلمة، وبين بُنى النظام العالمي المحلية والعالمية. ويتم توفير الخلفيّة لهذه الالتزامات من خلال الحرب على الإرهاب التي ما زالت في طور الغليان، والتي هي «حرب قذرة» يتم شنّها على مستوى عالمي. وهذه الحرب ليست مجرّد مبادرة عسكرية بل هي مشروع ثقافي.

القسم الثاني من هذا الكتاب هو عبارة عن سلسلة من التأملات في الصورة التي سيبدو عليها الأسلوب البديل عن الأسلوب الحالي للتعامل مع المسلمين والإسلام.

في هذا القسم يجذب المؤلّف الانتباه إلى تشكيلات المحاولات العديدة لتفكيك الاستعمار عن الأمّة . وهو يقوم برسم نتائج ومعايير ترسيخ ممؤسّسي عالمي للاستقلالية المسلمة.

وفي رأي المؤلّف، تبدو فكرة الخلافة نفسها في المحصّلة خطيرة ومستحيلة ولا يمكن تحقيقها، لأنها تهدّد بقلب الترتيب الحالي للعالم رأساً على عقب؛ فهي عبارة عن مجاز للصراعات بين الطموحات المسلمة لإعادة ترتبب العالم ما بعد الاستعماري والاستثمارات في استمرار الهرميّات الاستعمارية العنيفة.

ويظهر في قلب هذا القسم التوتر بين الإسلام والإسلامي الثقافي؛ أي ما هو الإسلام وما هو مستوحى من مغامرة الإسلام.

في الأجزاء العديدة ضمن القسمين اللذين اعتمدهما المؤلّف في الكتاب، مناقشات مسهبة ومعمّقة كان قد نشر بعضها في دوريات مختلفة، وهي طالت مفاهيم وأفكاراً تعالج جذور وتعقيدات العلاقة بين الغرب «المستعمر» والشرق «الإسلامي» الساعي للانفكاك عنه، سواء بالقوّة أم بالحوار أم بالممانعة والصدّ قدر الإمكان.

تحت عنوان (الليبرالية)، يتحدث المؤلّف عن المحاولة «الفاشلة» للرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، لعبور الجبهة الفاصلة بين الإسلام والغرب، من خلال دعوته لحوار بين الحضارات والثقافات والتي تمّ تبنّيها من قِبل الأمم المتحدة.

وفي رأي المؤلّف، فإن خاتمي كان يأمل بأن الاستقطاب المبني على الاختلافات الجيوسياسية، والممثّل من خلال صراع الحضارات، قد يتم التغلب عليه بواسطة تحسين التواصل بين الأطراف؛ وبعبارة أخرى، سيتغلب الحوار على الاختلاف. لكن الردود الفكرية والسياسية في الغرب، والتي أورد المؤلّف نماذج مختارة منها، كانت سلبية بالمطلق تجاه دعوة خاتمي، باعتباره خارجاً على النظام أو المجتمع الدولي؛ وبالتالي لا يمكن إجراء حوار معه لأنه ليس جزءاً من هذا المجتمع الدولي؛ وهذا يعني إصراراً غربياً على خارجية الإسلام نفسه عن النظام العالمي.

تحت عنوان (العلمانية)، يذكر المؤلّف أن العلمانيين يفضّلون ألاّ يكون هناك أي حديث عن الشياطين أو الملائكة أو الله في المجال العام، حيث إنهم كثيراً ما يؤمنون بأن الفشل في الالتزام بالتفريق السليم بين المجالين العلمي والديني هو سبب العنف الشديد القائم اليوم.

وتقدّم العلمانية باعتبارها أحد المنجزات الأساسية للتشكيلات الثقافية الغربية. ومن ثمّ فإن مصالح العلمانية تساعد على تعريف الحداثة ذاتها، التي تبقى، بالطبع، سردية عن الاستثنائية الغربية. ومن هذا المنظور تصبح العلمانية صفة مميّزة للهوية الغربية؛ وتتم صياغة الحجج الإبستيمولوجية (المعرفية) والمدنية والديمقراطية المؤيّدة للعلمانية كجزء من سردية الاستثنائية الغربية.

