أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

المعتقدات في العادات والتقاليد

المعتقدات في العادات والتقاليد في لبنان والمنطقة.. ومظاهرها في الولادة والزواج والموت، والمؤتلف والمختلف منها. علاقة المعتقد بالدين والأسطورة والمعرفة والمعارف الشعبية والحياة المعاصرة.

 

المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم، العادات والتقاليد خاضعة للتغيير عبر العصور لكن المعتقدات الدينية أكثر رسوخاً وثباتاً، لذلك فإن فتح نافذة على المعتقدات في التقاليد والعادات وأسسها في الولادة والزواج والموت في مجتمعنا هو قراءة للبنية الذهنية وتجلياتها، وهو استكناه لعلاقة المعتقد بالأسطورة والمعرفة وبحثٌ في المعتقدات الشعبية وأثر الديانات فيها. الدكتور عاطف عطية أستاذ في علم الاجتماع، كان مديراً لمعهد العلوم الاجتماعية الفرع الثالث، بحث كثيراً في الثقافة الشعبية، كمُّ من الكتب في الثقافة الشعبية العربية وفي لبنان، من السرد الحكائي إلى المعنى في القول والمغنى وصولاً إلى المعتقدات في التقاليد والعادات والرحمة والحكمة في الطب والأمثال في رباعية من الكتب كما قلت، حول المعتقدات سيكون حوارنا بعد تقرير عنها وعن العادات والتقاليد.

تقرير:  

تتناول المعتقدات كيفية بدء الكون وخلق الإنسان واستمراريته منذ الولادة إلى الزواج فالموت بعد أن يفقد الإنسان الأمل في إمكانية الخلود، كما تتناول العلاقة مع الخالق ومَن يمثّلونه وكيفية استرضائهم طلباً للحماية والعيش بسلام لتصبح بذلك المكوّن الأساسي لثقافات الشعوب.

المعتقدات في الشرق القديم راسخة ومستمرة وتظهر عبر العادات والتقاليد والطقوس الاحتفالية بدءاً من الولادة وما يرافقها من فرح مروراً بالزواج ومراسمه واحتفاليته وانتهاءً بالموت وحزنه وطقوسه، وحتى مرحلة ما بعد الموت وما يمكن للإنسان أن يفعله تجاه نفسه وتجاه الميت ليحظى بحياة ثانية.

تجسّد الجماعة البشرية المعتقدات بأفعال وممارسات طقسية واحتفالية تبيّن مدى أهميتها للإنسان نفسه وإرضاءً للقوى التي تتميّز بالسلطة والتأثير على مجرى حياة الجماعة، وذك تجنّباً لغضبها ولما يمكن أن ينتج من ذلك فتصبح الطقوس والاحتفالات تعبيراً عن المعتقدات وأهميتها في حياة الجماعة.

تتميّز الطقوس والاحتفالات المرافقة لها بالتكرار في كل دورة حياتية ومنها الأعياد منذ أديان ما قبل التوحيد حيث نلحظ مجموعة من العادات المتكرّرة التي تتحوّل إلى تقليد دوري غير ضروري لمعرفة أصلها، ويمكن مراقبة طقوس الشعوب واحتفالاتها بالولادة والزواج والموت لمعرفة مدى ترسّخها أو تغيّرها وكيفية تكرارها عبر الزمن.

المعتقدات في منطقتنا متقاربة ولذلك نرى العادات والتقاليد والطقوس الناجمة عنها متشابهة في الثقافة الشعبية.

غسان الشامي: أهلاً بكم في أجراس المشرق، أهلاً بك دكتور عاطف عطية ضيفاً عزيزاً سيّدي.

عاطف عطية: شكراً أستاذ.  

غسان الشامي: استهلالياً أو كي نبدأ بقراءة توضح للسادة المشاهدين، من أين تأتي المعتقدات وكيف تتكوّن؟ هم يعرفونها كما هي لكن كيف تأتي؟ من ماذا تتكوّن؟

عاطف عطية: إسمح لي أولاً أن أعبّر عن سعادتي لوجودي معكم في هذا البرنامج الشيّق.

غسان الشامي: أهلاً بك ضيفاً عزيزاً.

عاطف عطية: طبعاً "المعتقدات في التقاليد والعادات" هو كتاب يبحث في كيفية تكوّن المعتقد وما هي الأساليب والتقنيات التي تجعل هذا المعتقد سارياً ومستمراً وشبه أبدي في حياة المجتمع. أولاً أي مجتمع من المجتمعات وفي أي زمان ومكان لديه معتقدات راسخة ومقدّسة منذ آلاف السنين وحتى الآن، ولا أعتقد أنها ستنتهي في المستقبل لأن عماد أي مجتمع من المجتمعات هو في هويته الاعتقادية على أي مستوى كان وخصوصاً على المستوى الديني. من المهم أن ندرك أن أي مجتمع منذ آلاف السنين وحتى الآن له نظرة واضحة ومحدّدة وواعية لأفراد المجتمع حتى ولو من آلاف السنين إلى وجود ما يسمّى بالإيمان والاعتقاد الراسخ بمسائل محدّدة لها علاقة بحياته، في مجرى هذه الحياة، في منشئه وفي هدفه من الحياة وفي آخرته لأن أيّ مجتمع لا بد من أن يكون فيه مَن يولد ومَن ينمو ويتربى وينشأ ويتزوّج ويهرم ويصل إلى حال الانتهاء من هذه الدنيا والانتقال إلى مكان آخر. لكل مجتمع من المجتمعات معرفة وإيمان بما يمكن أن يصل إليه الإنسان بعد انتهائه من هذه الدنيا، لهذا السبب يمكن التأكيد على أن المعتقد هو ملازم لوجود الإنسان، ملازم لوجود المجتمع من أكثر المجتمعات بدئية في الحياة وليست بدائية إلى أيامنا هذه له الإيمان الراسخ بما يعتقده.  

