لعبة الأمم

برنامج حواري أسبوعي يرصد القضايا والملفات السياسية الساخنة أو الباردة الإقليمية والدولية من منظار جيو - سياسي. يقارب ما تفرضه الجغرافيا بكل عناصرها من متغيرات في تحديد السياسات العامة للدول وبالتالي في رسم الاستراتيجيات السياسية والامنية والعسكرية.

الصين والعرب على طريق الحرير

يتوسع دور الصين الاقتصادي والسياسي فتقلق واشنطن.. أين العرب بينهما؟ العلاقات العربية الصينية تعود إلى أكثر من ألفَي عام عبر طريق الحرير هل يستفيد العرب من إحياء الطريق والحزام؟ للصين علاقات قوية مع إسرائيل لكن موقفها ثابت حيال فلسطين ورافض للتدخل الدولي في سوريا ومتقدم صوب الخليج وأفريقيا، فماذا عن الإسلام الذي دخلها في القرن السابعِ للميلاد؟

 

سامي كليب: أهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج "لعبة الأمم" عبر قناة "الميادين". من لا يعرِف (الصين) في عصرنا إنّما يجهل حقيقة خُمس سكّان العالم. فمع تخطّيها عتبة المليار وأربعمئة مليون نسمة تبقى (الصين) الدولة الأولى في عدد السُكّان عالمياً، تُشكِّل تقريباً عشرين في المئة من مُجمل عدد البشر أي تقريباً أربعة أضعاف عدد سكّان (أميركا)، نحو ثلاثة أضعاف عدد سكّان الاتحاد الأوروبي وأربعة أضعاف على الأقل عدد العرب مُجتمعين. ليس العدد هو الأهم، فـ (الصين) ومنذ تبنّت مبدأي الإصلاح والانفتاح قبل أكثر من ثلاثين عاماً تشهد تطوراً اقتصادياً كبيراً سمح لها بأن تبدأ بتوسيع دوريها السياسي والاقتصادي في العالم ما جعلَ (أميركا) وبعض الدول الأطلسية تقلق من تنامي هذا الدور وتُحاول التضييق عليه كما نرى هذه الأيام. العلاقات بين (الصين) والعرب قديمة يعود بعضها إلى أكثر من ألفيّ عام عبر طريق الحرير الذي تسعى (الصين) لإحيائه عبر ما يُسمّى حالياً بالطريق والحزام. أسئِلة كثيرة يطرحها العرب اليوم حول أهمية الاعتماد على (الصين) في مُستقبلهم رغم علاقتها القويّة مع (إسرائيل). فـ "بكين" أثبتت قدرتها على المُساهمة في إحداث توازن عالمي خصوصاً بعد موافقتها أو مواقفها اللافتة حيال قضايا عربية كثيرة، تحديداً الصراع العربي الإسرائيلي وحيال (إيران) التي قد يكون بعض تطويقها يستهدِف (الصين) أيضاً. لقد تسنّى لي أعزّائي المُشاهدين في الأسابيع القليلة الماضية زيارة (الصين) ودُهِشت لسُرعة النموّ والتطوُّر والتحوّلات الاقتصادية والاجتماعية اللافتة، شعرت فعلاً بعظمة هذه البلاد التي دخل إليها الإسلام في القرن السابع عشر والتي شهِدت كما الكثير من دول العالم انخراط بعض متشدّدي الإسلام فيها بالإرهاب في الشرق الأوسط في مناطق داخليّة أيضاً ما طَرح ولا يزال يطرح أسئِلة حول العلاقة مع المُسلمين وسط تقارير غربيّة تتحدّث عن التضييق عليهم. سنُناقش كلّ ذلك في هذه الحلقة والتي سنُشاهِد فيها أيضاً بعض اللقطات والتقارير الجميلة التي استطعت أن أُسجِّلها في خلال زيارتي قبل أيام إلى عددٍ من مناطق (الصين). يُسعدني لمناقشة كلّ ذلك أن أُرحِّب بكلٍّ من الدكتور "مسعود ضاهر" وهو رئيس جمعية الصداقة اللبنانية الصينية وله العديد من الكتابات حول (الصين) ومؤلّفات كثيرة حول (اليابان) أهلاً وسهلاً بك

مسعود ضاهر: أهلاً بك       

سامي كليب: من (بكين) معنا "شوي تشينغ غوَه" أو الدكتور "بسّام" باللغة العربية، عميد كليّة الآداب في جامعة (بكين) للدراسات الأجنبية، يعشق اللغة العربية وتعشقه وله الكثير الكثير في الواقع من الترجمات لكبار الأُدباء والشُعراء العرب. أهلاً وسهلاً بك دكتور "بسام"، سعيد أن تكون معنا للمرّة الثانية في هذا البرنامج. ومن (بغداد) معنا الدكتور "منتصر الرفاعي"، أكاديمي شاب وكاتب له مؤلَّف جميل جداً استفدت منه جداً في الواقع، إسمه تأثير الصعود الصيني في مُستقبل الهيمنة الأميركية. أهلاً وسهلاً بك دكتور، أهلاً بكم جميعاً إلى هذه الحلقة من "لعبة الأُمم"

المحور الأول

سامي كليب: أهلاً بكم جميعاً أعزّائي المُشاهدين وأهلاً بضيوفي الكرام، كأنّ دكتور "مسعود" الضغوط كبيرة هذه الأيام الأميركية على (الصين)، يعني تصريحات من (ترامب)، تضييق على الاقتصاد، تضييق على المُنتجات الصينية، فرض ضرائِب عالية، هلّ تتصوّر أنّ (الصين) صارت مُقلِقة لـ (أميركا) وليس لديها أي حلّ إلّا بحصارِها طالما التفاهُم لم ينجح؟

مسعود ضاهر: بدأ العصر الصيني. هناك مثل صيني يقول: "إذا رفسك الناس من الخلف معنى ذلك أنّك في المُقدِّمة". عندما تخاف الولايات المتحدة والدول الأوروبية من صعود (الصين) كما نبّه "نابوليون" من القرن التاسع عشر فمعنى ذلك أنّ (الصين) أصبحت في موقِع متقدِّم ولم يعُد في استطاعة لا الأوروبيين ولا الأميركيين إعاقة النموّ الصيني ودور (الصين) في العالم. ونحن نعرِف كرابطة لبنانية صينية كم أنّ (الصين) تقدمت على مستوى الدول العربية بشكلٍ كبير جداً، يعني لم تبقَ دولة عربيّة إلّا ولها علاقات جيِّدة مع (الصين) ولدى (الصين) حضور كبير في مشاريع إنمائية كبناء جامعات وخطط مُستشفيات وسكك حديد وخطط صناعة وزراعة، مشاريع كثيرة، ريّ وطاقة، موجودة في كلّ مكان

سامي كليب: حتّى الدول التي كانت تدور تاريخياً في الفلك الأميركي نلاحِظ أنها تنفتِح كثيراً على (الصين) حالياً، في رأيك لماذا؟ ماذا تُقدِّم (الصين) ما لا يُقدِّمه الآخرون، تحديداً الدول الغربية التي اعتاد جزء كبير من العرب الاعتماد عليها؟

