الخيارات التركية والمصرية في ليبيا.. حرب إقليمية على الأبواب؟

اليوم تجد مصر نفسها في مواجهة تهديد هو الأقرب لحدودها منذ المناوشات العسكرية مع ليبيا في تموز/يوليو 1977. فما هي الأوراق المتوافرة لدى تركيا في المرحلة الحالية بالملف الليبي، وما هو الموقف المصري الحالي؟

  • إردوغان والسراج في لقاء سابق

برز بشكل واضح خلال الأسابيع الماضية، من خلال تصريحات كل من وزير الخارجية ورئيس البرلمان في مصر، أن الدولة المصرية تنظر إلى التحركات التركية في الملف الليبي، كتهديد واضح ومباشر للمحيط الإقليمي للقاهرة. تهديد يتمثل في تزايد نفوذ دولة تعادي النظام الحاكم في مصر، وإمكانية تواجد عسكري تركي مباشر في ليبيا، البلد الذي يعد البوابة الغربية لـ"المحروسة".

ويرتبط هذا التهديد أيضاً بما تراه القاهرة أنشطة تركية معادية لها، تتوزع ما بين الدوحة وغزة وسوريا والسودان، وصولاً إلى شرقي المتوسط، الذي يعد ساحة المعركة الرئيسية بين الجانبين.

سبق أن تحرّكت مصر في الملف السوري بشكل نشط وغير مُعلَن، وهذا كان ظاهراً في ملف شرقي الفرات وتطوّراته الأخيرة، انطلاقاً من نظرتها التاريخية إلى سوريا كجزء من الأمن القومي المصري والعربي.

على خلفية هذا الموقف تضيف القاهرة اليوم نجاحاً في تحجيم الدور التركي في شرقي المتوسّط، حيث تمكنت منذ 2015 وحتى الآن من عزل تركيا عن أية فعاليات أو اتفاقات تخص التنقيب عن الغاز، وذلك عن طريق تدشين القاهرة لمنتدى غاز شرق المتوسط، ما جعلها تستحوذ فعلياً على الموقع الذي كانت تركيا تسعى إليه، وهو أن تصبح اللاعب الرئيس في ملف غاز شرق المتوسط، وبوابة عمليات إسالته وتصديره لأوروبا.

يضاف إلى ذلك دعم القاهرة الواضح للقوات العسكرية بقيادة خليفة حفتر، والذي أدّى إلى سيطرة هذه القوات على غالبية أراضي ليبيا.

اليوم تجد مصر نفسها في مواجهة تهديد هو الأقرب لحدودها منذ المناوشات العسكرية مع ليبيا في تموز/يوليو 1977. فما هي الأوراق المتوافرة لدى تركيا في المرحلة الحالية بالملف الليبي، وما هو الموقف المصري الحالي؟

 

الأوراق التركية في الملف الليبي

  • الخيارات التركية والمصرية في ليبيا.. حرب إقليمية على الأبواب؟

الأهداف التركية من التدخّل في ليبيا بصفة عامة تنبع من نقطتين أساسيتين، الأولى تتعلّق بمحاولة خَلْط الأوراق في منطقة شرقي المتوسّط، بعد أن وجدت أنقرة نفسها معزولة بسبب الدور المصري المُتصاعِد في هذه المنطقة، ما دفعها إلى اتخاذ إجراءات أحادية، مثل إطلاق عمليات التنقيب عن الغاز في مناطق شرقي وجنوبي جزيرة قبرص، وهي عمليات انتقدتها كافة الدول المعنية بملف الغاز في هذه المنطقة. يضاف إلى ذلك توقيعها لمذكرة تفاهم حول الحدود البحرية مع حكومة طرابلس بما ينتهك المنطقة الاقتصادية لليونان، ويتجاهل وجود مناطق بين تركيا وليبيا مثل جزيرة كريت.

