العدالة الاجتماعية في زمن فراغ النظرية الاقتصادية

أسئلة العلوم الاقتصادية الأساسية تعود إلى الواجهة مع انفجار الأزمات العالمية الواحدة تلو الأخرى. أزمات هائلة متزامنة تضع الإنسان المعاصر أمام حاجة البحث العلمي إلى تطوير النظرية والنموذج. الوجهة واحدة: بحثٌ عن تأمين الحاجات، وسعي إلى النمو، وهاجس دائم موضوعه سبل تحقيق العدالة الاجتماعية.

  • إمرأة تسير في أحد سوراع نيويورك (أ ف ب - أرشيف)

 لطالما شكّل الإنسان هاجس العلوم الإنسانية، ومنها الاقتصاد. كيف يؤمّن قوته؟ وكيف يسلك درب نموّه؟ وكيف يستصلح محيطه؟ وما هي النظم المثلى لرسم العلاقات بين أفراد المجتمع لتحقيق الخير للجميع، لكن الأجوبة على هذه الأسئلة الأصيلة لم تكن يوماً بمثل سهولة الأسئلة نفسها.

لقد أدت الثورة الصناعية في أوروبا إلى تغير أنماط النشاط الاقتصادي في القارة العجوز أولاً، ثم عبر العالم في ما بعد. وبها انتقلت المجتمعات من الزراعة إلى الصناعة، ثم انتقلت إلى تطوير مجالات النشاط المتفرعة منهما، وصولاً إلى ثورة مصادر الطاقة والتكنولوجيا في القرن العشرين.

لكن العدالة الاجتماعية كانت على الدوام هي العملة النادرة المستترة وراء المشهد. لا تُطال ولا تُرى في زمن الزراعة، وفي زمن الصناعة، وفي الأزمنة اللاحقة لهما. وبقيت هي الهدف الذي لم يتمكن أحد من إصابته إصابةً شافية، وهذا ما كان مجالاً لكل المنظّرين الاقتصاديين الذي انكبّوا على رسم العلاقة بين الإنتاج والعدالة، وبين النمو والعدالة.

 

ريكاردو وماركس

إن أفكار كارل ماركس حول العدالة الاجتماعية أحدثت الكثير من الجدل، وقد تركّز النقاش حول تفسير وتعريف محدد للعدالة، فهناك من اعتبر أن ماركس لم يناقش العدالة بحد ذاتها، إنما جاءت أفكاره حولها من خلال الأدبيات التي استخدمها لتوصيف حالات غيابها، مثل الاستغلال والسرقة والطغيان، وهي مصطلحات استخدمها لإدانة استيلاء الرأسمالي على فائض القيمة. وبالتالي، فإن أفكاره كانت تستند إلى معايير أخلاقية.

لكن أفكار ماركس في كل الأحوال ركّزت إلى حد بعيد على قيمة العدالة الاجتماعية عند الحديث عن النظام الاقتصادي ودور رأس المال فيه. وانتقد ماركس نظرية الدولة العائدة إلى هيغل في "مساهمة في نقد فلسفة القانون لهيغل" (1843)، وكانت هذه واحدة من أولى كتاباته الرئيسة، والتي ركز فيها على تأسيس نظريته في العدالة الاجتماعية. 

وبعيداً من الإسهاب النظري والبحث الأكاديمي في صحة النظرة الماركسية للعدالة الاجتماعية، يمكن القول إن أفكار ماركس شكلت تطوراً كبيراً في المفاهيم الاقتصادية والاجتماعية، وساهمت في توسيع انتشار مفاهيم أساسية تتعلق بأنسنة الاقتصاد، وسبل إعادة توزيع الثروة، وضرورة أن تشمل المجتمع بأكمله، وهي في كل الأحوال تمثل انحيازاً للطبقة الفقيرة ضد رأسمال المال. 

أما ديفيد ريكاردو، فقد اهتم أكثر بالحديث عن النمو الاقتصادي، وتطابقت آراؤه مع آدم سميث بخصوص القيمة والأسعار في تحليله للنمو الاقتصادي بعدة مواقع، كالناتج الكلي المعتمد على عناصر الإنتاج، لكنه اختلف مع سميث بالتجارة الخارجية بأن الارض ثابتة في مجالات الإنتاج، كما اختلف معه بأن المكوّن الأساس للنمو هو تكوين رأس المال.

ولكن ما يهمنا هنا هو ناحية أساسية فكر فيها ريكاردو، سيتبين خطؤها في ما بعد عند النظر إلى تجارب معاصرة، فقد رأى أن النمو الاقتصادي يتحكم به عامل النمو السكاني وقانون تناقص الغلة وتراكم رأس المال، وقد أعطى أهمية كبيرة للنمو السكاني، وطالب بالتقليل من عدد السكان. ومن هذا المنطلق بنى نظريته في السكان.

لقد شهدت المرحلة ما بين الحربين العالميتين حكماً للشيوعية السوفياتية، التي طبّقت أفكارها من خلال النموذج الثوري الذي قدمته في الاتحاد السوفياتي وفي غيره من الدول، غير أن العدالة الاجتماعية هناك لم تكن في أحسن أحوالها.