مسعود ضاهر: هذا يبرُز من خلال موقف "توردو" رئيس وزراء (كندا) عندما طَرَحَ هو بنفسه أن تكون (كندا) جزءاً من مشروع "الحزام والطريق"، مع أنها موجودة بعيداً. معنى ذلك أنّ (الصين) لديها طاقة اقتصادية كبيرة وقد عرضنا لهذا الموضوع في شهر أيّار/ مايو الماضي، كان هناك مؤتمر كبير والأعداد كانت بالآلاف، نشاط كبير جداً حول الحضارات الآسيوية، كيفية التفاعُل بين الحضارات الآسيوية والموقف من الحضارات الأُخرى. فعملياً نُلاحِظ اليوم أننا أمام عولمتين ليس عولمة واحدة، عولمة عسكرية تقودها الولايات المتحدة والسرعة الأساسية فيها هي السلاح بكلّ أنواعه الصغير والمتوسّط والكبير

سامي كليب: صحيح

مسعود ضاهر: وعولمة اقتصادية تقودها في شكلٍ أساسي (الصين) باعتبار أنّ (الصين) الآن هي مصنع العالم وتقريباً أكثر من نصف السلع الموجودة في الأسواق العالمية هي صناعة صينية

سامي كليب: صحيح

مسعود ضاهر: فلو رجعنا إلى دروس التاريخ، أيّة دولة استخدمت الأُسلوب العسكري كوسيلة للسيطرة على العالم فشِلت. يعني نبدأ بـ "نابوليون" الذي خاض حروباً تفوق العشر معارِك وانتهى بهزيمة (فرنسا)، بعده "هتلر" وإمبراطور (اليابان) و"محمّد علي"

سامي كليب: صحيح

مسعود ضاهر: و"ستالين" في مُحاولة السيطرة على الشرق، بينما من اتّخَذ القوّة الناعمة في الأساس هي التي تُطوِّر الشعوب، وقديماً قيل أنّ بلاد (اليونان) المغلوبة غزت (روما) الغالِبة، غزتها ثقافياً. الرومان غزوا اليونانيين عسكرياً و(اليونان) غزت الرومان ثقافياً

سامي كليب: حسناً. في بعض التفاصيل سأترُك ضيفنا الصيني حتّى النهاية ليستمِع إلى رأيين عربيين ثمّ طبعاً سيكون له التعليق المهم. دكتور "منتصِر الرفاعي" أهلاً وسهلاً بك، هذه مُشاركة أولى لك في برنامج "لعبة الأُمم" وأنا سعيد بك

منتصر الرفاعي: أهلاً

سامي كليب: كتابك "تأثير الصعود الصيني في مُستقبل الهيمنة الأميركية" أنا استفدت منه كثيراً في الواقع، قرأته بحذافيره واستخدمنا أجزاء منه في حلقة سابقة. أُريد أن أسألك، اليوم هناك في (الصين) كلام عن الحلم الصيني مكان الحلم الأميركي، هلّ فعلاً تستطيع (الصين) يوماً ما أن تُصبِح القوّة الأولى في العالم أمام الهيمنة الأميركية التي استمرّت أم أنّها ستبقى إلى جانب (أميركا) دولتين كبيرتين عملياً؟

منتصر الرفاعي: نعم، بسم الله الرحمَن الرحيم، شكراً لك سيّد "سامي كليب" ولضيفيك الكريمين

سامي كليب: أهلاً بك

منتصر الرفاعي: ولمشاهدي قناة "الميادين" الفضائية. نحن اليوم فعلاً على أعتاب تطوّرات جديدة في النظام العالمي، اليوم (الصين) عندما تضع أقدامها على الطريق الصحيح سوف يهتزّ العالم. هذا شيء واضح، أنه اليوم كلّ الإمبراطوريات، يعني هذا الدرس في التاريخ أنّ كلّ الإمبراطوريات وإن وصلت إلى مرتبة الرُقيّ والازدهار سوف ترجع في فترة من الزمن إلى عصر التراجع. اليوم كلّ التوقّعات تُشير إلى أنّ (الصين) سوف تأخُذ مكاناً عظيماً وسوف تتصدّر الاقتصاد العالمي لاسيّما إذا ما عرفنا أنّ (الصين) اليوم تُحافِظ على نسبة تطوُّر ونسبة نمو اقتصادي لم تغلبها في ذلك أيّة دولة من العالم، اليوم نسبة النموّ الاقتصادي لأربعة عقود هي 8.38% وفي بعض المناطق الساحلية وصل إلى 13%. مقارنةً بالولايات المتحدة الأميركية نسبة النمو الاقتصادي اليوم هي 3.1%. اليوم مخاوف كبيرة من الولايات المتحدة الأميركية وهذا ما شهِدناه أيضاً في التقارب الكبير اليوم الحاصل بين (الصين) والمنطقة العربية. اليوم المنطقة العربية تشهد تقارباً كبيراً ملحوظاً وهذا واضح من حجم التبادلات التجارية والعلاقات الاقتصادية بين (الصين) والدول العربية. حجم التبادل التجاري، أعتقد يوافقني الرأي الدكتور، انتقل من 17% في عام 2004 عند انعقاد منتدى التعاون العربي الصيني إلى 244 مليار دولار في عام 2017

سامي كليب: صحيح

منتصر الرفاعي: وعلى لسان الرئيس الصيني "شي جينغ بينغ"، يتوقّع أن تصل نسبة التبادل التجاري بين (الصين) والدول العربية إلى أكثر من 600 مليار دولار

سامي كليب: صحيح

منتصر الرفاعي: أعتقد أنّ هناك ثلاثة محاور رئيسية تدفع باتجاه هذا التطوّر الاقتصادي. اليوم (الصين) تنظُر إلى الوطن العربي كمنطقة مهمّة ومؤثِّرة في مجال الطاقة. إذا ما عرفنا أنّ اليوم (الصين) تستورِد من المنطقة العربيّة ما يُقارب 55 إلى 60% من المنتجات النفطية وفي الحال نفسه تنظر إلى المنطقة العربية كسوق استهلاكي لبضائِعها، هذا محوَر. محور ثانٍ أنّ (الصين) اليوم تنظر إلى المنطقة العربية كمكان استراتيجي مهم في اتجاه طريق الحرير الجديد، الطريق الأضخم والمشروع الأكبر الذي قدّمه الرئيس الصيني إذا ما عرفنا كميّة الرصد الموجودة إلى هذا المشروع هو تريليون وثلاثمئة مليار دولار. اليوم الدول العربية تُمثِّل خطوة مهمّة ومحور مهمّ في هذا الطريق، فضلاً عن ذلك اليوم النقطة الأساسية، اليوم سياسة الولايات المتحدة الأميركية تجاه المنطقة العربية وتجاه الخليج العربي في استغلال الموارد المادية، في استغلال خيراتها، في نهب خيراتها بطريقة غير شرعية وهذا ما لاحظناه في سياسة "دونالد ترامب" منذ العمليّة الانتخابية إلى وصوله إلى النظام الرئاسي فهو يُحاول سحب أموال عربية من (السعودية)، من (الكويت) وما إلى ذلك