هذا النهج يستهدف أساساً إجبار الأطراف المعنية في المنطقة على إعادة التواصل مع تركيا بشأن ملف الغاز وعدم تجاهلها، بعد أن تمكّنت القاهرة خلال السنوات الأخيرة من انتزاع قصب السبق من تركيا، وتحوّلها إلى نقطة محورية وأساسية يتم من خلالها إسالة الغاز الخاص في كل دول شرق المتوسّط، كونها الدولة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط عدا عن تركيا، التي تمتلك البنية التحتية اللازمة لإسالة الغاز في منشأتي أدكو ودمياط، ومن ثم تصديره الى أوروربا عبر خط (أيست ميد)، الذي سيتم تدشينه قريباً انطلاقاً من فلسطين المحتلة مروراً بقبرص واليونان ووصولاً إلى إيطاليا.

وبالتالي تحاول تركيا من خلال مذكّرتها الخاصة بالحدود البحرية مع حكومة الوفاق في طرابلس، قَطْع الطريق على عمليات إقامة هذا الخط، وابتزاز دول المنطقة لإجبارها على التعامُل مع تركيا إذا ما أرادت تصدير غازها إلى أوروبا، وكذلك الحيلولة دون ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان، وهي تشكّل تهديداً جدياً لمصر عن طريق دعم قوات حكومة الوفاق في طرابلس بشكل يُطيل من أمَد المعارك.

 

عصفوران بحجرٍ واحد

  • الخيارات التركية والمصرية في ليبيا.. حرب إقليمية على الأبواب؟

النقطة الثانية تتعلّق بمحاولة حلّ مُعضلة بدأت ملامحها في الظهور في المناطق التي تحتلها تركيا في الشمال والشمال الشرقي السوري، فالجيش العربي السوري على ما يبدو مُصمّم على إكمال معركة إدلب، وهو ما يعني أنه عملياً آجلاً أو عاجلاً، سيتدفّق إلى الأراضي التركية مئات المقاتلين المُنتمين إلى الفصائل المسلّحة التي تدعمها أنقرة في سوريا، وهو ما سيخلق مشكلة كبيرة وعبئاً على الداخل التركي في هذه المرحلة، لذلك وجدت تركيا في إرسال هؤلاء إلى ليبيا حلاً تظهر من خلاله كداعم قوي لحكومة طرابلس، وفي نفس الوقت تتخلّص من عبء هؤلاء على وضعها الداخلي.

الضغط الذي يمثله مسار المعارك حالياً في طرابلس على حكومة الوفاق، جعل الخيارات تتضاءل أمام تركيا في ما يتعلّق بحجم ومستوى الدعم الذي يمكن أن تقدّمه لها، في ظلّ المخاطر المُتزايدة التي تواجه وسائط نقل هذا الدعم، فالنقل البحري عن طريق السفن التجارية بات محفوفاً بالمخاطر، بعد أن بدأت اليونان والقوات البحرية التابعة للجيش الوطني الموالي لمجلس النواب في طبرق عمليات تفتيش للسفن المُشتَبه بها، ويتوقّع أن تشارك في هذه العمليات سفن تنتمي إلى دول أخرى مثل ألمانيا وفرنسا.

النقل الجوي أصبح الآن هو الوسيلة الوحيدة المتوافرة لنقل مثل هذا الدعم، مع محدودية ما يمكن نقله عبر الجو نظراً إلى صعوبات لوجيستية، ناهيك عن حقيقة أن الدعم الذي قدّمته تركيا إلى حكومة الوفاق من عربات مُدرَّعة وطائرات من دون طيَّار، لم يشكل فارقاً كبيراً على مستوى المعارك، بل قام فقط بتأخير تقدّم قوات الجيش الوطني.

