أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

المجتمع اللبناني وسماته

 

المحور الأول:

غسان الشامي: أحييكم، بعد أشهر يحتفل لبنان بمئوية تسميته "لبنان الكبير" الأولى، قرنٌ دخل العالم فيه عصر ما بعد الحداثة، فكيف يبدو هذا اللبنان المئوي؟ الحداثة والمواطنة صنوان والأولى ثورة ثقافية، ولبنان ينوء بثقل الطوائفية كموروث عثماني وبمنطق العائلية والعشائرية، فيما تتأرجح الهوية وربما تقع في الانشراخ وبعضه ديني. الدكتور ملحم شاوول أوقف نفسه على علم الاجتماع ويحمل شهادة الدكتواره من المعهد العالي للعلوم الاجتماعية في باريس، وبات مديراً للفرع الثاني في معهد العلوم الاجتماعية قبل تقاعده ولا يزال يشرف على رسائل الدكتوراه، له عدد من الكتب والأبحاث لكننا في هذه الحلقة سنرتكز على كتابيه "التفكك والانطواء"، "لبنان ومحيطه على مشارف الألفية" وكتاب "الافتراق والجمع: دراسات في المجتمع اللبناني". نذهب أولاً إلى تقرير عن بنية المجتمع اللبناني ثم نكمل الحوار.

تقرير:

منذ تأسيس لبنان الكبير عام 1920 وُسم المجتمع اللبناني بالطائفية والعائلية والطبقية، وبدت الأولى واضحة في دستوره وتكرّست بشكل واسع في اتفاق الطائف عام 1989، فيما توالت عائلات شكّلت أحزاباً ومؤسّسات على اقتسام جبنة الحكم.

يرى بعض الدارسين أن تأسيس الأول كان بتداخل طائفي مالي اجتماعي حيث قيل أن المسيحيين عموماً والموارنة خصوصاً شكّلوا أكثرية في الطبقتين العليا والوسطى، فيما شكّل المسلمون ولا سيما الشيعة الأكثرية في الطبقات الشعبية المدنية منها والريفية، وبانت نسبة التفاوت في فرص التعليم بما هي أبرز مظاهر التمييز الطوائفي الاجتماعي.

لم يعد بالإمكان التفريق بين البنية الطوائفية للمجتمع اللبناني وبين الارتباط السياسي حيث عبرت الطوائف الطبقات وبات لكل طائفة وضعها التعليمي ومدارسها وجامعاتها، ولم يعد بالإمكان فصل الانتماء الطائفي عن الدين بحيث تحوّلت الطوائف إلى كائنات مجتمعية حقيقية تعاظم حضورها في الحياة السياسية والاقتصادية.

صحيح أن لبنان الطائفي تشكّل تاريخياً بين الدروز والمسيحيين عبر مواقع سياسية واقتصادية اجتماعية مختلفة بل متناقضة في بنية النظام "المقاطعجي" في جبل لبنان، لكنه استُكمل مع اتفاق على موقع وأدوار السنّة والشيعة وصولاً إلى وضعه الحالي، والواضح أن العائلات المصرفية التي بدأت منذ تأسيسه لا تزال بمعظمها تمسك بحركة المال فيه.

غسان الشامي: أهلاً بكم في أجراس المشرق، أهلاً بك دكتور ملحم شاوول ضيفاً عزيزاً سيّدي، لنبدأ بسؤالك عن سمات المجتمع اللبناني وقد انقضى مئة عام إلا إصبعين، إلا بضعة أشهر على إنشاء لبنان الكبير.

ملحم شاوول: بداية شكراً على استضافتك لي وعلى معرفتك بمؤلّفاتي وهذا أمر يسرّني ويشرّفني.   

غسان الشامي: نتشرّف بك.