وعلى ذلك، فإن التعبير عن موضع ذات مسلم ضمن سياق المساحات الإثنية للبلدان الغربية يقدّم تحدياً غريباً للهوية الغربية. ويصبح المسلمون معادين للعلمانية بمجرّد حقيقة أن تسمية «مسلم» يتم تفسيرها بمعنى التديّن.

ويضيف المؤلّف: من خلال مراقبة الحدّ الفاصل بين الديني والسياسي، تصبح العلمانية أيضاً وسيلة لمراقبة الحدّ الفاصل بين ما قبل الحديث والحديث، وبين الغربي واللاغربي.

وفي هذا السياق، تصبح العلمانية وسيلة للتعامل (الغربي) مع الإعراب عن هوية مسلمة. وإقرار العلمانية يصبح إثباتاً للغربانية (Westernese)، والتي تقدّم نفسها باعتبار أنها عالمية، وعلمانية، وفردانية. وهي كانت ناجحة في صنع موضع ذات  (Subject position)يمكن إيجاده في أغلب أجزاء العالم. وقد تمّ تسخير العلمانية من قِبل الولايات المتحدة، وأيضاً من قِبل بلوتوقراطيات غربية أخرى.

تحت عنوان (النسبية)، يعرض المؤلّف لوجهتي نظر مختلفتين حول ما بعد الحداثة، التي تُعدّ استمراراً للإمبريالية الثقافية الغربية من خلال وسائل أخرى، بنظر البعض؛ فيما هي طريقة أخرى تُعرّف ما بعد الحداثة باعتباره «إزاحة الغرب عن المركز».

ويتساءل المؤلّف هنا: كيف يمكن لأحد أن يكون مرتاباً تجاه السرديات الكبرى من دون إزاحة الغرب عن المركز، حيث إن السردية الأقوى خلال الـ200 سنة الماضية كانت تلك التي حكت قصّة مصير الغرب. والازدياد الأخير في الوعي المسلم شاهد على كيفية أن عرقلة الإسلام لم تعد ممكنة من خلال الاعتقاد بالتفوّق المتأصل للغرب.

لكن الإسلاموية (أو المشروع الإسلامي) والمشروع الغربي لا يختلفان كثيراً. قد تكون لأحدٍ تحيّزاته الخاصة لتفضيل أحدهما على الآخر، إلاّ أن كلاهما يمثّل محاولة لإعادة صناعة العالم؛ وليس أحدهما مقرّراً من قِبل أيّ منطق غريزي، بل هما بحدّ ذاتهما مشروعان سياسيان شاملان: مشروعان يهدفان إلى تغيير ثقافاتنا، وتواريخنا، ومجتمعاتنا. ومثل هذه المشاريع هي محاولات لرسم حدود. إنها تقوم بسرد نفسها من حيث مصيرها؛ فتقوم ببث نفسها ضمن المستقبل، ولكن تقوم أيضاً بإدراج نفسها ضمن الماضي الذي تقوم بتدوينه؛ هكذا يعبّر المؤلّف عن تشابه كبير (ولو نسبي) بين المشروع الإسلامي والمشروع الغربي للهيمنة.

تحت عنوان (الديمقراطية)، يحلّل المؤلّف مسألة الخلط بين الديمقراطية والغرب بما لها من تداعيات مهمة على الطريقة التي يتم بها تصوّر الشعب (The Demos) وبنائه. إن الديمقراطية، باعتبارها نظاماً سياسياً، كثيراً ما يتم تبريرها بأنها التعبير عن إرادة الشعب؛ وتتم ترجمة هذا، ضمن اللغة المفاهيمية لليبرالية، إلى إرادة الأفراد. وبعبارة أخرى، فإن حكم الشعب يصبح الوسيلة التي يقوم الأفراد من خلالها بالتعبير عن ميولهم السياسية.