 

بدء عمليات نقل المقاتلين من سوريا

  • بدء فعلي لعمليات نقل المُرتزقة من سوريا

بدأت تركيا منذ أيام السير بمسار استقدام عناصر مُتطرّفة من الفصائل التي كانت تُقاتل الجيش العربي السوري، ونقلها إلى ليبيا عبر رحلات جوية مدنية، وقد لوحِظ منذ 25 كانون الأول/ديمسبر إقلاع رحلات، بشكل يومي، وفي ساعات مُتأخّرة من الليل، من إسطنبول إلى ليبيا، بما معدله رحلتين إلى أربع رحلات تابعة لشركات طيران ليبية (الأفريقية – الأجنحة الليبية – البراق) في اتجاه طرابلس ومصراتة، وهو ما يمكن تفسيره على أنه عملية نقل مُمنهَجة لعناصر من هؤلاء لمحاولة دعم حكومة الوفاق وتعويض خسائرها البشرية الكبيرة.

عزَّزت هذه الفرضية الأخبار التي نقلها كل من المرصد السوري لحقوق الإنسان والمركز السوري للتوثيق، والتي أفادت أن عدداً من كبار الضبّاط الأتراك عقدوا سلسلة اجتماعات في طرابلس مع ضبّاط تابعين لرئاسة أركان حكومة الوفاق، تلتها سلسلة أخرى من الاجتماعات بين ضبّاط من الاستخبارات التركية وقياديين من أبرز الفصائل المسلّحة الموالية لتركيا في الشمال السوري.

وتمّ الاتفاق خلال هذه الاجتماعات على أن ترسل تركيا إلى ليبيا أعداداً من مُقاتلي ما يُسمَّى (الجيش الوطني)، الذي شكّلته تركيا سابقاً من بقايا الفصائل التكفيرية والمُعارِضة، ونشرته ضمن مناطق نفوذها في الشمال السوري.

وقد حرصت تركيا خلال عمليات اختيار هؤلاء، أن يكونوا في غالبيّتهم من القومية التركمانية، ووعدتهم إضافة إلى مرتبات شهرية مجزية، وخدمات الإعاشة والسَكن التي ستقدّمها لهم حكومة الوفاق في طرابلس، بمنحهم الجنسية التركية.

التقديرات الأولية للمرصد السوري لحقوق الإنسان تشير إلى أن الأعداد التي وصلت فعلياً من المُقاتلين التركمانيين إلى ليبيا هي ما بين مائة إلى 300 مقاتل، وتستهدف تركيا حسب معلومات المرصد زيادتهم الى نحو 1000 مقاتل خلال الأيام القادمة. وقد ظهر بالفعل تسجيلان مصوّران يظهر فيهما بضعة مقاتلين منهم في ليبيا، وعلى الرغم من النفي الرسمي من جانب حكومة الوفاق لتواجد أيّ مُقاتلين سوريين على أراضيها، إلا أنه بتحليل التسجيلات المصوَّرة اتّضح أنه تم التقاطها قرب معسكر التكبالي في محور صلاح الدين جنوبي العاصمة، ما يجعل هؤلاء المُقاتلين في تماس مباشر مع القوات التابعة لحفتر في هذا المحور. وهذا التسجيل يتقاطع مع معلومات أخرى أفادت بأنه تُجرى عمليات تجهيز لشقق سكنية موجودة على الساحل، في منطقة جنزور الواقعة بين مدينة طرابلس ومدينة الزاوية، بغرض إسكان هؤلاء المقاتلين.

بالتزامن مع بدء استغلال تركيا لورقة التركمان، حاولت أيضاً تحقيق اختراق في الدول المجاورة لليبيا، فزار إردوغان تونس بصورة مُفاجئة، وكان الغرض الأساس من هذه الزيارة هو فتح جبهة لتوريد الأسلحة والمعدّات (والمُسلّحين) إلى ليبيا عن طريق معبر رأس جدير، بعد أن بدأت المخاطر والصعوبات تتزايد أمام عمليات نقلها عن طريق البحر أو الجو.