غسان الشامي: معنى ذلك أنها معتقدات شعبية في الأساس؟

عاطف عطية: لا شك أنها تبدأ أولاً باعتبارها معتقدات شعبية ولكن هذه المعتقدات الشعبية تنمو وتتربّى وتترقّى من خلال أناس لديهم القدرة على المعرفة أكثر من غيرهم من الناس.  

غسان الشامي: أي أنها تصبح دوغمائية في النهاية؟ تصبح عقائدية؟

عاطف عطية: بالضبط، تصبح عقائدية حتى في المجتمعات الأكثر بدائية لأن هذه المعتقدات هي التي تعطي لهم إن كان على مستوى تنشئتهم أو تربيتهم أو على مستوى الموت تعطيهم الأفكار الواضحة والمحددة لهم من أجل أن يعيشوا باطمئنان وباستقرار، عندما تُدفن مع الميت الأدوات والأواني التي كان يستعملها في هذه الدنيا فهذا يعني أن هناك إيماناً راسخاً بحياة أخرى بعد هذه الحياة. 

غسان الشامي: أو أنه مسافر إلى تلك الحياة وسوف يستعملها.

عاطف عطية: نعم، إنه يريد أن يعيش على الأقل كما كان يعيش في هذه الدنيا إذا لم يكن أكثر، لهذا السبب بدأت تترقّى هذه الأفكار بترقّي المجتمع من بداية وجوده وتسلسلاً في التاريخ وصولاً إلى أيامنا هذه. اليوم حتى على مستوى الأديان التوحيدية عند كل الأديان هناك حياة أخرى بعد هذه الحياة وهناك ما يمكن أن يكون خيراً أو شراً بالنسبة للإنسان.

غسان الشامي: ولكن دكتور عطية إذا أخذنا هذه النقطة، هذا الرسوخ يتعلّق بالاعتقاد بالموت وما بعده لأنه الظاهرة الأكثر رسوخاً والتي يقف أمامها الإنسان مدهوشاً أو لا يملك أسرارها بينما الولادة والزواج أعتقد أن الكثير من هذه الأمور تغيّرت.

عاطف عطية: لا شك أن التعاطي مع الولادة أو مع الزواج أو مع الموت يتغيّر في الزمان وفي المكان، يتغيّر انطلاقاً من وجود ما هو راسخ وهو ما نسمّيه بالمعتقد وبآلية استمرار المعتقد من خلال التقليد أو الطقوس المرافقة للتقليد من أجل استمرارية المعتقد، والعادة أيضاً التي تتغيّر بتغيّر نمط الحياة في المجتمع، ممكن أن تكون العادة في مكان ما ومن ثم تصير في مكان آخر ولكن التعاطي مع الموت أو التعاطي مع الزواج أو التعاطي مع الولادة يبقى ثابتاً كتقليد، آلية التعاطي مع هذه الظواهر الاجتماعية الموجودة في المجتمع هي التي تتغيّر.

غسان الشامي: نعم ولكن من حديثك يبدو أن هذه المعتقدات تصبح طغيانية بمعنى أنها تترسخ كمسلّمات لدى الكثيرين، هل هي عاصية على التغيير؟ هل هي مقاومة للتطور؟

عاطف عطية: المعتقد لا شك أنه شبه ثابت وخصوصاً في ما يتعلق بالمعتقدات الدينية، إنها معتقدات ثابتة، كل دين من الأديان له عقيدة وله تشريع يحاول أن يطبّق هذه العقيدة في الحياة اليومية. إذا تكلّمنا عن المعتقدات فإننا نتكلّم عن شيء ثابت في المعتقد الديني، يمكن لهذا المعتقد أن يكون غير ديني، يمكن أن يكون معتقداً فلسفياً، يمكن أن يكون معتقداً سياسياً، ولكن هذا المعتقد الفلسفي أو السياسي هو معتقد يمكن أن يتغيّر وهو سهل التغيّر، يعني من الممكن أن أنتقل من هذا المذهب الفلسفي إلى هذا الفلسفي أو من هذا المذهب السياسي إلى هذا المذهب السياسي، ولكن ما هو عصيّ على التغيير ومن النادر على الإنسان أن يغيّر دينه أو مذهبه، ما هو ثابت أن المعتقد الديني هو المعتقد الذي لا يتغيّر وما يحفظ ثباته هو تلك التقنيات التي يمكن أن نطلق عليها إسم الطقوس أو التقاليد في التعاطي مع هذا المعتقد من أجل أن يبقى مستمراً وينتقل من جيل إلى جيل حتى إلى الأجيال التي لم تولد، يُهيَّئ الجيل القادم من أجل أن يحمل هذه المعتقدات وأن يؤمن بها لأن المعتقد هو إيماني ولا يدخل في إطار البرهان التجريبي.

غسان الشامي: لنأخذ العادات الأكثر التصاقاً بالحياة في مجتمعاتنا، لنبدأ بالولادة، لنأخذها كما هي كعادة ومن حيث المعتقد.