سامي كليب: أوكي. سنعود بتفصيل بعد قليل أيضاً لبعض هذه المواضيع. أُرحِّب الآن من (الصين) بـ "شوي تشينغ غوَه" وهو بالعربية الدكتور "بسام" وعميد كلّية الآداب، عريق جداً في اللغة العربية منذ العام 1981، منذ بدء دراسته في الواقع عشق هذه اللغة وهي عشقته أيضاً. ترجم الكثير من الأدب العربي، ترجم مثلاً من مؤلّفات "جبران خليل جبران" ثمانية كُتب، "عبد الوهاب البياتي"، "أدونيس"، رغم صعوبة النصوص ترجم مُعظم هذه الدواوين وبعض كُتب "أدونيس" أُعيدت طباعتها في (الصين) 27 مرة. ترجم لـ "بدر شاكر السيّاب"، لـ "محمود درويش" خصوصاً الديوان الشهير "عاشق من فلسطين" يُضاف إلى ذلك ترجمات كثيرة في الواقع حالياً في (الصين) باللغة العربيّة، مثلاً لـ "نجيب محفوظ"، لـ "إحسان عبد القدّوس"، لكبار أيضاً الأُدباء العرب، وكانت مُشاركة (الصين) في معرض الكتاب العربي للمرة الأولى 2017. أنا كنت قبل أيام أعزّائي المُشاهدين في المملكة المغربية، أيضاً (المغرب) كان ضيف شرف في معرض الكتاب في (الصين). نُلاحِظ أنّ العلاقات تتطوّر كثيراً، معاهِد "كونفوشيوس" تتطوّر كثيراً في تعليم اللغة، الجامعات العربية بدأت تنفتِح شيئاً فشيئاً ولكن بنسبةٍ أكبر بكثير من السابق. أهلاً وسهلاً بك دكتور "بسّام"، أنا سعيد بحضورك معنا أيضاً. دائِماً تقول دكتور "بسام" أنّ اللغة العربية هي التي اختارتني ولكن دعني أسألك اليوم في المُقابل، أُمّهات التراث الصيني لم نجِدها بعد في الدول العربية، يعني نرى أنّ أنتُم ترجمتم الكثير من الأدب العربي بينما عندنا لا تزال وكأنّها العلاقة المعرفية الثقافية اللغوية لا تزال بسيطة وضعيفة، ونحن نتوجّه في اتجاه إحياء "طريق الحرير" يعني المُفترَض أنّ الثقافة توازي الاقتصاد أيضاً

شوي تشينغ غوَه: نعم، في الحقيقة تُرجِمت في السنوات الأخيرة كُتب كثيرة من أُمّهات التُراث الصيني إلى اللغة العربية وأنا شخصياً شاركت في بعض هذه الترجمات، كنت تعاونت مع أُستاذ سوري، الباحث السوري الكبير "فراس الصواحة" في ترجمة "لاو تسين" وكتاب الحوار لـ "كونفوشيوس" وأيضاً كتاب آخر لـ "مونغشيوس" وهو المُعلِّم الثاني في المدرسة الكونفوشيوسية

سامي كليب: نعم

شوي تشينغ غوَه: هذه الكُتب سوف تصدُر قريباً باللغة العربية وفي الدول العربية وطبعاً هناك جهود مبذولة من بعض الأصدقاء العرب الذين يعرِفون اللغة الصينية وهم ترجموا الكثير من الكُتب من اللغة الصينية إلى اللغة العربية. ربما هذه الكُتب لم تُحدِث تأثيراً لازماً ولكن هناك كُتب وإذا تُحب أن تقرأ فالكُتب موجودة في المكتبات وفي دور النشر

سامي كليب: طبعاً أُحب جداً أن أقرأ الصيني بالعربي

شوي تشينغ غوَه: في المرة القادمة عندما تزور (الصين) سوف أُعطيكَ بعض الكُتب

سامي كليب: إن شاء الله. الآن دكتور "بسام" هناك رأيان قرأتهما في كُتب أجنبية حول مُستقبل (الصين). يعني مثلاً لو أخذنا الكتاب الأول وإسمه "جيو سياسة (الصين) المقبلة"، يقول الكاتب إنّه في السنوات الأولى للقرن الحادي والعشرين اعتُبِرت (الصين) مصنع العالم برواتب قليلة وشركات غربية كبيرة بدأت تتقدّم أكثر، طوّرت كثيراً اقتصادها، ومنذ أواسط 2010 راحت تتوجّه نحو احتلال المركز القوي بين القوى الاقتصادية الأولى في العالم، حتّى أنها تقدّمت أمام (أميركا)، هذا كان توجُّه إيجابي في الكتاب. في نفس الفترة نقرأ في كتاب آخر إسمه "القوّة الصينية"، يقول الكاتب أنه صحيح أنّ (الصين) حذِرة جداً من إدارة "دونالد ترامب" لكنّها لا تتمتّع بالقُدرة على مواجهة (واشنطن)، تعتمد بالتالي البراغماتية والعقلانية بانتظار وصول إدارة جديدة إلى البيت الأبيض. طبعاً (الصين) مع الرئيس الجديد في سياستها الحديثة لا تُريد المواجهة مع (أميركا) وهي قالت إنّها تُريد الحوار مع كلّ دول العالم لكي نستفيد جميعاً

شوي تشينغ غوَه: صحيح

سامي كليب: ولكن هلّ تستطيع أن تقف في وجه (أميركا) اليوم (الصين) اقتصادياً على الأقل؟

شوي تشينغ غوَه: طبعاً كما تفضل صديقاي وخصوصاً صديقي العزيز الدكتور "مسعود ضاهر" والصديق العراقي "منتصر الرفاعي "، أنا موافق على كثيرٍ مما جاء في كلامهما، أعتقد أن ملاحظاتهما كانت دقيقة، وبالنسبة إلى سؤالك أعتقد أنّ (الصين) فعلاً حققت تقدّماً كبيراً اقتصادياً في السنوات الأخيرة، منذ تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح قبل أربعين سنة. هذا التقدّم بيِّن يلاحظه كلّ مَن يزور (الصين)، ولكن أُحب أن أُشير مع ذلك إلى أن (الصين) الآن طبعاً هي ثاني أكبر اقتصاد

سامي كليب: صحيح

شوي تشينغ غوَه: حتّى عندما تصبح (الصين) أقوى اقتصاد في العالم، وهذا ربما بعد عشر سنوات وبعض الناس يتوقعون ذلك، حتّى بعد ذلك لا يُمكن أن نقول إنّ (الصين) هي أقوى دولة في العالم. (أميركا) ستبقى أقوى دولة في العالم عسكرياً وتكنولوجياً لفترة طويلة، لسنواتٍ طويلة. أقول ذلك يعني حتّى بعد أن تُصبح (الصين) أكبر اقتصاد في العالم بعد عشر سنوات أو أكثر