لكن كان للرئاسة ولمعظم الأحزاب في تونس رأي آخر، فقد صدرت بيانات متتالية من جانب الرئاسة التونسية وأحزاب عدة ممثلة في البرلمان مثل "الدستوري الحر" و"مشروع تونس" و"العمال" و"آفاق تونس" و"حركة الشعب" و"المسار الديموقراطي الاجتماعي" و"التيار الشعبي"، بجانب المكتب التنفيذي للاتحاد العام للشغل، أجمعت فيها على إدانة محاولة توريط تونس في الشأن الليبي، أو إجبارها على الدخول في حلف تحاول تركيا تشكيله شرقي المتوسّط.

بدأت محاولات في نفس السياق من جانب تركيا مع الجزائر، حيث يحاول إردوغان أن ينظّم زيارة إليها، تترافق مع عدّة قرارات مثل قرار إعفاء الجزائريين المسافرين إلى تركيا من تأشيرة الدخول المُسبَقة إلى تركيا، وهي محاولة تركية للاستفادة من اقتراب الموقف الجزائري نسبياً من الموقف التركي في ما يتعلّق بالشأن الليبي، لكن الشواهِد تؤكّد أن الجزائر تنظر إلى زيارة إردوغان بنظرة حَذِرة، خاصة بعد التصريحات التي أطلقها وزير الداخلية المفوّض في حكومة طرابلس، وذكر فيها أن كلاً من تونس والجزائر باتتا في حلف مع تركيا في ما يتعلّق بالملف الليبي.

 

مصر تُراقب في حَذَر واستنفار

  • مصر تُراقب في حَذَر واستنفار

بالنسبة إلى مصر، فقد بدأت منذ اللحظات الأولى للإعلان عن مذكّرتي التفاهم بين حكومة السراج وتركيا، بتحرّكات اقليمية ودولية مستمرة، على شكل لقاءات ومُكالمات هاتفية جمعت بين الرئيس المصري ووزير خارجيته ورئيس البرلمان المصري من جهة، وكبار المسؤولين في اليونان وقبرص وإيطاليا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة وروسيا.

وقد اتّضح بشكل كبير أن كافة هذه الأطراف تتقاطع في وجهات نظرها بخصوص الشأن الليبي مع وجهة نظر القيادة المصرية، حتى إيطاليا التي تُعدّ أحد أهم الداعمين لحكومة الوفاق.

على المستوى الميداني، يستمر الدعم المصري للجيش الليبي، وبالإضافة إلى ذلك قامت مصر باستنفار وحداتها البحرية في البحر المتوسّط، وبدأت في التنسيق مع القوات البحرية اليونانية والوحدات البحرية العسكرية بقيادة حفتر، لتضييق الخِناق على السفن المُشتَبه بها، والتي تمرّ في المنطقة الاقتصادية اليونانية باتجاه الساحل الليبي.

احتمالات المواجهة العسكرية بين الجانبين المصري والتركي تتزايد بفعل التحرّكات التركية الأخيرة، لكن مصر في هذه المرحلة تتعامل بمنطق ردود الفعل، بمعنى أن القاهرة معنية في هذه المرحلة بالحفاظ قدر الإمكان على الاستقرار في محيطها الإقليمي، وفي منطقة شرقي المتوسط، وذلك لمنع تحول هذه المنطقة إلى بؤرة صراع تمنع دول المنطقة من الاستفادة من ثروات شرقي المتوسط التي تعول عليها القاهرة في المرحلة القادمة، خاصة بعد وصولها إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي في إنتاج الغاز وتحولها للتصدير، وكذا بدء تلقيها شحنات من الخارج لإسالتها في المنشآت المصرية، ما يوفر عائدات كبيرة تحتاجها مصر حالياً. وبالتالى تهتم مصر بمحاولة إدارة الأزمة في ليبيا، وليس إشعالها، خاصة وأنه حتى الآن لا توجد أية مؤشّرات واضحة إلى إمكانية إرسال تركيا لوحدات عسكرية تركية نظامية إلى طرابلس.

 

 

إقرأ أيضاً

ما عجز عنه البشر فعله كورونا.. الأرض...