عاطف عطية: أول ما يتبادر إلى ذهننا في مسألة الولادة هي استمرارية الجنس البشري، عندما يتزوّج الإنسان أول ما يفكّر فيه هو أن يولد له الأولاد، هذه المسألة في غاية الأهمية بالنسبة للأب الذي يتزوّج، الولادة هنا هي التي تعني استمرارية الجنس البشري. دعنا نتحدّث على المستوى الضيّق، هي استمرارية الأسرة، العائلة، أنا مثلاً عندما حظيت بالحفيد لم أكن أشعر سابقاً بهذا الشعور، أولاً يمكن أن أنطلق في هذا التفكير من استمرارية الأسرة، الأب يولّد الحفيد ليحسّ الجد بأنه مستمر في المستقبل.   

غسان الشامي: ولكن هذا مثلاً في المجتمعات الغربية يبدو أنه لم يعد له هذا الوجود، هناك أمّهات عازبات، هناك مجتمعات نصفها أمّهات عازبات.

عاطف عطية: ولكن الأمّ العازبة تعني أن الأبوّة موجودة، لو لم تكن هناك أبوّة لما وُلِد هذا الطفل وإن كان هذا الطفل في كنف والدته وليس في كنف أبيه، الأمّ هنا تحسّ بأنها مستمرة انطلاقاً من استمرار إبنها ومن ثم تحاول أن تجعل من هذا الإبن أباً في المستقبل، دعنا نقول غريزة الاستمرار في الأسرة هي التي تجعل الأمّ أو الأب يستمرّان من خلال الأبناء ومن ثم من خلال الأحفاد، لهذا السبب في أي مجتمع من المجتمعات وحتى في المجتمعات الأكثر تقدماً لا شك أن هناك أسرة، طبعاً هناك مشكلة في المجتمعات المتقدمة وخصوصاً المجتمعات الغربية لأنها تعاني من تناقص في الولادات، ويحسّ المجتمع الغربي اليوم أنه مهدّد بالانقراض إذا بقي على هذا المنوال من خلال الاستمرار، لهذا السبب هم يعيدون النظر في كل ما له علاقة بعمليات الزواج والإنجاب.  

غسان الشامي: هنا سآتي إلى الزواج، هل هو معتقد أم هو طقس أم هو حال بيولوجية؟

عاطف عطية: بالنسبة للإنسان، نحن نعرف أن كل الحيوانات تتناسل وتستمر من خلال عملية التناسل، الزواج هو العنوان الأرقى في العلاقات الجنسية بين الكائنات الحيّة، هذا السبب يُعطى له التقليد الذي يبارك هذه العملية من الناحية الشرعية في البداية، في أي مجتمع من المجتمعات، في أية قبيلة من القبائل هناك أصول وهناك مبادئ أساسية لعملية الزواج، مثلاً القبيلة لا تتزوّج من داخلها بل تتزوّج من قبيلة أخرى والقبيلة الأخرى يمكن أن تتزوّج من قبيلة ثالثة وليس من القبيلة الأولى، ولكن هذه العمليات مضبوطة بشكل لا يمكن الخروج عنها أو لا يمكن مخالفتها إلى أن وصلت في التشريعات الدينية إلى إقامة طقوس محدّدة وصلوات محدّدة عند كل الأديان من أجل عقد زواج شرعي حتى لا يبقى الزواج متفلتاً من كل الضوابط، لهذا السبب للزواج تقاليد محدّدة، إذا أردنا أن نأخذ على مستوى العالم المشرقي في مجتمعاتنا هناك تشابه مطلق في كيفية التعاطي مع عملية الزواج إن كان بالنسبة لانتقاء العروس، إن كان بالنسبة للطقوس المرافقة لهذه العملية، إن كان بالنسبة للخطبة، إن كان بالنسبة للأعراس، إن كان بالنسبة لانتقال العروس من بيت أهلها إلى بيت الزوجية إلى آخره، هناك طقوس مدروسة بدقّة وهناك حساسية مطلقة وأنا لاحظتها في دراستي لعلاقات الزواج وللأعراس في المشرق العربي كله من العراق حتى بلاد الشام، ووصلت إلى نتيجة أن هناك حساسية بين أهل العريس وأهل العروس تكون في أقصى درجاتها في هذه المرحلة من التبادل والانتقال من بيت العروس إلى بيت العريس.

غسان الشامي: وكأن هذه العائلة تنتزع من تلك العائلة شيئاً ثميناً.

عاطف عطية: بالضبط، ليس فقط شيئاً ثميناً وممارسة العلاقات الزوجية وإن كان في إطارها الشرعي، هذه المسألة تظهر بوضوح ووجدتها في كل الأعراس التي درستها في كل منطقة المشرق، هذه المسألة في غاية الأهمية وأنا سأحضّر دراسة حول هذا الموضوع في المؤتمر القادم.

غسان الشامي: سنذهب إلى الموت، التقليد والعادة الأكثر التصاقاً في المجتمع البشري.  

عاطف عطية: في ظاهرة الموت هناك تقاليد لا يمكن تجاوزها، أولاً لا بدّ من الصلاة على الميت مهما كان دينه، مهما كان جنسه، مهما كان موطنه وفي أي زمان كان، يجب أن يأخذ الميت معه كل الطقوس التي يمكن أن تساعده في أن يعيش في حياة أخرى أفضل من حياته هنا ولو كان غير متديّن، ولو كان ملحداً.

غسان الشامي: وتُنسى كل سيئاته.

