"مذكرات سجين" للروائي النيجيري وول سوينكا: انتصار الحقيقة على السلطة

كان فوز سوينكا بجائزة نوبل كان لحظة كاشفة في تاريخ القارة السوداء، فلم ينقضي عامان حتى حصل عليها الكاتب الكبير نجيب محفوظ، ثم إكتملت الثلائية بفوز نادين جورديمر كاتبة جنوب أفريقيا بهذه الجائزة عام 1991.

إذا كانت روايتا "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف، و"تلك العتمة" للطاهر بن جلوان هما من أبرز الروايات العربية التي تتحدث عن الظلم الذي يتعرض له السجناء، فإن رواية "مذكرات سجين" للروائي وول سوينكا، الصادرة عن المركز القومي للترجمة في القاهرة، الذي كان أول أفريقي يفوز بجائزة نوبل عام 1986، تعتبر من أهم الروايات التي تحدثت عن أدب السجون، وما تعرض له الأفارقة من أبشع أنواع التعذيب.

يحدثنا سوينكا عن الإعتبارات التي أدت إلى تغيير فورما وعنوان الكتاب هذا ، بل وفكرة الكتاب اثنتي عشرة مرة على الأقل. "اعتبارات سلامتى الشخصية، وعدم الرغبة في فك اَخر القيود، عن نظام يجبره إحساسه بالذنب على البقاء بالقوة في سلطة فاقدة للمصداقية".

يرى مترجم الرواية نسيم مجلي أن فوز سوينكا بجائزة نوبل كان لحظة كاشفة في تاريخ القارة السوداء، وألقت بأضوائها القوية على ثقافة هذه القارة وعلى كثير من أبنائها المبدعين. فلم ينقضِ عامان حتى حصل عليها كاتبنا الكبير نجيب محفوظ، ثم إكتملت الثلائية بفوز نادين جورديمر كاتبة جنوب أفريقيا بهذه الجائزة عام 1991".

شكل سوينكا مع ابن بلده الروائي "تشينوا أتشيبي" وكل أدباء جنوب أفريقيا وغربها من خلال أدبياتهم قوة دفع للتعرف على حضارة أفريقيا وثقافتها.

"تعرف المثقفون في العالم على أعمال متميزة من الشعر والمسرح والرواية المكتوبة بالإنكليزية أو الفرنسية والألمانية أو مترجمة من لغات محلية، كما تعرفوا على أسماء مبدعين بارزين، مثل الشاعر ليوبولد سينغور رئيس السنغال الأسبق، وإيمي سيزار شاعر جزر المارتينيك ممن يكتبون بالفرنسية، وعرف في مجال القصة والرواية أموس تيوتولا، و"تشينوا أتشيبي" من نيجيريا، وجيمس نغوغي من كينيا، وبيتر إبراهام وأتول فيوجارد من جنوب افريقيا".

في قلب هذه البانوراما الأفريقية، يبدو سوينكا علماً من أعلام الفكر والأدب في العالم كله، فإن كان كل واحد من هؤلاء يتفوق في جانب واحد من جوانب النشاط الإبداعي كالشعر أو الرواية أو المسرحية، فإن سوينكا يتفوق في هذه المجالات جميعاً. 

وجد سوينكا نفسه منذ اللحطة الأولى في مواجهة قوى الديكتاتورية العسكرية، فقد وقف في وجه الأصوات الداعية لحرب بيافرا، فقُبض عليه ووضع في السجن لمدة عامين محروماً من الكتب ومن جميع وسائل الكتابة، ووضعوه في حبس إنفرادي. وقد جربوا معه كل الوسائل من أجل تدميره عقلياً.

يقول سوينكا في مقدمته: كانت الكتب تترك فى مكاتب السجن ليتراكم عليها التراب والعنكبوت. لقد كانت الكتب بل كل أشكال الكتابة تمثل على الدوام هاجساً مرعباً لهؤلاء الذين يسعون لطمس الحقيقة. لكن برغم اتخاذ أشد الإجراءات الأمنية ضد أي سجين فى تاريخ السجون النيجيرية، وهى إجراءات تم اتخاذها بقصد احتواء عقلي وتدميري، رغم هذا كله، فإن الاتصالات لم تنقطع، بل استمرت.