وعليه، فإن التجربة الأصيلة للكينونة الإنسانية يمكن اكتشافها فقط ضمن سياق نظام ديمقراطي. وتكمن الأهمية الدلالية لهذا في أن فكرة الإنسان الجوهري تفترض مسبقاً أن هناك أناساً غير جوهريين. ويتم تعريف جوهر الكينونة الإنسانية بوضوح ضمن خطاب التفوّق الغربي من خلال ممارسات الرجل الغربي  (Homo Occidentalis). ومضمون الفكرة هو أن البشر هم بشر بحق فقط في الغرب، وكلّ ما سوى ذلك هو إما تراكم ثقافي أو انحراف عن ذلك النموذج الطبيعي. وقد جعلت الأيديولوجيات العنصرية هذه العلاقة صريحة؛ وتستمر خطابات عنصرية في التأثير في الطريقة التي تتم بها صياغة البشر مفاهيمياً.

من هنا فإن الالتقاء بين الديمقراطية والهوية الغربية هو ما يجعل من الصعب للغاية تصوّر نظام ديمقراطي ورافض للغرب في آنٍ واحد.

وفي السياق يتحدث المؤلّف عن خمسة نماذج للحكم الرشيد في الفكر السياسي الإسلامي الثقافي، والتي يتم فيها تقييد ممارسة الحكم الاستبدادي، وأبرزها النموذج المتمثل في الدولة الإسلامية الأولى التي أُسّست في المدينة تحت قيادة النبي(ص)، وآخرها نموذج تنمية لمفهوم إسلام معتدل ومتوافق مع الديمقراطية، بلوره منظّرون إسلاميون سابقون، مثل راشد الغنوشي، أو حتى عبد الكريم سروش، بالإضافة إلى ليبراليين علمانيين، مثل نوال السعداوي.

وفي الواقع، هناك صعوبات أساسية تواجه أيّ مشروع يحاول تنصيب الديمقراطية في مسلمستان (الدولة التي تضم أغلبيات مسلمة). لكن، في رأي المؤلّف، فإن السعي إلى الديمقراطية يحول دون إمكانية صياغة حكم فاضل ضمن سجلّ إسلامي ثقافي.

تحت عنوان (علم المستقبل)، يحلّل المؤلّف المسلسل القصير (الكثبان)، كمثال شهير للخيال العلمي الذي يدخل ضمن محاولات حكاية تاريخ المستقبل من منظور غربي (متفوّق).

في هذا المسلسل هناك مشهد يجد فيه بول أتريدس (Paul Atreides) نفسه مُشاداً به من قِبل الفريمان (Freemen) - السكان الأصليين للصحراء على كوكب أراكيس (Arrakis)- باعتباره المهدي. يرفع بول يديه لإسكات الحشد ويعلن: «أنتم تقولون إني المهدي، وأنا أقول إنني دوقكم».

ويشرح المؤلّف أسباب رفض بول أتريدس لقب المهدي من أجل لقب الدوق، مع أنه ليست هناك أسباب كثيرة للافتراض بأن مفهوم شخصية المؤلّف المرشد إلهياً هو أكثر إسكالية لجمهور الخيال العلمي من شخصية القائد الوراثي.

وبعدما «يشرح» المؤلّف فكرة المهدي، يستنتج بأن التباين بين المهدي والدوق يكشف تبايناً بين الراسخ والثوري، وبين المرشد إلهياً والدنيوي، وبين الرافض للهرمية والهرمي. إنه كذلك تباين بين الإسلام والغرب، حيث إن تقديم المسياني من خلال شخصية المهدي يترجم المسياني إلى تصنيف إسلامي ثقافي، وإن لهذه الترجمة تبعات عديدة على كيفية تمثيل الإسلام (ومترادفاته) ضمن خطاب الاستشراق. وسبب هذا، حسب المؤلّف، هو أن التباين بين الشرق والغرب ضمن الاستشراق ينبني دائماً على التفوّق النسبي للغرب في مقابل الشرق؛ وتبقى احتمالات التحوّل متأصلة في الغرب، فهو لديه تاريخ، بينما يتم تنظيم الشرق وفقاً لنظام من الاختلافات التي تتغير بصورة دورية فقط.