عاطف عطية: أذكروا محاسن موتاكم، والعمل قدر الإمكان على أن يكون الموت هو الطريق الذي يعطي لهذا الميت حياة أفضل من حياته وزوجاً أفضل من زوجه وأرضاً أفضل من أرضه إلى آخره.

غسان الشامي: الاعتقاد بالقوة الإلهية الخارقة بدأ على ما يبدو مع بدايات الإنسان، ربما لم تكن صورة الإله على هذه الشاكلة التوحيدية ولكن كان هناك اعتقاد بقوّة خارقة ميتافيزيقية، هل تميل بدراستك إلى أن الطبيعة البشرية لديها هذه الرهبة وهذا الخوف من وجود قوّة خارقة، قوّة سُميّت في ما بعد إلهية؟   

عاطف عطية: بالطبع، لا شك أن الإنسان منذ البداية وحتى الآن عندما يتطلّع حوله ويرى ما لا يستطيع تفسيره ينسبه إلى قوى خارقة، ماذا عليه أن يفعل في هذه الحال؟ إذا نظر إلى الشمس، إذا نظر إلى القمر، إذا نظر إلى العواصف، إذا نظر إلى الرياح، إذا نظر إلى تغيّر الطقس، إذا نظر إلى الشتاء إلى آخره فإنه يعتقد أن هذه الظواهر هي قوى إلهية خارقة عليه مرضاتها، عليه أن يسترضيها بتقديم كل ما يلزم من أضاحٍ حتى أضاحي بشرية من أجل اتّقاء شرّها ومن أجل أن تكون مناصرة له بدل من أن تكون عدوّة له. هذه المسألة لا تزال موجودة كما هي حتى الآن ولكن بتغيّر الظروف والأحوال، اليوم مثلاً عندما نقول إن الله رحمان رحيم يجيبني "ولكنه شديد العقاب"، عندما تخالف الأوامر الإلهية فإن ذلك يعني أنك ستلقى عواقب ما فعلت، لهذا السبب الخوف من القوى الخارقة، من الله، من الآلهة في الزمن القديم هي من أجل أن يسترضيها.

غسان الشامي: دكتور عطية بمعنى من المعاني أن العقائدية هنا هي ناجمة تحديداً عن الخوف، معتقدات مرتبطة تماماً بالخوف؟

عاطف عطية: أنا أعتقد ذلك، لماذا؟ المعتقد أو العقيدة أو الاعتقاد هو إيمان كلّي شامل بفكرة محددة، هذه الفكرة المحددة عليّ ليس فقط أن أؤمن بها بل أن أستمر في الإيمان بها وأن أنقل هذا الإيمان إلى الأجيال القادمة، لهذا السبب الإيمان بالمعتقد يجب أن يستمر من خلال إقامة طقوس محدّدة وإلا يُنتسى هذا المعتقد. إذا أخذنا على سبيل المثال القيامة في المسيحية التي تأتي بعد العذاب، بعد أسبوع الآلام عند المسيحيين، هذه المسألة مفصّلة تماماً في الطقوس المرافقة لأسبوع الآلام وصولاً إلى مرحلة الفرح بالقيامة، هذا الاعتقاد موجود لدى كل المسيحيين.

غسان الشامي: أعتقد أن الدكتور يوسف الحوراني في كتابه "البنية الذهنية الحضارية في الشرق المتوسطي الآسيوي القديم" ينسب الاعتقادات إلى الخوف والضعف، إلى الضعف تحديداً.

عاطف عطية: الضعف البشري أمام القدرة الإلهية المطلقة، هذا الضعف كيف على الإنسان أن يسيطر عليه؟ يسيطر عليه من خلال الراحة النفسية التي يمكن أن يحصل عليها عندما يقوم بما يُرضي الله.

غسان الشامي: ما الخيط الناظم للمعتقدات والطقوس في أديان الشرق القديم؟

عاطف عطية: فهم المعتقد على أي دين كان، التقينات المرافقة لاستمرارية المعتقد من خلال إقامة الطقوس التي هي تقاليد محددة تبقى وتستمر بعادات متغايرة بتغاير الظروف والأحوال، مثلاً عندما يقام تقليد عاشوراء عند الشيعة بطقوس محدّدة، إذا نظرنا إلى هذه الطقوس منذ 50 سنة أو منذ مئة سنة ونظرنا إليها الآن نرى الحركات مغايرة بأساليب مغايرة، بتقنيات مغايرة، يمكن أن تُستعمل الكهرباء، يمكن أن يُستعمل مكبر الصوت، يمكن أن يُستعمل الإشارات السينمائية أو غيرها، هذا ما يجعل التقليد يستمر ولكن بتقنيات مغايرة من أجل تأبيد عملية مقتل الحسين مثلاً أو صلب المسيح أو غير ذلك.

غسان الشامي: نعم، أو حتى العقيدة التموزية ما قبل ذلك.

عاطف عطية: بالضبط.  

غسان الشامي: إسمح لي أن أذهب إلى فاصل، فاصل أعزائي ثم نعود إلى الحوار مع الدكتور عاطف عطية، موضوعنا المعتقدات في العادات والتقاليد في المشرق القديم والمعاصر، انتظرونا.