ملحم شاوول: سمة المجتمع اللبناني كما نكرّر وأعتقد أنها أصبحت معروفة تقريباً لدى البحّاثة ولدى الأكاديميين. المجتمع اللبناني كغالبية مجتمعات هذا المشرق قاعدته الأولى هي العلاقات العائلية، العائلة الممتدة، العائلة الواسعة التي يمكن أن تصبح في مرحلة ما عشيرة أو قبيلة أو تبقى عائلة امتدادية. هذه العائلات كانت في عصب، في صلب الاجتماع اللبناني لقرون، في القرن التاسع عشر ومع دخول أشكال مختلفة من الحداثة صدرت ترتيبات عثمانية معروفة أدت إلى أن ينتظم المجتمع اللبناني بطوائف، هذا الانتظام بات لا أقول مفتعلاً ولكن هناك ترتيبات سهّلت وقوننت الترتيب أو البنية الطائفية للجماعات اللبنانية خصوصاً الجماعات أو المِلل كما سُمّيت في حينه المسيحية والمِلل غير المنتمية إلى الأكثرية القائمة في السلطنة العثمانية.

غسان الشامي: تقصد الأكثرية السنّية.  

ملحم شاوول: نعم، هذه الجماعات انتظمت وأغلبيتها من هذا الانتظام انخرطت وهذه مسألة مهمة بالحداثة العالمية وفي أسواق التجارة العالمية من خلال ما نسمّيه "ثورة الحرير"، كان للكنيسة المارونية مثلاً دور كبير في إطلاق والإشراف على ثورة الحرير وعلى الإنتاج وعلى هذه الأمور. ثالث ضلع، أنا أسمّيها مجتمع مثلّث الأضلاع.

غسان الشامي: يعني "السيبة" وركبت على ثلاث.

ملحم شاوول: تماماً، عائلية، طائفية، هذه مسألة مهمة جداً خصوصاً الآن ويجب أن تُفهم وهي الانتماء المناطقي، المناطق في لبنان هويات أيضاً بحد ذاتها بغضّ النظر عن الحجم الديموغرافي الذي ينتمي إلى هذه المنطقة.

غسان الشامي: وبغضّ النظر عن الحجم الجغرافي الصغير للبنان.  

ملحم شاوول: تماماً.

غسان الشامي: هل هذا أيضاً ينطبق على المشرق؟

ملحم شاوول: لا شك أن هناك مناطق لها دمغة أكان في سوريا أو في العراق، عندما تقول جنوب العراق تعني انتماء ما، وعندما تقول الساحل السوري تعني انتماء ما، هذه قد تكون حسب المسارات التاريخية ونوعية الصراعات على الأرض وعلى الملكية وكل هذا. أريد أن أشدّد أن الضلع الثالث في لبنان له أهمية عاطفية وروحية كبرى، هذا ما يعيق ضمن العقل الرأسمالي مسألة الانتقال السكاني ونسمّيها Mobility أي التنقّل، الحراك. لا يستطيع أي لبناني أن يقول أعجبتني هذه المنطقة وأريد أن أسكن فيها بل عليه أن يحضّر ويسأل ويجب أن يكون لديه سكّة تسمح له بالسكن فيها أو لا.

غسان الشامي: إذا اعتبرنا الطائفية العائلية المناطقية هي السمات البارزة في المجتمع اللبناني، معك علمياً سيّدي لنبدأ بتوصيفها وتفكيكها، لنبدأ بالطائفية على سبيل المثال أو هذا التمظهر الديني أي الديانة بنموذجها الطوائفي، كيف تتمظهر؟ كيف تتوصّف في الحال اللبنانية؟

ملحم شاوول: أريد أن أشدّد على نقطة هامة بأن الحال الطائفية في لبنان هي دينية ودنيوية وإلا لكانت كنائس فقط، إذا كانت قضايا إيمانية ودينية فأنت في كنيسة.

غسان الشامي: أو في مسجد.