سامي كليب: نعم

شوي تشينغ غوَه: لذلك، موقف (الصين) من (أميركا) كما قلت، نحن دائِماً ندعو إلى الحوار، إلى أن يكون التنافس بيننا تنافساً شريفاً. لا نعتبر (أميركا) عدوّة لا في عهد "ترامب" ولا في عهد الرئيس القادم. نحن لا نُعلِّق الأمل على تغيير رئاسي في (أميركا) ولكن موقفنا من (أميركا) هو أننا كما ورد على لسان مدير عام شركة "هواوي"، أكيد كلّ شخص يعرِف عملاق التكنولوجيا الصينية، إذا صحّ أنّ (الصين) و(أميركا) وبعض القوى الكُبرى بلغت قمة العالم وصلت إلى قمة العالم فلماذا لا بدّ أن تكون هذه القمة حلبة تسابق وتصارع بين هذه القوى بدلاً من أن تكون مكاناّ للتعانق بين (الصين) وبين (أميركا) وبين القوى الأجنبية؟ أعتقد أنّ، نعم

سامي كليب: صحيح. دكتور "بسام" الآن (الصين) تُلقي اللوم على (أميركا) في التصعيد مثلاً ضدّ (إيران)، موقفها واضح من الصراع العربي الإسرائيلي: "نحن مع دولة فلسطينية كاملة تقوم إلى جانب طبعاً (إسرائيل)" ومع الحلّ العادل المُعتَرَف به دولياً

شوي تشينغ غوَه: صحيح

سامي كليب: (الصين) ترفُض العقوبات التي تُفرَض حالياً على استيراد النفط من (إيران) ولكنّ (أميركا) حاولت أن تفرِض عقوبات على شركات صينية تستورد النفط ولا تزال هذه العقوبات قائِمة، و(إيران) في المقابل تقول: "نحن دعمنا (الصين) وندعم (الصين) في ما وصفته بالتدخلات الأميركية البريطانية مؤخراً في (تايوان) و(هونغ كونغ). أُريد أن أسألك، هلّ (إيران) صارت حليفاً استراتيجياً أيضاً لـ (الصين)؟ هلّ وصلت إلى مرحلة التحالف الاستراتيجي وبالتالي ما يستهدِف (إيران) ربما يستهدف الطموح الأكبر لـ (الصين) على مُستوى العالم في تلك المنطقة، تحديداً "طريق الحرير" البري؟

شوي تشينغ غوَه: نعم، أولاً بالنسبة إلى الشقّ الثاني من كلامك، أنا أعرف أنّ هناك بعض الناس يقولون إنّ (أميركا) لا تستهدف (إيران) بقدر ما تستهدف مِن وراء (إيران) (الصين)

سامي كليب: نعم

شوي تشينغ غوَه: وأعتقد أنّ هذا الكلام صحيح إلى حدٍّ كبير. طبعاً (الصين) صديقة (إيران) كما أنّها صديقة للدول العربية، لجميع الدول في الشرق الأوسط بلا استثناء، نعم، لذلك بالنسبة إلى الأزمة النووية الأخيرة في (إيران) نحن في (الصين) نعتقد أنّ (أميركا) هي التي أخطأت لأنّ حكومة "ترامب" خالفت الاتفاقية التي تم إبرامها بين (إيران) وبين دول الست الكبرى، لذلك بالنسبة إلى العقوبات الأميركية على دول مُختلفة بحجّة القانون الداخلي في (أميركا)، (الصين) لا تعترف بشرعية هذه العقوبات خارِج إطار الأُمم المتحدة. لذلك نحن لا نزال نُحافِظ على علاقاتٍ جيدة وصداقة جيدة مع (إيران)، ولكن هلّ وصلت هذه الصداقة وهذه العلاقة إلى حدّ الحلف؟ أنا لا أقول ذلك. ليس لـ (الصين) حليف في المنطقة إنما الكل أصدقاء لـ (الصين)

سامي كليب: أوكي، اسمحوا لي ضيوفي الكرام قبل أن نُكمِل النقاش أن نُشاهِد بعض اللقطات التي استطعت أن أُصوِّرها في الواقع في هاتفي، لم نكن مستعدّين في زيارة (شانغهاي) و(بكين) وغيرهما للتصوير بكاميرات لأنّ هذا بحاجة طبعاً لأُذونات وإلى اتفاق مع السلطات الصينية، ولكن صوّرت بعض المشاهِد في هاتفي لا بأس بها لكي نأخُذ فكرة عن التطوّر الكبير الهائِل حالياً في (الصين) (يُعرض الفيديو)       

تعليق سامي كليب: الصين باهرة منذ اللحظات الأولى للولوج إليها، يختلطُ فيها تاريخٌ يعود إلى آلاف السنين مع حاضرٍ يعِدُ بمستقبلٍ اقتصاديٍّ وتكنولوجيٍّ وسياسيٍّ وعسكري كبير، فكيف لا تُثير (الصين) حفيظة (أميركا) والغرب وهي في أوجِ طموحها لاستعادة "طريق الحرير" تحت شعار "الطريق والحزام". هذه (شنغهاي) التي كانت مستهلَّ رحلتي إلى (الصين). مبانيها تُناطح السحاب، أناقتها لافتة، شركاتها ضخمة، الماركات العالمية تتسابق إلى شوارِعها لتُصبِح شرياناً مالياً واقتصادياً هامّاً فلا يبقى من عتيقها إلّا هذا السوق الجميل وبعض الأحياء القديمة. مَن كان يظنّ أنّ هذه المدينة التي غزاها الغرب بالأفيون وأراد البريطانيون ثمّ الفرنسيون والأميركيون وغيرهم تحويلها إلى علبٍ لليل الدعارة والمُخدرات تنتصر على الغرب وعلى تاريخها فيعود الغرب يطرُق بابها ليحجِز له مكاناً في حاضرها ومُستقبلها. هذه (بكين) العريقة المُطوّقة بالسور العظيم الذي يجذب كلّ عام ملايين السُيّاح يأتون مثلي إلى هنا لاستعادة تاريخٍ يعود إلى ما قبل الميلاد، يتمتّعون بهذه التُحفة العُمرانية وبما يُطوِّقها من جبالٍ وأوديةٍ وغابات خضراء غنّاء. تدبّ الحركة الاقتصادية فيها كخليّة نحل فلا يُصبِحُ ممنوعاً لنهضتها أيّ شيءٍ مُفيد أو جيِّد غير هذه المدينة المُحرّمة المُجاورة لساحة (تيان انمين) الشهيرة والتي ما عادت مُحرّمةً على ملايين السياح كلّ عام. عرفت الشيوعية في (الصين) كيف تُكيِّف نفسها وتُطوِّر قوالبها فتُلبّي طموحات الشعب وتتجاوب مع متطلبات العصر متربّعةً على أحد أكبر اقتصاديات العالم في منافسة دقيقة مع (أميركا) والغرب

سامي كليب: نتوقف سريعاً مع فاصل ثمّ نعود لنناقش المسائِل الاقتصادية والسياسية والثقافية التي تجعل من (الصين) دولة مُهمّة تتجه لأن تُصبِح دولة أولى اقتصادياً في العالم كما قال الدكتور "بسام" والضيوف الكرام. لحظات ونعود