المحور الثاني:

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدّداً في أجراس المشرق، دكتور عاطف عطية أين تتقاطع المعتقدات مع الأساطير وأين تفترق؟  

عاطف عطية: لنبدأ أولاً بالأساطير، الأساطير في بدايتها هي عبارة عن تفكّر في كيفية نشوء العالم، في كيفية نشوء الكون وفي كيفية حكم الكون من خلال آلهة في علاقاتهم مع البشر، هذه المسألة أكثر ما عبّر عنها فعلاً هو جلجامش في ملحمة جلجامش وأنكيدو، هذه الملحمة الرائعة والراقية والحضارية منذ خمسة آلاف سنة وحتى الآن تبيّن لنا كيفية تفكير الإنسان بالخلود انطلاقاً من فكرة تقول بأنه شبع من هذه الدنيا وحصل على كل شيء ولم يعد ينقصه شيء حتى وصل إلى مرحلة التفكير في أن يكون إلهاً، هذه المسألة تبيّن لنا أن الإنسان لا يشبع من هذه الدنيا وإذا شبع منها يفكّر في مسألة الألوهة، ولكن بما أنه إنسان فلا يمكن أن يصل إلى هذه المرحلة. في هذه الطريقة من التعاطي مع الأسطورة نصل إلى مرحلة مثلاً في اجتماع للآلهة يقول الإله أنليل أن الفساد ضرب في الأرض وما علينا إلا أن نمحي الجنس البشري.   

غسان الشامي: الآن هناك فساد في الأرض وكثيرون ينتظرون النيزك.

عاطف عطية: لا يستطيع أحد من الآلهة أن يناقشه إلا أن أحد الآلهة يطلب من الشخص الإنسان الذي هو خارق الذكاء أنه ماذا علينا أن نفعل من أجل أن لا نصل إلى هذه المرحلة، يقول له ما علينا إلا أن نقنع الآلهة بأن البشر لو ذهبوا على مَن ستكونون آلهة، هذا المستوى من التفكير منذ خمسة آلاف سنة وحتى الآن ليس بالأمر السهل فاقتنع الآلهة بأن عليهم أن يبقوا على الجنس البشري لأن ذهابهم يعني ذهاب الآلهة.

غسان الشامي: ولكن هذا أيضاً أسطَر الحياة الإنسانية أيضاً أي جعلها أسطورية وغير واقعية.

عاطف عطية: ولكن في الوقت نفسه أعطى نوعاً من التفسير المنطقي والعقلاني للإنسان في ذلك الزمان، يعني عندما انتُقي من الكائنات ما يمكن أن يستمر من أجل بقاء الجنس البشري ومن أجل صلاح هذا الجنس كوفئ هذا الإنسان بأن يكون إلهاً. لماذا لا يكون جلجامش هكذا؟ وبكل بساطة جلجامش عندما يصل إلى مرحلة الحصول على الزهرة أو على النبتة التي تؤمّن له الخلود، بكل بساطة عندما كان مرتاحاً على النبع تقوم حيّة من داخل الماء وتأخذ النبتة وتغوص فيتأسّف ويبكي وعند ذلك اقتنع بأن عليه أن يفعل الأعمال الصالحة من أجل أن يخلد في أذهان الناس لأنه لا يستطيع أن يكون إلهاً. هذا على مستوى الأسطورة، على مستوى المعتقد فالمعتقد يجب أن يضمّ نواة أساسية للإنسان يؤمن بها باعتبارها الحقيقة المطلقة بالنسبة إليه، وعليه أن يؤمن بهذه الحقيقة وأن يعتبرها هي الحقيقة المطلقة. اليوم في المعتقدات قبل أن تصل مسألة الآخر والإنسان والديمقراطية، لم تكن هذه المسألة موجودة، المسيحية كانت تمثّل الحقيقة المطلقة ضد كل ما هو قبل المسيحية، جاء الإسلام ليُظهر أنه يمثّل الحقيقة المطلقة بعدما كانت المسيحية وهكذا. الآن بدأ التفكير بأن يعيش الناس مع بعضهم البعض بصرف النظر عن إيمانهم أو معتقداتهم، لكلٍّ معتقده وما علينا إلا أن نتكيّف مع هذه المعتقدات المختلفة لأننا نعيش على أرض محدّدة وعلينا أن نتعاون في هذه الأرض بصرف النظر عن انتماءاتنا أو عن اعتقاداتنا لنصل في النهاية لأن يفعل الله بنا ما يشاء.  

غسان الشامي: هذا يدفعني إلى السؤال متى تحوّل المعتقد الديني إلى ناظم للحياة البشرية؟ وما أثر المدنيّة أو الحداثة في الغرب في تحلّله في أماكن أخرى من العالم؟   

عاطف عطية: أولاً بالنسبة للمعتقدات الدينية، حتى فترة زمينة محددة كانت تُعتبر المعتقدات التي لا تناقَش، العصر السكولاستيكي مثلاً في أوروبا عندما وصل الأمر إلى فصل الدين عن الدولة في الثورة الفرنسية والثورة الإنكليزية بدأت تحلّ أفكار وضعيّة ليس مكان الأفكار الدينية بل إلى جانبها، إذاً هناك نوع من الاختلاف في الاعتقادات بين ما هو ديني وبين ما هو مدني، بين ما هو فلسفي وضعي وبين ما هو ديني مستخرج من السيرة الدينية منذ بداية الخليقة حتى القرن السادس عشر أو السابع عشر. في هذه المرحلة حصل نوع من التوافق أو التوازن بين الفكر الديني والفكر الوضعي المدني، وانطلاقاً من المجتمع الذي يتطوّر أكثر مما يتطور به المجتمع الديني أو العقيدة الدينية أصبح هناك نوع من الفصل، تطوُّر الدين بطيء لأنه معتقد، الفلسفة أو الفكر الوضعي هو إنتاج إنساني سريع التطور وسريع التغيّر وبالتالي سيسبق الفكر الديني، لهذا السبب كانت المجامع المقدسة تُعقد من أجل ماذا منذ القرن الرابع للميلاد وحتى القرن الثامن عشر.