وعليه، فإن المهدي، باعتباره مجازاً لحدث ثقافي تحويلي سيقوم بقلب النظام الجائر السائد، يصبح مبتذلاً في مسلسل (الكثبان) ضمن فكرة النظام السياسي الدنيوي الذي يقوم بإعادة تشكيل الوضع الراهن.

تحت عنوان (الشتات)، يستكشف المؤلّف تداعيات تباين الوطن/ الأمّة، انطلاقاً من الفكرة التي تفيد بأن إثبات الذاتية المسلمة يقدّم تحدياً جدياً لفكرة الدولة القومية، حيث يُقال إنه «بالنسبة إلى المسلم، ليس الارتباط الأساس هو بالوطن، بالأمّة، أو بمجتمع المؤمنين، الذين جُعِلوا سواسية جميعاً في إسلامهم لله»، حسب كاستلز.

ويورد المؤلّف الإعلان غير القابل للمساومة لسيّد قطب بأنه: «لا جنسية للمسلم إلاّ عقيدته التي تجعله عضواً في الأمّة المسلمة في دار الإسلام».

لكن إعلاناً كهذا يثير سؤالين كبيرين: هل يمكن للعضوية في الأمّة أن تكون متطابقة مع الانتماء إلى دولة قومية؟ ثم ماذا عن المسلمين الذين يعيشون خارج «دار الإسلام»؟

وبعدما يشرح المؤلّف تأثيرات العولمة وتغييرها للبيئة العالمية، اقتصادياً ومدنياً وقومياً (بظهور تشكيلات فوق قومية)، يتوقف عند مفهوم الأمّة لدى الحركات الإسلامية، وعلاقتها بالدولة القومية؛ فالأمّة ليست دولة قومية، ولا سوقاً مشتركة، ولا حضارة - هل هي أيّ شيء على الإطلاق؟

وقد مال المحلّلون إلى معاملة «المسلمين» باعتبارهم ظاهرة عارضة لأسس أخرى أكثر صلابة لتشكّلات الهوية، مثل الطبقة، وعلاقات القرابة، والطائفة، والإثنية. وإذا كانت الهوية المسلمة متجزئة إلى هذا الحدّ، فكيف لنا أن نقوم بصياغتها مفاهيمياً؟ إن إحدى الطرق قد تكون بأن نفكّر بها باعتبارها «شتاتاً مسلماً».

ويستنتج المؤلّف، بعد عقده لنماذج مقارنة بين التزام المسلمين بعبادات وطقوس راسخة واستجابتهم للنمط الاستهلاكي الغربي المتمثل في الوجبات السريعة لمطاعم ماكدونالدز (مثلاً)، بأنه لا توجد دولة قومية مسلمة محدّدة اليوم تقوم، من خلال طاقمها المؤسسي (التعليم، والهيكلة الإدارية المشتركة، والممارسات المعيارية الموحّدة)، بإنتاج ذوات مسلمة على وجه التحديد.

ومن خلال رؤية الهوية المسلمة بوصفها هوية شتاتية، يمكن الإقرار بطبيعتها السياسية، مع القبول بأنها تفتقر إلى دولة. ذلك أنها ليست مجموعة تجريبية معيّنة من الشعوب المسلمة التي تتّسم بالشتات (على سبيل المثال الفلسطينيون)؛ بل إن الكينونة المسلمة بحدّ ذاتها هي في حالة من الشتات.

وبما أن العالم المعاصر يتّسم بنوعين من الانزياح عن المركز: انزياح الغرب عن المركز، والذي يدلّ على نهاية عصر أوروبا؛ وانزياح الدولة القومية في الأطراف عن المركز، والتي ترتبط بالعولمة، فإنه يمكن تحديد موقع الأمّة في هذه الصلة بين هاتين الصورتين من الانزياح عن المركز. هذا الموقع هو ما يمنح الأمّة صورتها الشتاتية.