ملحم شاوول: أو في مسجد، ولكن لأن الطوائف لها وظيفة دنيوية فإنها تعطي بُعداً آخر لدور تاريخي ولوظائف اجتماعية، هي تحب عالم الاجتماع، أنا لا أبحث في اللاهوت أو في المعتقد. الوظيفة الاجتماعية لماذا؟ لأن الطوائف تملك الأرض، تملك التعليم ، تملك الاستشفاء، تملك القضاء، قضاء الأحوال الشخصية، ومن ثم التمثيل السياسي في مرحلة معينة. في بدايات هذا القرن تكلمت عن مئة سنة على نشوء لبنان الكبير ولكن بدأ التمثيل على هذا الأساس في عهد المتصرفية، فلذلك في علم الاجتماع هذه الوظائف الدنيوية للطوائف التي تجعلها حالة أسماها المستشرقون أمماً.

غسان الشامي: حتى هذه الدرجة؟ أعطوها صفة أمّة؟ 

ملحم شاوول: نعم، إذا قرأت بالفرنسية أو الإنكليزية تجد The Druze nation أو la nation maronite ، الأمّة المارونية في أواخر القرن التاسع عشر لأنهم رأوا أنها كيانات قائمة بحد ذاتها.

غسان الشامي: ولكن هناك تعريف أيضاً للأمّة لدى الفرنسيين ولدى الإنكليز مغاير تماماً للواقع الطوائفي.  

ملحم شاوول: صحيح، المستشرقون لم يتوقفوا عند هذا التعريف بقدر ما كان  اهتمامهم بإيجاد نقاط الانفصال أو الفروقات مع الدولة العثمانية، فاعتبروها أمماً أو حالة متكاملة الوظائف بما فيها الوظائف العنفية والعسكرية.

غسان الشامي: لنذهب إلى المناطقية، ما هي التمايزات؟ أن نقول مناطقياً في بلد صغير مثلاً مثل لبنان في هذه المئة عام مساحته عشرة آلاف وبضعة كيلومترات مربعة، كيف توصّف المناطقية فيه؟

ملحم شاوول: أعتقد أن هذا مسار تاريخي واضح، هناك الجبل، الجبل بالأساس كما هو معلوم درزي وكان هناك وجود قوي للطائفة الشيعية في الجبل حتى مشارف القرن الثالث عشر أو الرابع عشر، ومن ثم نتيجة الحملة المعروفة بالحملة على كسروان تمّ إخراج السواد الأعظم.

غسان الشامي: في الفترة المملوكية تقصد.

ملحم شاوول: نعم، وهذا ما سمح للمسيحيين بالانتقال سكانياً من الشمال نحو الجنوب فأصبح الجبل مختلطاً بين الدروز والموارنة والمسيحيين. بقعة الجنوب معروفة الهوية، هي شيعية، وشمال الشمال وكما قلتَ لبنان الكبير دخل سهل عكار وسهل البقاع إلى لبنان الكبير لتُستكمل الصورة نهائياً للتكوين اللبناني. هناك جبل وساحل وسهل، وفي مراحل معينة لم يكن التاريخ مشتركاً وفي مراحل أخرى كان هناك تاريخ مشترك في العلاقات الاقتصادية، الثقافية، الاجتماعية وليس السياسية. في العشرينات عندما أُنشئت دولة لبنان الكبير كان الزواج ما بين ولاية بيروت التي حُذفت منها من الشمال بعض المناطق ومن جنوبها، زواج ولاية بيروت مع متصرفية جبل لبنان مع أقضية سهل البقاع، أصبحت هناك هذه التركيبة ولكن تمّت لأنه سبقتها علاقات اجتماعية، ثقافية، اقتصادية، حضارية مهّدت لهذا من دون أن تكون تحت بنية سياسية مشتركة.