غسان الشامي: في سبيل تطوير.

عاطف عطية: كي تترافق أو تتكيّف مع التطوير الإنساني، وعندما وصل الأمر إلى أن سبق الفكر المدني الفكر الديني صار هناك نوع من العلمنة أو فصل الدين عن الدولة.

غسان الشامي: لنبدأ بالدخول في موضوع المعارف الشعبية، ما علاقة المعارف الشعبية بالمعتقد؟ وأين تتجلّى المعتقدات الشعبية؟ وكيف نصفها؟

عاطف عطية: المعتقدات الشعبية في كل الأحوال كما تكلمنا في الماضي عن المسائل التي لها علاقة بالأسطورة أو بالحكاية إلى آخره، لها علاقة ببساطة عقل الإنسان، على الإنسان أن يعتقد بما يتناسب مع قدرته العقلانية أو دعنا نقول قدرته الذهنية كي يشعر بنوع من الراحة، بنوع من البساطة في حياته، فكان يتوسّل كل الوسائل من أجل الوصول إلى قناعة ذاتية بصرف النظر عن صحتها أو عدم صحتها لأن الإنسان لا يستطيع أن يكون في فراغ، لا بد من أن يعبّئ تساؤلاته بأجوبة بصرف النظر عن صحتها كي يستطيع أن يكمل حياته بشكل مطمئن، فظهر هنا كل ما له علاقة بالمعتقدات السحرية التي تشمل كل المسائل إن كان لها علاقة بالسحر، بالحسد، بصيبة العين، أي المسائل المعتقدية التي هي خارج الإطار العقلي ولكن ضمن الإطار الذهني الذي يعطي للإنسان الشعبي البسيط نوعاً من الطمأنينة في حياته.

غسان الشامي: دكتور عطية هل من معتقدات حديثة ومعاصرة في منطقتنا أم أن القديم هو على قِدمه تتغيّر وسائل التعبير عنه؟  

عاطف عطية: إذا كان الكلام عن المعتقدات الدينية فهي لا تزال حتى الآن راسخة.

غسان الشامي: كلا هناك معتقدات أخرى غير الدينية.

عاطف عطية: إذاً لندخل في معتقدات أخرى إن كان على المستوى الفلسفي، المعتقد المثالي أو المعتقد الواقعي أو المعتقد الذي يتعاطى مع الواقع أو الذي يتعاطى مع ما يجب أن يكون عليه الواقع، هذه مذاهب ومعتقدات فلسفية وموجودة في الفلسفة، لهذا السبب عندما تكلّمنا عن موضوع أنواع المعتقدات قلنا إن المعتقدات الفلسفية أو المعتقدات السياسية أو المعتقدات الفكرية هي معتقدات موجودة ولكن هناك سهولة في تغيّرها مختلف عن المعتقدات الدينية.  

غسان الشامي: ألم يؤثّر العلم، الإنجاز العلمي، المعتقدات الفكرية والسياسية والفلسفية وتطورّاتها وتبدياتها في المعتقد الديني؟ ألم تخلخل ثباته ولا للحظة؟

عاطف عطية: لا شك أنها خلخلت ثباته إن كان على المستوى الفلسفي، هناك مذهب إلحادي يقول أن هذا العالم تكوّن في لحظة من اللحظات في حياة التاريخ، الانفجار الكبير، وهناك معتقدات سياسية تضع المسألة الدينية جانباً باعتبار أنها إذا بقيت على ما هي عليه من معتقدات جامدة تفتّت المجتمع وتجعله مجتمعات دينية مختلفة، فنظرت إلى مسألة المجتمع على اعتبار أنه مجتمع يتكوّن من مختلف المذاهب والأديان ولكنه يجب عليه أن يكون متمسّكاً بعقيدة علمانية أو دنيوية تسمح لهؤلاء أن يعيشوا مع بعضهم البعض وأن يتعاونوا مع بعضهم البعض انطلاقاً من فكرة تقول كما قالها البستاني منذ أكثر من مئة سنة "الدين لله والوطن للجميع"، ووصلنا إلى أن يكون هناك نوع من الدنيوية التي تقول بأن المجتمع عليه أن يتعاون في ما بينه ونترك الأمور الدينية إلى الله يفعل بالمؤمنين كما يريد وكما يشاء، ولكن نحن مجبرون في هذا العالم على أن نتعاون في ما بيننا وهذا كلام قاله إبن خلدون منذ 600 سنة.

غسان الشامي: هل ما يزال إبن خلدون على ذكره وهو قيدوم علم الاجتماع قديماً وقيدومه معاصراً بالمناسبة، هل ما قاله عن تطوّر المجتمعات البشرية ومراحلها ينطبق على بلادنا في المعتقدات والعادات؟

عاطف عطية: أنا من أنصار إبن خلدون.

غسان الشامي: الكثيرون من أنصاره.