 على العكس من ذلك، لم يثبت النموذج الاقتصادي الذي اعتمدته نجاحاً في رفع معايير الخدمات للجميع، كما لم يتحسّن وضع الناس كثيراً لناحية توزيع الثروة، وكان بدلاً من ذلك منصبّاً على الدولة كإطار أعلى مقدس يرعاه المواطنون. 

وقد تحوّل الاتحاد سريعاً إلى كيانٍ صلب وقوي يمارس سطوته في الداخل، وينافس القوى الكبرى في الخارج، لكنه كان في الوقت نفسه يعجّ بالتباينات الاجتماعية والاقتصادية والتفاوت في الثروة.

 

القرن العشرون: كينز وكوزنتس

في الفترة نفسها التي طبّق فيها الاتحاد السوفياتي الأفكار الاشتراكية، في ظلٍ آمالٍ عريضة بأن تحمل العدالة الاجتماعية، كان الغرب يعيش مرحلة صراع القوى الكبرى فيه على النفوذ والثروة.

وازدهرت في وقتها أفكار كينز، التي أعادت الاعتبار إلى دور الدولة في الاقتصاد، حيث اعتبر أنه لا يكفي الاعتماد على "اليد الخفية" في الاقتصاد للوصول إلى حالة التوازن، بل إن مسار النشاط الاقتصادي وخطوطه الكبرى يجب أن تبقى ضمن مجال تدخل الدولة، لتعيد تصويب الانحرافات الحادة التي تحدث في السوق، حمايةً لضرورات إعادة التوزيع، والتي لها علاقة مباشرة بالأمن الاجتماعي. 

وقد ناسبت أفكار كينز طبيعة الصراع الذي كان قائماً بين القوى القومية في تلك المرحلة، حيث كان التنافس الشديد أحد أهم أسباب الحرب العالمية الثانية.

وفي حين أوصلت الاشتراكية الاتحاد السوفياتي إلى تحقيق عوامل قوته الداخلية، وتمتين قوة الدولة بين أقرانها، وتظهير حاجتها لتحقيق المزيد من القوة على حساب غيرها، فإن الأفكار الاقتصادية الغربية ضمن نسق القومية الذي كان سائداً، أوصلت الدول الغربية أيضاً إلى النتيجة نفسها، وهي الحاجة إلى ممارسة قوتها لتحقيق منافع توسعية ذات أهداف اقتصادية أولاً وأخيراً. 

وبين هذا وذاك، ضاعت العدالة الاجتماعية في الحكم الداخلي لدى معظم هذه الدول، وخصوصاً أن المسار الممتد بين الحربين شهد أزمة 1929 الكبيرة، حيث حصل الكساد الأعظم، وانهارت في نتيجته حياة الكثير من الناس.

وبعد الحرب مباشرةً، ومع انتصار الحلفاء على المحور، بدأ الصراع بين المنتصرين أنفسهم، فشهد العالم قسمة الشرق-غرب، في إشارة إلى المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي بقيادة الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية.

وفي هذه الفترة، ازدهرت نظرية سيمون كوزنتس عن علاقة النمو بالعدالة الاجتماعية، والتي تم التعبير عنها بما عرف بـ"منحنى كوزنتس" (وضعه في العام 1955)، وهو عبارة عن تمثيل بياني يعرض نظرية كوزنتس التي تنص على أن اللامساواة الاقتصادية في أي بلد تكون مرتفعة جداً في بداية النمو الاقتصادي، ثم تدخل في مرحلة انخفاض عندما يبلغ معدل الدخل القومي للدولة تطوراً كبيراً .ويأخذ المنحنى شكل هذه العلاقة على هيئة شكل جرس أو حرف U مقلوب .

لقد فسّرت هذه النظرية المتعلقة بالعدالة الاجتماعية بصورةٍ مباشرة، من خلال علاقتها بتقليص التباينات في الدخل، مرحلة "الثلاثين المجيدة" التي تؤرخ لثلاثين سنة بين الأعوام 1945 و1975، عاش فيها نصف الكرة الغربي ازدهاراً اقتصادياً لا مثيل له خلال القرن العشرين. 

في كل الأحوال، فإن النظام الاقتصادي الدولي كان يشهد خلال الفترة نفسها خلافاتٍ نظرية أخرى، فالدول الواقعة خارج قسمة "شرق-غرب" وجدت نفسها متضررة من الصراع العالمي بين القوتين الجبارتين، وأخذت لنفسها منحى آخر، فأعلنت عبر مجموعة من الأطر عن رغبتها في أداء سياسي واقتصادي مختلف.

ومن أجل ذلك، تشكّلت حركة عدم الانحياز على المستوى السياسي، وواكب هذه الانطلاقة السياسية لدول العالم الثالث إطلاق دينامية تفكير اقتصادي جديدة، تقوم على تقسيم العالم إلى "شمال-جنوب" بدلاً من "شرق-غرب"، وفي ذلك إشارة إلى أن المتصارعين في الشمال (الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة) من الأغنياء، وأن الدول الأخرى التي تجري على حسابها هذه الصراعات هي الدول الفقيرة.