المحور الثاني                         

 سامي كليب: أهلاً بكم مُجدداً أعزائي المُشاهدين لمواصلة هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" عبر قناة "الميادين" نتحدّث فيها عن (الصين) حالياً. تسمعون ونسمع منذ أيام عديدة، منذ أسابيع، أنّ الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" كلّ يوم تقريباً أو كلّ يومين تصريح عن (الصين)، تضييق على (الصين)، تضييق على الاقتصاد، فرض ضرائِب على المُنتجات الصينية. واضح أنّ (الصين) تُشكِل قلقاً كبيراً للأميركي رغم أنّها تقول دائِماً: "نحن مع الحوار، مع الانفتاح، نحن لا نُريد الصِدام مع أحد"، لكن ما يهمنا أيضاً في هذه الحلقة هو الانفتاح الكبير الحاصل من الدول العربية على (الصين) والعكس أيضاً، والمشاريع الصينية الكبيرة المتقدّمة في الدول العربية. هلّ (الصين) يُمكن أن يُعتَمَد عليها في الواقع في العالم المُقبِل؟ هلّ يجب علينا أن ننفتِح أكثر؟ أعود وأُرحِّب بضيوفي الكرام " شوي تشينغ غوَه" أو الدكتور "بسام" كما يُسمّى باللغة العربية، عميد سابق لكلية الآداب في جامعة (بكين) للدراسات، والدكتور "منتصر الرفاعي" وهو أكاديمي وكاتب، من كتبه تأثير الصعود الصيني في مُستقبل الهيمنة الأميركية. وهنا معنا في الاستديو الدكتور "مسعود ضاهر"، قامة فكرية عريقة أيضاً، رئيس جمعية الصداقة اللبنانية الصينية ولديه الكثير من المؤلّفات حول (اليابان) وحول (الصين). الآن إذا سمحتُم لنا سوف نتحدث أيضاً عن مسألة مهمة دكتور "مسعود". في كتاب كان ذكَر السيد "فراس سوّاح" في كتاب تُرجِم مؤخراً مهم جداً إسمه كتاب "الحلم الصيني ومسار (الصين) من تأليف عالِم الاجتماع "تشو تيان يونغ" وترجمة "ليه لي يانغ لنغ" ومُراجعة "فراس السواح" فيه في الواقع هذا الكتاب شرح مُفصّل ومُهم جداً لإنجازات هائِلة تحققت منذ أكثر من ثلاثين عاماً حتّى الآن وما يبقى من عملية الإصلاح والانفتاح، شعار الإصلاح والانفتاح هو الشعار الكبير لـ (الصين) حالياً، لتحقيق ما يُسمّى في الكتاب بالحُلم الصيني. لذلك سأسألك دكتور "مسعود" هلّ يُمكن أن نتحدث اليوم عن الحُلم الصيني كما تحدثنا على مدى عقود طويلة عن الحُلم الأميركي؟

مسعود ضاهر: وهو يقال قديماً "باكسا أميركانا" وليس حُلم، "باكسا" يعني سِلم، "السلام الأميركي". دائِماً كلّ الشعوب عندها حلم في التحرّر، في العيش الهانئ، في التطوّر، في التعليم، في الصحة، في المجالات المُختلفة

سامي كليب: نعم

مسعود ضاهر: فتقريباً القضايا الأساسية بالنسبة للشعب الصيني تحققت، يعني يُقدَّر عدد الطبقة الوسطى بأكثر من ثمانمئة مليون من أصل مليار وأربعمائة مليون تقريباً، وهذه نسبة كبيرة جداً تُعادل حجم سكّان الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي

سامي كليب: ولكن أقل بقليل من حجم سكّان (لبنان)

مسعود ضاهر: هذا جانباً. فعملياً عندما تجعل التركيز الأساسي هو خدمة الناس وتطوير الشعوب وتوسُّع الطبقة الوسطى هذا استقرار وبناء غد أفضل، بناء طاقة ثقافية مُستقبلية واعِدة ولدى (الصين) كتلة مالية كبيرة. الموضوع الأساسي في رأيي يُصنّف بهذه الطريقة: الولايات المتحدة الأميركية لديها طاقة مالية كبيرة لكنّها توظَّف بالدرجة الأولى في المجال العسكري، هي الأولى في العالم

سامي كليب: سبعمئة مليار تقريباً

مسعود ضاهر: وحتّى يقال بأن هذه السنة سبعمئة وثمانين ملياراً أي ما يُعادل سبعين بالمئة من كلّ الموازنات. إذاً هنا التوظيف في العسكري والتوظيف في التدمير خاصة منذ الحرب العالمية الثانية وليست هناك بوادر حرب عالمية جديدة. إذاً أنت توظِّف في ما لا يُنتِج، على العكس، إذا استُخدِم يُدمِّر. بينما (الصين) لديها كتلة مالية كبيرة كلّ دولار منها موظّف في الإنتاج، و"طريق الحرير" والحزام الاقتصادي أكبر نموذج      على ذلك، يعني بدأ بمجوعة من عشرات مليارات الدولارات والآن يتم الحديث عن ستمئة مليار دولار مُمكن أن توظّف، وهذا التوظيف

سامي كليب: ماذا سينفعنا كعرب "طريق الحرير"؟ لو شاهدنا الخريطة على الشاشة سنرى من أين يمرّ

مسعود ضاهر: أولاً هلّ نستفيد نحن في توظيف هذه الطاقة لمصلحتنا أم لا؟ لأنّ خط الحرير هذا يمُر في دول عديدة قبل أن يصل إلى الدول العربية

سامي كليب: "حزام واحد طريق واحد" هذا هو الشعار، نعم 

مسعود ضاهر: وبالتالي الدول التي يمرّ فيها هذا الخط ستكون لها محطات كبيرة وستكون لها موانئ كبيرة ومشاريع اقتصادية كبيرة، جامعات كبيرة، يعني تُسرِّع الحركة الاقتصادية والثقافية

سامي كليب: في الدول العربية

مسعود ضاهر: في الدول التي يمرّ فيها الحزام، ولكن هلّ الدول العربية تتحمّس وتُقدِّم ما هو مطلوب منها لشبك الاقتصاد العربي باقتصاد "طريق الحرير" الذي نتحدث عنه؟

سامي كليب: هنا لا أرى كثيراً من الدول العربية، "شي آن" إلى (إسطنبول)

مسعود ضاهر: الدول العربية هنا في هذا المجال، الدول العربية في هذه المنطقة

سامي كليب: أوكي

مسعود ضاهر: فعملياً

سامي كليب: يعني هو يمتدّ صوب الدول العربية

مسعود ضاهر: طبعاً وعملياً نحن ننتظر أن يعُمّ خطّ الحرير دولاً كثيرة تُقدّر بحوالى ثلاثمئة دولة، الآن حوالى أكثر من ستّين دولة، فكلّ هذه الدول تُقدِّم الأرض وتُقدِّم المُساعدات وتُقدِّم اليد العاملة على أمل أن تحصل على نسبة كبيرة من هذا الخط