غسان الشامي: الأمر الثالث وهو موضوع العائلية، كيف يمكن أن تكون العائلية هي الثابت الثالث في تكوين المجتمع اللبناني؟ 

ملحم شاوول: العائلية في لبنان هي من أهم موروثات التنقّل السكاني الذي أتى من الجزيرة نحو المشرق وأتى بالبنية العشائرية القبلية البطريركية القائمة حول سلطة الأب والذكور، تضامن عصبي متين وقوي، تحالفات من خلال الزيجة وليس من خلال علاقات أخرى، والعائلة ليست في المشرق فقط وإنما حول المتوسط، العائلة الكبيرة هي حتماً مشروع سياسي في مرحلة معينة، من روما وما يسمّى أب العائلة Pater Familias  هو الذي أسّس لمجلس الشيوخ الروماني ومنه انبثقت السياسة، فالعائلية هي مشروع سياسي بهذا الحجم.

غسان الشامي: على فكرة كلمة بطريرك patriarchy مكوّنة من كلمتين هما شيخ العشيرة، patri شيخ وarchy العشيرة.

ملحم شاوول: حين نتحدّث عن العائلية فإننا نعني بها عائلات واسعة الامتداد ومتعدّدة الأطراف.  

غسان الشامي: ولكن هناك أيضاً عائلات عابرة للمناطق. 

ملحم شاوول: هناك عائلات عابرة للمناطق بسبب التنقّل القسري للسكان أو بسبب الاضطهاد أو بسبب شحّ الموارد والثروات. في الأساس هي محصورة في مناطق ولكن الجبل ليس غنياً وليس فيه ثروات كبيرة فالعائلات تتجه، تتحرك نحو الموارد، إما اضطهاد، إما ثروات، إما كوارث ما تجبرها على التنقّل.

غسان الشامي: أنت تعتبر الطائفية كموروث عثماني، هل فقط بسبب قانون الملّة العثماني؟

ملحم شاوول: خلال الإمارة كان الأمراء يتعاملون مع العائلات كعشائر، لم يكونوا يتعاملون مع الكنيسة بهذه الصفة، كانوا منذ عهد الأمراء الشهابيين والمعنيين يأتون برؤساء عائلات مسيحية أو غيرها أو درزية أو حتى من الشيعة بتحالفات. العلاقة كانت أنا شيخ عشيرة، أنت شيخ عشيرة ونتلاقى. تحوُّل العائلية إلى طوائف يعني لدى الطوائف المسيحية خصوصاً تعاظم دور الكنيسة في القرن التاسع عشر، وهناك كتابات بأن هذه الكنيسة تم تنظيمها في الكنائس التابعة لروما منذ القرن الثامن عشر لتلعب دوراً تحديثياً بدءاً بالمؤتمر التربوي الشهير لسيّدة اللويزة عام 1730.

غسان الشامي: في هذا المثلّث: الطائفية، المناطقية، العائلية، أين يقع الانغلاق والانفتاح الاجتماعي؟ هذا عملك الصلب.

ملحم شاوول: هذا عملي وأنتجتُ مفهوم المجتمع الهجين، لا شك أن الرأسمالية الحديثة جاءت وأوجدت روابط وصلات وصل بين هذا المجتمع التقليدي والأسواق العالمية ومن ثم الثقافة العالمية والإرساليات والمدارس ضمن مشروع حديث ويجب أن نعترف بأنه كولونيالي، هو حديث وكولونيالي في الوقت نفسه. إذاً أصبح لدينا قطاعات من هذا المجتمع، مَن انخرط في الحداثة حقيقةً اقتصادياً وحتى على مستوى الأحوال الشخصية بدأ يخفّ الإنجاب، العائلة أصبحت أقل امتداداً وأكثر نوويّة، يقولون العائلة النواتية أو النوويّة، الاقتصاد حديث، البحث عن أسواق. إذاً جاء تنظيم جديد للاقتصاد وللثقافة وللمعتقدات وللقِيَم من خلال جامعتين كبيرتين في بيروت الأميركية واليسوعية وبدأ هذا المجتمع يشهد تغييرات كبيرة، وفق هذه النظرية جاء الحديث ليحدّث من دون إلغاء القديم.