تحت عنوان (الخلافة)، ينقل المؤلّف عن فيصل دفجي قوله إنه ينبغي فهم المفهوم المعاصر للخلافة باعتباره تصنيفاً ميتافيزيقياً بدلاً من كونه رؤية سياسية، حيث إنه ليست هناك أية استراتيجية قابلة للتطبيق قد تؤدّي إلى استرجاعها.

وربطاً بطرحه السابق حول (شتات الأمّة)، يقول الباحث إن إثبات ذاتية مسلمة في حال عدم وجود بُنية سياسية شاملة قادرة على تمثيل هذه الذاتية على المستوى العالمي، يصنع حالة يتم فيها اغتراب مجموعة كبيرة من الناس من النظام العالمي بشكل متصاعد.

ويمكن رؤية البروز المتنامي لفكرة الخلافة بين المسلمين باعتباره بزوغ فجر الاعتراف بأن مؤسسة الخلافة قد توفّر طريق خلاص للمسلمين من عالم من التهميش والإخضاع الدائمين.

وهذا السياق يساعد على تعليل الطريقة التي بدأت تظهر بها الخلافة في النقاشات العامة حول الأمور الإسلامية الثقافية، والاستعداد على السواء لتمثيل المسلمين عالمياً. وتعتمد مسألة القدرات على صفة الخلافة باعتبارها قوّة عظمى، فيما تعتمد مسألة استعدادها على طابعها الإسلامي الثقافي.

وفي ما يخصّ القدرات، يدعو المؤلّف إلى تصوّر تحويل الأعضاء الحاليين (السبعة والخمسون) في منظمة التعاون الإسلامي تكتّلهم المتقلقل إلى بنية سياسية شاملة؛ فهذه الدولة (المفترضة) ستكون أكبر من روسيا، وأكثر اكتظاظاً بالسكان من الصين، مع اقتصاد أكبر من اقتصاد اليابان. ألن تتأهل دولة كهذه كقوّة عظمى؟

لكن، وبحكم كلّ الصعوبات أمام تحقيق قوّة إسلامية ثقافية عظمى، يبقى السؤال ما إذا كان «استرجاع» الخلافة ممكناً. علاوة على ذلك، فحتى وإن كان بالإمكان تخيّل قوّة إسلامية ثقافية عظمى، ما هي الضمانات بأنها ستكون قادرة على المحافظة على طابعها الإسلامي الثقافي؟ ماذا سيمنع قوّة إسلامية ثقافية عظمى من أن تكون كياناً سلطوياً كارهاً للأجانب؟

تحت عنوان (النظام)، يبحث المؤلّف في طبيعة النظام أو الدولة الإسلامية التي تقارب النظام الفاصل الذي قام النبي (ص) بتأسيسه في المدينة، بحسب تطلّع الكثير من المسلمين حالياً.

إن إحدى أكثر المحاولات استمراراً للتعبير عن هوية إسلامية متميزة فيما يخص أمور التنظيم الاجتماعي - الاقتصادي كانت مشروع الاقتصاد الإسلامي؛ ليس باعتباره مجالاً أكاديمياً مميّزاً فقط، بل باعتباره وسيلة بديلة لتنظيم اقتصاد قومي.

ويُبرز هكذا مشروع أهمية الإسلام وملاءمته للعالم المعاصر، بحكم مكانة الاقتصاد في الطريقة التي يتم بها تخيّل حياة الأفراد العادية. فهو يُثبت أن الدور الوحيد الذي على الإسلام أداؤه هو باعتباره مصدر المبادئ الأخلاقياتية الخاصة؛ وأيضاً أنه أداة لتدبير درجة أكبر من العدالة الاجتماعية والترابط.

وفي الخلاصة، فإن تأسيس الأمّة لدولة ستُعتبر ممثّلة للإسلام لا يستلزم مزيداً من المواعظ المعيارية، بل وسيلة لترجمة المبادئ المرتبطة بأفضل مفهوم يمتلكه المسلمون عن دولة مثالية كهذه لآليات الإدارة والحكم. وبعبارة أخرى، لا بدّ من أن يتم تكريس الإسلام في الطاقم المؤسّسي للمنظمات، والممارسات، والقيم التابعة للدولة.