عاطف عطية: أنا من أنصار إبن خلدون وأعتبر أنه أول مفكّر عربي أعطى للمجتمعات العربية، أعطى للعالم العربي نوعاً من التفسير الذي يبيّن كيفية تطوّر هذه المجتمعات وكيفية انتقالها من الطور الضروري أو من الطور البدوي، وكلمة البدوي هنا أفسّرها وأشرحها بأنها طور البداية، كلمة بدوي تأتي من البداية أي بداية الاجتماع الإنساني، البدوي هنا بمعنى بداية الاجتماع الإنساني، البدوي الذي يعتمد فقط على الضروري من الحياة والمجتمع الحضري الذي تجاوز الضروري من الحياة إلى الكمالي حتى أصبح الكمالي ضرورياً بالنسبة إليه ووصل إلى التفكير في كمالي جديد، وهكذا يتطوّر المجتمع الإنساني، ويعتبر إبن خلدون أن عماد المجتمع العربي أو المجتعمات العربية كما تشاء هي مسألة القرابة والنسب، مسألة القبيلة، مسألة العائلة بالمعنى الضيّق لهذه الكلمة.  

غسان الشامي: ولكن مفهوم القرابة والنسب هو مفهوم يتعلق بالمفهوم الدموي.

عاطف عطية: بالضبط، النسب الدموي.

غسان الشامي: العالم المعاصر تجاوزه.

عاطف عطية: ولكن نحن في مجتمعاتنا العربية لا نزال حتى الآن نعيش هذه الحال من العصبية على مستوى القرابة، أكثر من دراسة ظهرت تبيّن أن مسألة القرابة تسبق في ذهن الإنسان العربي مسألة الدين، القرابة تأتي في الدرجة الأولى ومن ثم يأتي الدين ويُعبَّر عن ذلك بالمقولة المشهورة "أنا وأخي على إبن عمي وأنا وإبن عمي على الغريب".

غسان الشامي: وأنت دائماً تعيد أخذي إلى المفاهيم الشعبية لأنها أثيرة لديك وأنا أريد أن أذهب وإياك إلى المنطوق الفكري. على كل حال هل العادات من خلال قراءتها هي عادات مطاطة قابلة للتغيير أو لأن تتوسع أو أن تنكمش في بلادنا حسب أيضاً المفهوم الإبن خلدوني لقراءته لبنية المجتمع العربي؟  

عاطف عطية: إبن خلدون يقول إن الإنسان إبن عوائده في أي مكان وفي أي زمان، أنت حينما تحلق ذقنك تحلقها بطريقة واحدة يومياً.   

غسان الشامي: أنا بالمناسبة لا أحلقها.

عاطف عطية: حين تنسّقها تنسّقها بطريقة موحّدة بين يوم وآخر، حين تلبس ربطة العنق تلبسها بطريقة محدّدة، عندما تربط شريط الحذاء تقوم بذلك بطريقة معينة، حينما ترتدي ثيابك، هذه العادات التي يمارسها الإنسان بشكل يومي حتى من دون أن يفكّر فيها، حتى من دون أن يتذكر أنه أشعل سيجارة، هناك أناس يشعلون السيجارة من دون أن يشعروا أنهم أشعلوها، بناء على العادة، عندما تركب دراجة أو سيارة وتسوقها بطريقة محددة إلى آخره. العادة ليست فقط مسيطرة على الإنسان ولكن الإنسان في الوقت نفسه يستطيع أن يغيّر العادة إذا أراد، مثلاً المدخّن يقلع عن التدخين، شخص يركب دراجة وأقلع عن ركوبها لمدة 20 سنة ولكنه إذا أراد العودة لركوبها فإنه يستطيع على الرغم من نسيانه المسألة. إذاً العادة بالنسبة للتقليد سريعة التغيّر، يستطيع الإنسان أن يغيّرها بطريقة ما ولكن حتى العادة هي في خدمة التقليد يعني عندما نقوم بممارسة أي تقليد من التقاليد علينا أن نمارس عادات محدّدة في ممارسة هذا التقليد ولكن التقليد يبقى ثابتاً ولكن العادات المرافقة لهذا التقليد والتي تنفّذ هذ التقليد يمكن أن تكون متغيّرة بين فترة وفترة، بين جيل وجيل إلى آخره.   

غسان الشامي: إذا أخذنا مفهوم المراحل المعرفية التي يمرّ بها المجتمع الإنساني عبر قراءة أوغست كونت أو قانون الحالات الثلاث أي اللاهوتية والفلسفية الغيبية والمرحلة الوضعية، وأخذنا هذه المازورة وحاولنا قياسها على ما خلصتم إليه في المعتقدات، لنبدأ بمعتقداتنا بالمرحلة اللاهوتية ما هو توصيفها الآن في منطقتنا؟ وأين نحن منها بعد هذا العمر الطويل من بدايتها؟