غسان الشامي: ترك القديم على قدمه.

ملحم شاوول: مَن أراد أن يبقى قديماً بقي ومَن أراد أن يتحدّث أصبح في الحداثة، فهذا التجاور أسميته "المجتمع الهجين".

غسان الشامي: كيف يمكن إذاً الخروج من الانغلاق إلى الانفتاح أو بالتعبير الذي اخترته أنت من الافتراق إلى الجمع؟

ملحم شاوول: هذا مسار طويل له مراحل ويتطلّب نُخباً واعية وموافقة على الخروج، لا يمكن أن تطلب من مجتمع أن يخرج من حال إلى حال وهو غير موافق أو هو يعتبر أن التصدّي للتطوّر مسألة تعني الحفاظ على الذات وعلى النفس إلى آخره. أنت تعلم بعد حرب نابوليون على مصر خُلق في العالم الشرقي تياران: تيار رفاعة الطهطاوي بأنه يجب الذهاب إلى أوروبا والإتيان بالحداثة، وتيار الجبرتي الذي يقول بأن نتمسّك بالأصالة والتقاليد لكي ندافع عن مجتمعنا وهو مهدّد، ومن الجائز أن التيارين بقيا قوييْن حتى اليوم، لهذا السبب التطوّر يتطلّب إرادة التطوّر، نُخب التطوّر ومرحلية التطوّر. أصعب مرحلة هي السياسية، الاقتصاد يدخل في المجتمع، الثقافة من خلال التكنولوجيات الحديثة تعبر ولكن البنى التقليدية تتمسّك بالصعيد السياسي، فيجب كسر المعوقات السياسية لاستكمال عملية التطوّر. ما هو الجواب؟ نحن قلنا ونقول الذهاب نحو المدنيّة، الدولة المدنية، الحال المدنية، الدولة على مسافة، اللاهوية دينية لها، طبعاً لا هوية عسكرية لها، ديمقراطية، ترعى الجميع، تحفظ حقوق الأفراد قبل الجماعات.

غسان الشامي: سنتابع هذا في المحور الثاني بعد فاصل، أعزائي فاصل وإذا سمحتم تابعونا في حوارنا مع الدكتور ملحم شاوول، في الجزء الثاني سنغوص أكثر في المواطنة والحداثة.

المحور الثاني:    

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدّداً في أجراس المشرق، دكتور ملحم شاوول يمكن أن تكون الطائفية والعشائرية والعائلاتية لا علاقة لها بالحداثة، يمكن أن تكون المناطقية جزءاً من تبديات العالم المعاصر أو تبديات الدولة الحديثة لأنه كما تعلم هناك مناطق تُعطى حكماً ذاتياً إلى ما هنالك، ولكن كيف يُوصَّف لبنان كدولة وفيه جزءين من المثلث الذي ذكرته هو خارج منطوق الحداثة تماماً؟ 

ملحم شاوول: الدولة اللبنانية هي دولة نتيجة وهنا أعود أيضاً لما قلته عن مئة سنة من الانتداب، ما هو الانتداب؟ الانتداب هو زواج غير طبيعي. 

غسان الشامي: وغير شرعي.