ولا ينسى سوينكا في كتابه أن يتوجه بالشكر الى بعض سجانيه الذين كان لهم الدور الرئيسي في بقائه على قيد الحياة، قبل أن يبدأ بسرد تجربته المريرة في السجن، قائلا: "لا يكمنني أن أرد هذا الدين باعتراف علني، حتى في فترة السنتين التي كنت فيها حراً، لم أجرأ على الإتصال بأحد من هؤلاء، لعلمي أن أكبر أجهزة الأمن المنتشرة في القارة لم تزل مهتمة اهتماماً شديداً بمعرفة كل إتصالاتي. فلكل هؤلاء جميعاً أقول صبراً. ففي استمرار الجهود لهزيمة هذا الشر وتدميره تدميراً كاملاً سوف تتم تسوية هذا الدين". 

ترك سوينكا نيجيريا سنة 1994 بعد أن نجح زعيم المعارضة مسعود أبيولا في الإنتخابات الرئاسية. فقد رفض الديكتاتور ساني أباشا تسليم السلطة للمدنيين وقبض على أبيولا – رغم مرضه - ووضعه في السجن حتى مات. وأخذ ينكل بالمعارضين من كل الفئات، فصادر جواز سفر سوينكا الذي نجا بأعجوبة من مصير زميله الشاعر والمناضل كين سيراويوا الذي أعدمه النظام العسكري مع ثمانية من رفاقه.

عاد سوينكا من المنفى قبيل الإنتخابات الرئاسية عام 1998 بعد أربع سنوات قضاها فيه. وتم استقباله استقبالاً حافلاً. وعلق رئيس إتحاد كتاب نيجيريا على عودة سونيكا بقوله: "نحن في حاجة ماسة إلى وضوح فكره. إنه احد الرجال القلائل الذين يستطيعون حفز همة المجتمع على السير في الطريق الصحيح".

وقد وصف سوينكا تلك الإنتخابات بأنها كانت بمثابة مزاد "نجح فيه من يملكون سيولة مالية قوية والمسنودون من العسكر، ومن لديه ميول طبيعية لممارسة الدعارة السياسية والخاسر الوحيد هو الديمقراطية".

ربما يكون جواب سوينكا من أبلغ الأجوبة عندما سئل عن العلاقة بين الحقيقة والسلطة فأجاب:"الحقيقة والسلطة نقيضان أو خصمان يصعب حل التناقض بينهما". وفي تعريفه لتاريخ مجتمع البشرية يقول: "إن تطور المجتمع البشري أشيه بمباراة بين السلطة وبين الحرية. وسواء سارت هذه المباراة في مسارات أيديولوجية أو دينية، فما نجده في الواقع هو أن الحقيقة في تناقض مع السلطة. الحقيقة بالنسبة لي هي الحرية، هي وجهة ذاتية. أما السلطة فهي هيمنة، وتحكم، ومن ثم فهي صورة إنتقائية من صور الحقيقة أي أكذوبة. وإن الجمع بين هاتين الصورتين بالنسبة لي هو محور الكفاح الإنساني من أجل خلق مجتمع أخلاقي، أي مشاركة إخلاقية".

ويكشف سوينكا عن سبب استئناف نشاطه السياسي بعد فترة السجن واختياره المنفى بقوله: "كانت هناك ديكتاتورية عسكرية وقت خروجي من السجن تحت حكم الرئيس جوون وهذه هي المرة الأولى التي أذهب فيها إلى المنفى الإختياري، لكي أبتعد عن محيط البشر الذين عجزوا عن فهم واستيعاب مغزى الحرب الأهلية...ذهبت إلى المنفى الإختياري، لأنني رأيت لو قلت شيئاً أو كتبت شيئاً في ذلك الحين، لكان شيئاً غريباً، أوه، هذا الشخص الحاقد الخارج من السجن لا يريد أن يرى شيئاً جميلاً، لايريد أن يرى الرخاء، يريد فقط أن يسيئ إلى النظام". ولهذا اَثر سونيكا أن يقول: "أنا ذاهب – إلى المنفى الإختياري - لكي أكتب شيئاً ولكي أسترد عقلي".

صحيح أن سوينكا سجن نحو عامين فضلاً عن منفاه الإختياري، إلا أن ما يشير إليه سوينكا عن إرسال يعقوب جوون رسالة شفهية له عبر صديقه: "قل له – أي لسوينكا – إللي فات مات. تمام؟ إستخدم كلماتي بدقة إللي فات مات".

وطلب سجانوه منه المسامحة والنسيان يؤكد أن خياره انتصر. يقول له السجان: "سامحنا بكل ما فعلناه، سامحنا حتى من أجل السجن".