عاطف عطية: في البداية لا بد من التأكيد على أن الدين جاء لكل الناس، هذه المسألة ننطلق منها، الدين ليس مسألة فلسفية بل مسألة شعبية جاء لكل الناس وعلى كل الناس أن يكونوا مؤمنين أو أن يتديّنوا بدين محدد، لا وجود لمجتمع من دون دين مهما كان هذا النوع ولكن حتى ضمن التفكّر الديني هناك ما هو إيمان ديني شعبي وهناك ما هو إيمان ديني أكثر من شعبي وهناك ما هو إيمان ديني فلسفي، هذا الكلام قاله إبن رشد منذ 1100 سنة وليس أمراً جديداً، "حدّثوا الناس على قدر عقولهم أتريدون أن يكذب الله ورسوله"، ماذا يعني لنا هذا الكلام؟ يعني أن المسألة الدينية هي مسألة متعلقة بذهنية الناس التي هي ذهنيات متطابقة، طابق فوق طابق من الأدنى إلى الأوسط إلى الأعلى ولكن الفلسفة هي في المدار الأعلى، علم الكلم هو في المدار الأوسط، الفكر الديني الإيماني الشعبي البسيط يقول "إن الله في السماء"، يقول عالم الكلام مثلاً "إن الله موجود في كل مكان"، يقول الفيلسوف "إن الله موجود بذاته ولذاته وليس بحاجة لأي مكان ليثبت ذاته"، هذا الكلام قاله إبن رشد، إبن رشد يتكلّم في مسألة تحدّث عنها الغرب منذ مئة أو مئتي سنة وهي المسألة النسبية أن كل شخص ينظر إلى المسألة انطلاقاً مما يعرفه. أوغست كونت قال أن هناك تقسيماً لثلاث مراحل، ماركس قال هناك تقسيم لخمس مراحل بناءً على علاقات الإنتاج من المشاعية وصولاً إلى الشيوعية، وهناك مَن يقول بأن المجتمع هو وليد ذاته ويتطوّر من خلال ذاته انطلاقاً من هوية معينة ولا بأس بأن يستفيد من ثقافات الآخرين ومن تفاعله معهم، إذاً علينا أن ننظر إلى هذه المسألة انطلاقاً من نسبية العلاقات الدينية، نسبية العلاقات الدينية تعني أن هناك ديناً بسيطاً للناس العاديين الذين يأخذون المسائل بظواهرها.  

غسان الشامي: حتى أستكمل لأن لديّ بعد عدّة أسئلة، المرحلة الغيبية في معتقداتنا نحن في المنطقة. 

عاطف عطية: المرحلة الغيبية هي المرحلة التي تسلّم بكل شيء إلى خالق هذا الكون.

غسان الشامي: هل هي مستمرة حتى اللحظة؟ 

عاطف عطية: لا شك إنها مستمرة وموجودة لدى كل الأديان، إذا أردنا أن نقول عن المنطقة في المشرق هناك المسيحية وهناك الإسلام وهناك اليهودية مثلاً، عندما يترك المؤمن كل شيء إلى الإرادة الإلهية ويقول إن الله هو الذي يعيلني، هو الذي يشفيني، هذه المسائل هي اعتقادات غيبية من دون أن يفعل شيئاً من أجل أن يصل إلى هذه المرحلة.  

غسان الشامي: والمرحلة الوضعية؟

عاطف عطية: المرحلة الوضعية هي التي يستولي فيها العقل على مدارك الناس.

غسان الشامي: تبدأ في منطقتنا من المذهب العقلي عند إبن رشد.

عاطف عطية: حتى قبل إبن رشد، مثلاً المرجئة والمعتزلة والأشاعرة منذ بدايات العصر الإسلامي كانوا يتباحثون ويتناقشون في هذه المسائل.

غسان الشامي: والآن هل نتباحث؟

عاطف عطية: لا نزال حتى الآن في مرحلة متأخّرة أكثر من ألف سنة، هذه مسألة في غاية الخطورة، نحن نعيش اليوم في حال غيبية إيمانية نترك الأمور على عواهنها ولا نستعمل العقل في الوصول إلى تحليل ما نعيش به إلا عند الأقلية من الناس.  

غسان الشامي: أخيراً ما هو المؤتلَف والمختلَف؟ ومَن هم المؤتلفون والمختلفون في ما يتعلق بالمعتقدات في المشرق؟

عاطف عطية: أولاً بالنسبة للمعتقدات في المشرق هناك جامع مشترك لهذه المعتقدات هو ما يمثّل العلاقة بين الإنسان وبين خالقه انطلاقاً من مسائل في غاية الأهمية، يتوجّب علينا في هذا الإطار أن نبحث في المفكّر العربي الكبير يوسف شلحد وهو حلبي وعاش في فرنسا وأول من قدّم كتباً في مجال علم الاجتماع الديني يترافق معه أنطون سعاده في الثلاثينات من القرن العشرين في كتابه "نشوء الأمم"، كتب يوسف شلحد وكتاب أنطون سعاده "نشوء الأمم" هي الكتابات التي تُظهر أهمية المعتقد وكيفية تأثيره على الفكر الإنساني، عندما يبحث شلحد في مسألة المعتقد وأهميته في توجيه مدارك الناس.

غسان الشامي: بقي معي دقيقة، أكمل لو سمحت.

عاطف عطية: هنا نصل إلى مرحلة هي الاعتقاد المؤتلف بين جميع الناس وجميع المجتمعات انطلاقاً من فكرة العلاقة بين الإنسان وبين الخالق، في المرحلة الوسطى بين الإنسان والخالق هو اعتماد العقل في النظر إلى الخالق. العقلانية لا تلغي المعتقد الديني، العقلانية تنظر إلى المعتقد الديني باعتباره معتقداً يمكن أن يؤوَّل بالعقل كما كان يقول إبن رشد، لهذا السبب المعتقد هو ما يمكن أن يُظهر العلاقة بين الإنسان والخالق، هذا على الأقل على المستوى الديني، على المستوى السياسي أو العقائدي الفكري أو الفلسفي نكون في مكان آخر.            

غسان الشامي: أشكرك سيّدي، إذا لم يكتشف المرء بنية مجتمعه وطرائق التفكير والاعتقاد فيه فسيبقى غريباً عنه أو يمارس التقليد الببغائي لما يحدث فيه. شكراً للدكتور عاطف عطية على إضاءاته، شكراً لكم زملائي في البرنامج وقناة الميادين على جهودكم، لكم مني جميعاً سلام عليكم وسلام لكم، شكراً.