ملحم شاوول: زواج غير طبيعي ما بين الموروثات العثمانية التي عندما انتهت الحرب العالمية الأولى كانت مُترهّلة ولكن موجودة وبقوة لأنه لا يوجد غيرها، وجاء الانتداب الفرنسي بموروث حقوقي هو نتيجة الثورة الفرنسية فحصل هذا الزواج القسري في عهد الانتداب الذي أراد أن يمزج بين هذين العالمين ولم تكن القضية ناجحة في البدء، كانت المدنية والحقوق والحضارة في بيروت ولكن لم تكن في البقاع، كان الفرنسيون يواجهون دائماً حالات من الانتفاضات العسكرية في البقاع وفي الجنوب أيضاً، لذلك عندما استقلّ لبنان ارتأى المسؤولون اللبنانيون أن يخلقوا حالة من المواطنة المركّبة، أن نعترف بأن اللبناني ينتمي إلى عائلة وطائفة ونعطيه الحق بأن يتمثل سياسياً من خلالها، ولكن هذا المجتمع عليه أن يعترف بالمقابل بأننا بصدد بناء دولة حديثة تدريجاً سوف تقود إلى تراجع هذه البنى. أقصى مرحلة من مراحل هذه الدولة التي تمّت على أنقاض أو على عاتق البنى التقليدية هي الدولة الشهابية، الدولة الشهابية هي الدولة التي حدّدت أو وسّعت المجال العام المدني والحقوقي والإنمائي والأمني على عاتق الموروثات القديمة، ولكن التطوّرات في المنطقة وتطوّرات نزاعية لها طابع عُنفي أوقفت التجربة الشهابية وعدنا إلى الوراء لنُعيد البحث في كيفية الدخول إلى عالم المواطنة.    

غسان الشامي: دكتور شاوول إذا أخذنا خصائص الدولة وأنت كتبتَ في خصائص الدولة القومية وهي المركزية، تجانس المجتمع، الهوية القومية، إذا أخذنا هذا المثلث أيضاً وخصائص الدولة، هل تشكّلت هذه الخصائص في سيرورة المائة عام من لبنان الكبير؟

ملحم شاوول: أبداً، المجتمع لم يتجانس والدولة بقيت دولة وسيط تتوسّط بين أفراد المجتمع وهي توليفة من المجتمع، ولكن دائماً الدولة أرادت أن تضع مسافة لكي لا تجعل المجتمع التقليدي يُهيمن عليها بشكل كامل. هذه الجدلية هي الثقب الذي يجب الدخول منه لكي نوسّع الهامش المدني، كيف؟ لدينا بعض المعطيات في الطائف إسمها تشكيل لجنة إلغاء الطائفية السياسية، إسمها انتخاب مجلس نيابي خارج القيد الطائفي مع توازن مجلس شيوخ وإسمها اللامركزية الموسّعة، هذه المداخل إذا ما كانت هناك إرادة للتطبيق يمكن أن تشكّل مدخلاً جديداً نحو مواطنة جديدة ليست كمواطنة الستينات، هذا قديم وانتهى، لم تعد التجربة الشهابية ممكنة لأنها استوحت من مفهوم الدولة القومية التي تفضلت بالحديث عنها. الآن علينا أن نعترف بانقسام المجتمع وأن نبني على هذا الانقسام أشكالاً ذكية وخلّاقة من المواطنة.

غسان الشامي: ولكن هذا أيضاً خطير للغاية أن لا يكون لديك دولة قومية، معنى ذلك أن المجتمع غير متجانس وأنت تركّز على تجانُس المجتمع وألا يكون لديك هوية، هوية قومية جامعة، ما الهوية أو الهويات التي تشكّلت في هذه المئة عام؟

ملحم شاوول: توجد هويات ويمكن الوصول إلى هوية نسمّيها الهوية اللبنانية، هذا المسار يتطلب ديناميات فعلية لتحرير الفرد، لا تقوم الدول الحديثة فقط على الاعتراف بقطاعات، بأشكال اجتماعية صلبة ومنغلقة على نفسها. يجب العودة إلى الفرد، الفرد يستطيع أن يصل وأن يخلق أشكالاً جديدة من الانتماء من خلال مؤسّسات حديثة، أحزاب غير التي نشهدها، جمعيات غير التي نشهدها، هي قضاء حقيقي مبني على أفكار ما أسمّيه الحداثة أي الحقوق والواجبات والحريات. العودة إلى الفرد هي ضمانة الدخول في مشروع جديد ولكن إذا بقي هذا الفرد مكبوتاً من خلال الكيانات الوسيطة فمن الصعب التوصّل إلى نتيجة.