سامي كليب: من الربح

مسعود ضاهر: من الفائِدة. نحن نُلاحِظ في الدول العربية منذ أكثر من سنتين عناوين في الصُحف، "العرب يريدون الدولة الفلانية"، (الإمارات) مثلاً تريد تطوير العلاقات الاقتصادية مع (الصين) إلى مرتبة استراتيجية و(السعودية) نفس الشيء، يُمكن توظيف مليارات الدولارات

سامي كليب: صحيح، نحن نتحدث عن سبعين ملياراً تقريباً مع (السعودية) ومع (الإمارات) أيضاً

مسعود ضاهر: وبالتالي الدول العربية التي لديها إمكانيات كبيرة للتوظيف في "طريق الحرير" وللاستفادة منه، وهذا مشروع طويل الأمد

سامي كليب: و"طريق الحرير" أكيد ذاهبون في اتجاهه

مسعود ضاهر: حتماً

سامي كليب: أعود إلى ضيفنا في (العراق) دكتور "منتصر الرفاعي". في الكتاب الذي ذكرناه، وأُريد أن تُضيف المعلومات القيّمة التي لديك، يقول الكاتب الصيني، وأعتقد أنّك قرأته "تشو تيان يونغ" في ترجمة "السوّاح" يقول التالي: إنّ (الصين) نجحت في التحوّل من مُجتمع زراعي إلى مُجتمع حضري وصناعي، وتمّ القضاء بشكلٍ نهائي على ظاهرة "صفر تشغيل للعائِلات الريفية والحضريّة"، أُلغِيَت الضرائِب الزراعية جميعاً، تمّ إنشاء النظام التعاوني في الريف والرعاية الصحيّة. تحوّلت (الصين) بشكلٍ أساسي من الاقتصاد المُخطط إلى اقتصاد السوق الاشتراكي. تحوّلت المصارِف من تلبية الحاجات الغذائية المحضة نحو الإنفاق على التعليم والرعاية الصحيّة والضمان الاجتماعي والبيئة والمواصلات والاتصالات. خرجت (الصين) من وضعية المُجتمع المنغلِق إلى دولة منفتِحة على العالم وبدلاً من الاعتماد على بدائِل الواردات تحوّلت إلى استراتيجية تنمويّة تعتمد على التصدير، إدخال رؤوس أموال أجنبية، تصدير فائِض العمالة. تعمل على تحقيق حلم السكن والعمل للجميع. نسبة سكّان المُدن ربما تبلُغ ثمانين بالمئة من العدد الإجمالي للسكان بحلول عام 2040. تسعى (الصين) لأن تُصبِح في المرتبة السابعة عشرة عام 2020 بالنسبة للقوة التنافسيّة الاقتصادية وإلى المرتبة السابعة في ألفين وثلاثين وإلى الخامسة في 2040. قد تُصبح القوة الاقتصادية الأولى وفق الدكتور "بسام" خلال عشر سنوات. (الصين) ستكون في حاجة إلى استغلال ملايين الهكتارات من الأراضي الصالِحة للزراعة لتشييد الطرق وإلى ستّين في المئة من النفط العالمي. كلّ هذا يدفعنا طبعاً إلى السؤال عن حاجة (الصين) إلى الدول العربية أيضاً وليس فقط حاجة العرب إلى (الصين). هنا أودّ أن أسألك دكتور "منتصِر"، ماذا يُمكن أن نُضيف في تطوُّر(الصين) في مجالات أُخرى             

منتصر الرفاعي: نعم، اليوم (الصين) حققت نتائِج باهرة في مجال القوة الاقتصادية، في مجال القوة الصناعية. اليوم ما يُميِّز (الصين)، عندي تعقيب على كلامك، في الكتاب يقول "حلم صعود (الصين)"، اليوم (الصين) تمتلِك استراتيجية للوصول إلى قمّة الاقتصاد العالمي والاستراتيجية إلى الوصول إلى الهرميّة الدولية. اليوم (الصين) تمتلك بعض الاستراتيجيات التي ساعدت في بناء هذه الدولة العملاقة، في بناء هذا التنين الكبير، مثل استراتيجية فتح النوافذ ويقول فيها أنّ فتح النوافِذ وإن دخلَ بعض الذباب نستطيع الإمساك به، وهذه استراتيجية جديدة عمدت بها (الصين) إلى الانفتاح على الإطار الخارِجي للدول. كذلك اليوم (الصين) ما يُميّز (الصين) عن بقيّة دول العالم أن اليوم في (الصين) العدد الهائِل من السكان بحدود مليار وثلاثمئة وواحد وثمانين مليون نسمة، هذه موارِد مُكتسبة ولا يُمكن اليوم للدول العربية أن تأتي بهذا العدد الهائل من القوّة البشرية. استفادت (الصين) من هذه القوة البشرية اليوم بأن جعلت من هذه القوة هي العمالة الأولى الرخيصة في العالم. اليوم (الصين) قادرة على تصنيع كلّ شيء وبأرخص الأثمان. على سبيل المثال، اليوم المواطن الصيني يقبل أن يتقاضى دولارين في اليوم الواحد بالإنتاج، هذا شيء جعلَ من (الصين) اليوم مصنع العالم. هناك أرقام حقيقية، اليوم (الصين) تُصنِّع نصف إنتاج العالم من الملابس، اليوم (الصين) تُصنِّع نصف إنتاج العالم من الأحذية، اليوم (الصين) استغلبت على كلّ الشركات الرياضية للأحذية والحقائِب، اليوم (الصين) تُصنِّع سبعين في المئة من حقائِب العالم، اليوم (الصين) تُصنِّع ما يُقارِب نصف إنتاج العالم من الدراجات الهوائية، اليوم (الصين) تُصنِّع ثلث إنتاج العالم من الـ "دي في دي"، من "الميكروويف" من الحواسيب من التلفونات. أيضاً (الصين) لا تقتضي بالصناعات الخفيفة، اليوم (الصين) تُصنِّع في مجال السيارات، في مجال القطارات، هذه الأمور جعلت من (الصين) اليوم مصنع العالم. إضافةً إلى ذلك، اليوم (الصين) تمتلِك أكبر احتياطي نقدي في العالم، اليوم (الصين) تمتلِك موارِد مادية وموارِد طبيعية كبيرة جداً. كلّ هذه الأمور جعلت من (الصين) باستراتيجيتها، استراتيجية الصعود السلمي، هذا ما جعل من علاقات (الصين) مع الدول الأُخرى تتقارب بهذا الإنتاج. اليوم (الصين) تصعَد صعوداً سلمياً، لا تُريد أن تصعد مثلما صعدت بقيّة دول العالم الكُبرى على أكتاف بقية الدول. اليوم (الصين) تصعد بأُسلوب دبلوماسي وهي ترفع شعار "تبادل المنفعة"، "التبادل المُشترك"، "المنفعة المُشتركة" وهذا واضح من خلال "طريق الصين الجديد". لذلك اليوم كلّ الدول العربية كلّ دول العالم اليوم، وصل "طريق الحرير" إلى (اليونان)، وصل إلى (إيطاليا)، إلى الدول العربية أيضاً وأرقام كبيرة، نعم