وهذا كان له علاقة مباشرة بموضوع غياب العدالة الاجتماعية، وعدم تمكّن الصراع الإيديولوجي بطرفيه من خدمه مصالح الشعوب الساعية إلى تقليص التباينات بين الفقراء والأغنياء فيها وخارجها.

 

القرن 21: الفراغ النظري

بعد حسم الولايات المتحدة للحرب الباردة، اعتبر هذا الحسم انتصاراً نظرياً في الدرجة الأولى، حيث انهار النموذج النظري الذي حمله المنافس، وبالتالي خرجت نظريات تحكي عن نهاية التاريخ وختام الصراع، وكأن العالم وصل إلى خلاصة الحكم بالمعنيين السياسي والاقتصادي.

مرة جديدة، انفلشت الرأسمالية، لكن بنسختها المتوحشة هذه المرة عبر العالم، وساد حكم الشركات العابرة للقارات بدلاً من الدول، وشهد العالم عقداً وصفه الاقتصادي الأميركي الحائز على جائزة نوبل، جوزيف ستيغلتز، بـ"التسعينيات الهادرة". في هذا العقد تحديداً، تم طحن المساواة على المستويين الوطني والعالمي. 

وتحت زهو الانتصار والقوة المتفلتة منه، اجتاحت الولايات المتحدة الدول من أجل نشر نموذجها الاقتصادي الذي بدا أنه انتصر، وأنه لم يعد يقهر بعد أفول غريمه التقليدي، لكن أزمة العام 2008 صدمت النموذج المنتصر، ووضعته لأول مرة أمام هشاشته بصورةٍ حقيقية، فاكتشف العالم عدم قدرة الرأسمالية المتوحشة على حماية المراهنين عليها بالدرجة الأولى، فضلاً عن فشلها في تحقيق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية التي كان يؤمل أن تتحقق بالتوازي مع النمو المرتفع الذي حققته رقمياً دولٌ عديدة.

هذا الأمر قاد مرة جديدة إلى إظهار الخلل في نظرية كوزنتس عن تقلص التفاوت بعد ارتفاع نسبة النمو وتجاوزها حداً متطوراً. ففي العام 2005، قام الاقتصادي توما بيكيتي، اعتماداً على بعض البيانات الاقتصادية من أميركا وفرنسا، بتوضيح أن التفاوتات والتباينات الاقتصادية التي أوضحها كوزنتس لم تكن مرتبطة مباشرةً بمدى ناتج الفرد وثروته، وإنما كانت مرتبطة ببعض الأحداث الأخرى المتغيرة، مثل الكوارث والحروب والضرائب، وعلى وجه الخصوص ضريبة الدخل وغيرها.

وقد ذكر بيكيتي أيضاً أن كوزنتس قام ببناء فرضيته في إطار كان المردود الاقتصادي فيه يتطوّر ويتحسّن بشكل كبير، أي خلال "الثلاثين المجيدة"، ما يوضح أن منحنى كوزنتس لا يصلح بشكل كبير إلى الاعتماد عليه في تقدير اقتصاديات الدول في الوقت الراهن.

وفي الوقت نفسه، أثبتت الصين الخلل في نظرية ريكاردو حول السكان، إذ استفادت من الزيادة الهائلة بعدد السكان لتحقيق معدلات قياسية من النمو. وبالتالي، فإن عدد السكان تحول في هذه الحالة من عبء إلى أفضلية ساهمت في رفع معدل النمو، على عكس القاعدة التي وضعها ريكاردو.

اليوم، ومع وصول العالم إلى شفير أزمة اقتصادية هائلة قد تفوق أزمة 1929، وأزمة 2008، وربما الأزمتين معاً، فإن العالم يبدو في فوضى نظرية تامة، أو ربما يكون من الأدق القول إن العالم يعيش عصر غياب النظرية الاقتصادية، وخصوصاً في ما يتعلق بتحقيق العدالة الاجتماعية.

النموذج الرأسمالي الذي بقي صامداً على الرغم من التغيرات الكبرى في أنماط الإنتاج وأساليب التجارة والتسويق، وفي ظهور أنواع جديدة من الأعمال، ومع اتجاه العالم إلى ثورةٍ تكنولوجية بالغة التقدم، يبدو نموذجاً منهاراً وبالياً، وحجم التغيرات التي يشهدها العالم اليوم يفرض مسارين متلازمين، وكلاهما فائق الضرورة:

المسار الأول هو الوصول إلى تصور نظري يواكب التغيرات العميقة في بنية الاقتصاد العالمي، والوطني تالياً. أما المسار الثاني، فهو يتمحور حول الإنسان بصورةٍ مباشرة أكثر، ويعبر عنه السؤال التالي: كيف ستتمكّن الدول من حماية الإنسان من اللامساواة، وخصوصاً أن الأخيرة تتسع بسرعة في ظلّ لانظام عالمي، وفي غياب نظرية اقتصادية موضع التنفيذ؟