تحت عنوان (التأويلية)، يبحث المؤلّف في فكرة تأويل القرآن لدى المسلمين، والتي تُعتد قدرته على توليد صور متعددة من القراءات، مع وجود إشكالية حول الاعتقاد بأن جميع تلك القراءات هي صحيحة بالتساوي (النسبية التأويلية).

ولأن القرآن ينبغي أن يكون الأساس لأية بنية سياسية إسلامية ثقافية (دولة إسلامية)، فهذا يعني القدرة على ضمان الطابع الإسلامي للدولة فقط من خلال بنائها حول القرآن. ولكن هكذا ضمان، لو كان ممكناً على الإطلاق، سيعني حلّ مشكلة التعارض بين احتمالية التأويل والجزم بالمعنى.

وهنا يقترح المؤلّف طرقاً لحلّ هذه المشكلة من دون المطالبة بأساس عقدي لنظام إسلامي ثقافي. وهو يقدّر أن إزالة «تعارض القرآن» ستجعله ذا شفافية. وأغلبية المسلمين سيرحّبون بحالة لم يعد فيها معنى القرآن خاضعاً لتأويلات مختلفة. كما أن إزالة تعارض القرآن تقتضي نزع الصفة السياسية عنه، ما يقدّم احتمالية ظهور إسلام منزوع الصفة السياسية؛ وهذه الرؤية تجذب كثيراً من المسلمين، بالإضافة إلى الإسلاموفوبيين (المسلمون منهم وغير المسلمين)، حيث يتم حصر الإسلام في ميادين محدّدة، ولن يتدخل (هذا الإسلام) في سلوك المسلمين تجاه الآخرين.

لذا، فإن ما يوحّد الأمّة ويؤسّس لبناها السياسية ليس تأويلاً متجانساً للقرآن، بل الاعتراف المشترك بقدرة القرآن على توجيه المسلمين.

في العنوان الأخير من الكتاب (الأخلاق)، يناقش المؤلّف موقع الأخلاق في الإسلام، حيث تم تقسيم العلاقة بين الإسلام والسياسة تقليدياً إلى معسكرين: أولئك الذين يدّعون بأن الإسلام باعتباره ديناً لا يفصل نفسه عن السياسة، وأولئك الذين يرون أية محاولة لربط الإسلام بالسياسة تهديداً لسلامته باعتباره ديناً.

إن محاولة استبعاد السياسي من الإسلام تعني أيضاً استبعاد الإسلام من تجلّيه في مجموعة من العلاقات الاجتماعية. إذا لم يتجلّ الإسلام في العلاقات الاجتماعية، فإنه بكلّ بساطة يختفي، إلاّ باعتباره أرشيفاً، حيث إن التصوّر المثالي له وحده هو القادر على ضمان وجوده من دون أي سياق اجتماعي. وإن هكذا صورة من المثالية لن تكون قابلة للثبات؛ ومن ثمّ فالجدال من أجل إسلام خارج عن السياسي هو جدال لإفراغ قدرته الأخلاقية.

لكن اللائحة الأخلاقياتية للإسلام - مع ما تأمر به من تشجيع على السلام والتعايش المتبادل - تُستخدم كحصن ضد النزعة الأخلاقية لتصحيح الظلم وإنهاء القهر. وفقاً لهذا الرأي، لا يمكن لأيّ مسلم أن يعترض مثلاً ضد النظام السعودي، لأنه على الرغم من طبيعته الاستبدادية إلاّ أنه يسمح بالصلاة.

إذاً، لا يجب أن تكون الخلافة أخلاقية، بل أن تكون قادرة على بناء عالم لا يكون فيه وجود المسلمين وجوداً مشيناً. واستعادة الخلافة، في النتيجة، هي إعلان مفكّك للاستعمارية، وهي تذكرة بأن الإسلام هو الإسلام؛ وبالنسبة إلى المسلمين، فإن ذلك هو كلّ ما يلزمه أن يكون، كما يختم المؤلّف.