سامي كليب: دكتور "بسام" ذكر الدكتور "منتصر" مسألة مهمة جداً، يقول إنّ العامل الصيني ربما يعمل ويتقاضى دولارين. هنا سؤال مطروح في الدول الغربية ضد (الصين) يقول: (الصين) تُنتج وتبيع للخارِج ولكن جزء كبير من شعبها لا يزال فقيراً، هناك استغلال للعمالة والعامل ليس لديه كما لدى العامل في (أميركا) أو في (أوروبا). هلّ هناك توازن بين الإنماء الداخلي والإنماء الخارجي؟ أم أنّ (الصين) ستواجِه في النهاية وضعاً داخلياً صعباً حتّى ولو أنها تُصدِّر الكثير إلى الخارِج؟

شوي تشينغ غوَه: لا، هذا مفهوم قديم عن (الصين)، أنّ الأيدي العاملة الصينية رخيصة ودولارين في اليوم، هذا منذ أكثر من عشرين سنة ربما

سامي كليب: أوكي                               

شوي تشينغ غوَه: أمّا الوضع الحالي فأُجرة العمالة الصينية ارتفعت بشكلٍ كبير. حسبما أعرِف مثلاً في (بكين)، إذا كان الراتب الشهريّ أقلّ من ألف دولار في الشهر لا يقبله العامل مثلاً. لذلك هذا مفهوم سابق ليس في (بكين) فقط ولكن في كلّ أنحاء (الصين)، في جنوب (الصين)، لذلك توجد ظاهرة جديدة أنه توجد بعض الشركات والمصانع الأجنبية تركت (الصين)، بعض الشركات والمصانِع التي اعتمدت على كثافة الأيدي العاملة لا تتحمّل زيادة مضطردة لأُجرة العُمّال، لذلك انتقلت إلى بلدان مُجاورة مثل (تايلاند) ومثل (كمبوديا) و(فيتنام)، و(الصين) تعتقد أنّ هذه الهِجرة هِجرة طبيعية تتفق مع طبيعة تطوُّر الاقتصاد الصيني. لذلك أقول وبصراحة أن كلّ شخص زار (الصين) يُلاحظ أنّ الشعب الصيني هو المُستفيد الأكبر من التنمية الكبيرة التي حصلت في (الصين)

سامي كليب: صحيح، وأنا في الواقع لمستُ ذلك عند الشعب الصيني، يعني في النهاية بدأ يتوجّه نحو رفاهية في الحياة، على الأقلّ في المُدن الكبرى

مسعود ضاهر: تشجيعاً على الاستهلاك

سامي كليب: تفضل دكتور

مسعود ضاهر: تشجيعاً على الاستهلاك ونشاطات الناس وزيادة الفُرَص والمواسم السياحية. يعني هناك كثير من الاهتمام في السنوات الأخيرة على أن ينطلق الإنسان ولا يجمع المال ويعيش الحياة كما تعيشها الطبقة الوسطى في مختلف دول العالم

سامي كليب: صحيح، يعني حتّى من يزور المطاعم والمقاهي

مسعود ضاهر: النظرة القديمة لـ (الصين) دولار ودولارين لم تعد موجودة من زمان

سامي كليب: كنّا، أعزّائي المُشاهدين ونحن نعرِض خريطة "طريق الحرير"، بدأنا من منطقة إسمها (شي آن)، وهناك بدأت "طريق الحرير" في النهاية، من هذه المنطقة. زرتها ووجدت في هذه المنطقة أيضاً ما أعجبني جداً، مسجداً كبيراً، سوقاً إسلامية سوف نُشاهدها وبعدها نسأل عن العلاقة مع المسلمين لأنه هناك الكثير من التقارير التي تصدُر في هذه الأيام خصوصاً وتتحدث عن علاقة ربما صعبة، سنفهم هلّ هي صعبة فعلاً أم هناك اعتبارات أُخرى؟ فقط نُشاهِد ونعود. (يُعرض الفيديو)

تعليق سامي كليب: هذه مدينة "شي آن" الصينية العريقة. في هذه المدافن التي اكتُشفَت منتصف سبعينات القرن الماضي بفضل عددٍ من المُزارعين وهذا أحدهم يوقِّع لي كتاباً يروي قصّتهم، دفن الأمبراطور عشرة آلاف تمثال من الجيش الذي يحرسه. كلّ تمثالٍ يختلِف عن الآخر تماماً. يُقال أنّ الإمبراطور العاشق للعظمة كان يعتقد أنّ هؤلاء الضبّاط والجنود سوف يحمونه في حياته الأُخرى. أمّا الحياة الحالية في (شي آن) كما في باقي الصين فهي تخرُج من الخرافات صوبَ الواقع لتُعيد رسم معالِم "طريق الحرير" الشهير. هنا في مدينة (شي آن) ومن على هذا السور العظيم أيضاً والذي قطعنا الجزء الأكبر منه على الدرّاجات الهوائية يأتي الشبّان الصينيون لالتقاط صُوَر ما قبل الزواج أو ليتذكروا أنّ في هذه المدينة بنى أجدادهم بوّابة "طريق الحرير" باتجاه العالم. مذ ذاك التاريخ الذي تسعى (الصين)لاستعادته وتطويره بنجاحٍ باهر حالياً جاء إلى هنا أوائِل المُسلمين. هذا مثلاً "المسجد الكبير" الذي ولجتُ إليه من هذا السوق الشعبي العامر بألذّ المأكولات والروائِح الذكيّة للتوابل والبهارات والعطور وبين الحِرف اليدوية الكثيرة. يبدو هذا المسجد الكبير الذي بُنيَ في العام 722 محتفظاً بحجرِه وخشبه وعراقته، وقد لفتني أنّ المرأة المُحجّبة هنا شريكة للرجل تماماً، شريكةٌ في كلّ المِهن والحِرَف وحاضرةٌ بقوّةٍ في سوق العمل والحياة الاجتماعية

سامي كليب: دكتور "بسام"، في العلاقة مع المُسلمين هناك رأيان، أو دعنا عند الدكتور "مسعود " لو سمحت دكتور "بسام" سأعود إليك لأنّ دوره الآن، هناك كلام كثير البعض يقول أنّ هناك تضييقاً على المُسلمين هناك غسل أدمغة وما إلى ذلك، البعض الآخر يقول لا، (الصين) تعرّضت لعمليات، أناس ذهبوا ومارسوا الإرهاب في الخارِج، وهناك خطر داخلي إسلامي وهي تُحاول فقط أن تضمن أمنها وتُحسِّن شروط الحياة. حدّثنا لو سمحت عن هذه المسألة، وأنت ذهبت إلى مناطق المُسلمين             

مسعود ضاهر: مناطق كثيرة. أولاً سؤال، هلّ (الصين) بلد طائفي؟

سامي كليب: أكيد لا

مسعود ضاهر: الجواب أكيد لا، ليس بلداً طائفياً وبالتالي لا يجوز التحليل الطائِفي على بلد غير طائِفي، فالطائِفية هي شواذ ومن يدفع إلى هذه الطائِفيّة هو الغرب. يعني الغرب يُريد أن يتعامل مع (الصين) كما يتعامل مع الشرق الأوسط، إمّا مجموعة قبائِل أو مجموعة طوائِف وبالتالي المنفِّر في جانب النظرة الأوروبيّة لـ (الصين) أو الأميركية لـ (الصين)، هذا التركيز على المُسلمين وكأنّهم جزء خارِج عن السياق البنيوي للمُجتمع الصيني. الصيني لا ينظُر إلى المُسلِم على أنه غريب عنه وله سمات خاصة فيه، له خصوصيات هذا نمط الحياة

سامي كليب: يعني أنا ذهبت ووجدت المسجِد مفتوحاً والمُسلمون يُمارسون عاداتهم وطقوسهم، هلّ هذا قائِم في كلّ المساجِد في (الصين)؟ هلّ عندك تقدير لعدد المساجد أم لا؟

مسعود ضاهر: طبعاً المسألة الطائِفية غير مطروحة في (الصين) إطلاقاً وهي مُحاولة افتعال لإعاقة عملية التطوّر في (الصين) وبالتالي لم تحصل لأنّ الدولة الصينية عاملت المسلمين بشكلٍ مُختلِف عن باقي القوميات الأُخرى. هناك 56

سامي كليب: أوكي

مسعود ضاهر: لكن أنا أُعطيك بعض الأمثلة

سامي كليب: تفضّل

مسعود ضاهر: مثلاً كلّ القوميات كان مسموح لها بولد واحد لكن كان يُسمَح للمسلمين بولدين

سامي كليب: الآن تغيّر وصار يُسمح. دكتور "بسام" عندك أيّ تعليق حول الموضوع؟

شوي تشينغ غوَه:  نعم طبعاً

سامي كليب: تفضل

شوي تشينغ غوَه: الكلام مثلاً عن قمع صيني للمُسلمين وللإسلام هذا كلام لا أساس له على الإطلاق. الإسلام في (الصين) تاريخه يرجع إلى ما قبل 1،400 سنة

سامي كليب: صحيح

شوي تشينغ غوَه: كما قال الدكتور "مسعود"، الإسلام جزء من الثقافة الصينية. فعبر هذا التاريخ المديد كانت الحكومات الصينية المتتالية علاقتها بالإسلام إجمالاً جيّدة وسلمية، لذلك تطوّر الإسلام في (الصين) تطوّراً سليماً، واليوم أيضاً لا شكّ في أنّ المسلمين عاشوا، الأغلبية الساحقة من المسلمين عاشوا في الصين عيشة سعيدة مثل بقية القوميات في (الصين). ولكن في السنوات الأخيرة ظهر في إقليم (شينغ جانغ) وهذه حقيقة معروفة لدى الكثير من الناس، هناك نزعة انفصالية وأيضاً هناك نزعة للتطرّف الديني متأثرة بهاجس وأنت تعرِف أنّ هذه ظاهِرة عالمية و(الصين) ليست للأسف بمأمن عن هذه الظاهرة الاثنية العالمية. مثلاً شهدت قبل سنوات (الصين) في (شينغ جانغ) وفي خارِج (شينغ جانغ) وحتّى في (بكين) سلسلة من العمليات الإرهابية وبعضها خطيرة ما أدّى إلى وفاة الكثير من الأبرياء خصوصاً من القومية الأغلبية في (الصين) بالإضافة إلى ذلك أيضاً، مبالغة في التفرقة بين الحلال والحرام مثلاً فيقال، وهذا ما قاله لي بعض أصدقائي المسلمين 

سامي كليب: أوكي

شوي تشينغ غوَه: في بعض المناطق الصينية، الماء حلال... هذه ظاهرة التطرُّف الإسلامي لا بدّ من اتخاذ بعض الإجراءات لعلاجها

سامي كليب: أوكي. دكتور "منتصر" في أقلّ من ثلاثين ثانية إذا كان عندك تعليق على الموضوع لأنّنا للأسف الشديد وصلنا إلى آخر الحلقة، تفضّل. حول موضوع المُسلمين 

منتصر الرفاعي: نعم، شكراً جزيلاً. أنا أعتقد اليوم حول موضوع المُسلمين أنّ المُسلمين اليوم يعيشون في (الصين) بحالة جيدة جداً، متماسكين مع بقية الطوائِف، إلّا أنّ الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الغربيّة تُحاول أن تجعل من هذه القضيّة قضيّة ورقة ضغط. اليوم الولايات المتّحدة تضغط في اتجاهات دائِماً، في اتجاهات العمليّة الانفصالية للمُسلمين، في اتجاه إقليم (التيبت)، تُحاول زعزعة النظام الصيني من هذا الإطار

سامي كليب: نعم، ولاحظنا ما يحصل أيضاً من تدخّلات ومحاولات تدخُّل في (هونغ كونغ) وغيرها. حسناً، ليس لدينا أجمل من أن نختُم أعزّائي المُشاهدين ببعض الموسيقى من التُراث والحاضر الصينيين. سنُشاهِد، وهذا أيضاً صوّرته في هاتفي في الواقع وليس في كاميرات مُحترِفة

تعليق سامي كليب: في (الصين) أيضاً عراقة الفنّ والأدب والشِعر والموسيقى تعود إلى آلاف السنين، وإذا كان الكثيرُ من أدبنا العربيّ المُعاصر قد تُرجِم إلى اللغة الصينية بفضل مُستشرقين يجيدون لغتنا مثلنا أو أكثر فإنّ الحياة العصريّة في (الصين) تسمحُ بمُشاهدة فنّانين مُبدعين شباباً يغنّون في الشوارِع الجميلة تماماً كما تُحافظ على رونق وحضارة الموروث الثقافي العريق من المسرح الغنائي والأوبرا بحيثُ نستعيد خفايا القصور وتاريخ الامبراطوريات الغابرة وعلاقة الرجل بالمرأة والسُلطة والحبّ والخيانة، الخيانة السياسية خصوصاً والمجد والبطولة، كلّ ذلك بقالبٍ ساحر من السينوغرافيا العصرية والإبداع في إيماءات الوجه وحركات الجسد لراقصين وراقصات يبعثون الفرح والبهجة برقصاتهم وأزيائِهم وألوان ثيابهم والطبيعة الدقيقة المُستعادة بكلّ جمالها على خشبات هذا المسرح. تُزيّن كلّ ذلك الآلات الموسيقية القديمة وروح النُكتة حتّى في بعض العزف

سامي كليب: شكراً جزيلاً لضيوفي الكرام، في الواقع (الصين) تستحقّ برامج طويلة وليس فقط ساعة. شكراً للدكتور "بسام" من (الصين)، شكراً للدكتور "المُنتصِر" أفرحتنا بمشاركتك معنا أيضاً للمرّة الأولى وشكراً لضيفنا الدائِم في الحلقات المتعلّقة خصوصاً بـ (آسيا) الخبير في (آسيا) الدكتور "مسعود" أهلاً وسهلاً بك مرة ثانية. شكراً لكم أعزّائي المُشاهدين إلى اللقاء إن شاء الله في حلقةٍ مُقبلة من "لعبة الأُمم" عبر قناة "الميادين"