غسان الشامي: أنت من الذين تكلّموا عن الهوية المركّبة، أولاً كيف يمكن أن تكون الهوية مركّبة في مجتمع يُعتصر أو يختنق بالهويات الصغرى؟

ملحم شاوول: يجب ألا يختنق، الهوية المركبة مُعاشة طبيعياً من خلال الأضلع الثلاثة التي تكلمت عنها، كيف تتجلى بالسياسة؟ أعتقد أن الهوية المركّبة على المستوى الأولي هي في إطلاق مجال حقيقي للإنماء البلدي على مستوى الوحدات الصغرى، الحال الأولى للاهتمام بالشأن العام والخروج من العائلية الضيقة هي إعطاء العمل البلدي بُعداً إنمائياً حقيقياً على مستوى المناطق. المرحلة الثانية هي الانتماء الحزبي، لا يمكن لهذا الفرد المخنوق أن يتحرّر إلا إذا اختار بملء إرادته أن يكون له تمثيل سياسي صحيح. هنا نبدأ الخروج نحو الهوية الأساسية التي هي الهوية الوطنية الجامعة المتمثلة بالهوية اللبنانية. الأهم هو تخفيف حجم النزاعات العنفية، إذا كان لديك منسوب قوي من العنف تبقى في الهويات الدنيا، إذا خفّفتَ النزاع العنفي تذهب نحو الهوية الوطنية الجامعة.

غسان الشامي: ولكن دكتور شاوول ألا تلاحظ أن ما تبدّى في السنوات المئة الماضية هي الهويات الدينية، هي الهويات الطائفية المذهبية، وهذه هويات في الدولة المعاصرة، في مجتمع الحداثة ومجتمع ما بعد الحداثة، هي هويات "قروسطية"، هي هويات من القرون الوسطى. 

ملحم شاوول: صحيح وغير صحيح، هناك نظرية كبيرة لدى أحد الأصدقاء في التاريخ يقول إن الهوية الطائفية هي منتوج من الحداثة وليس من القرون الوسطى، هي أشكال من التشكّل الاجتماعي في مرحلة الحداثة للانخراط في التاريخ الحديث، نظرية قائمة وموجودة أنا لا أتبنّاها كاملة.

غسان الشامي: ولكن أنا أريد أن أسألك فيها، الهويات الطائفية أو المذهبية في بلاد كبلادنا ذهبت إلى الاحتراب الاجتماعي.

ملحم شاوول: صحيح، إذا لم يكن هناك دولة مدنية قوية فلن تتمكّن من محاربتها، إذا لم يكن هناك دولة مدنية تتمتع ليس بالثقة فقط وإنما بالمشروعية والشرعية بأن تتدخل، إذا بقيت الدول وليس في لبنان بل في العالم الثالث ضمن المُصطلح الذي اختُرع حديثاً وأسموه الدول الفاشلة في إفريقيا، إذا بقيت الدولة عاجزة عن التدخل فلن تستطيع فعل شيء، وكيف تتدخل؟ ليس بالقمع بل بالشرعية وببناء مشروعية الدولة، كيف تُبنى مشروعية الدولة؟ على مؤسّسات صلبة، دستورية، حقوقية، مواطنية، من هنا يمكن أن تتدخل لصالح الحال المدنية للدولة وليس ضد الطوائف.

غسان الشامي: ضمن هذا أين تكمُن المواطنة والحداثة في المجتمع في لبنان؟   

ملحم شاوول: أخشى أن تكون في حال من التراجع حالياً. 

غسان الشامي: عمّا كان في بداية القرن؟

ملحم شاوول: عمّا كان ليس في بداية القرن بل في مرحلة الستينات، بين 1959 و 1965 - 1966، حصل انقضاض على الدولة الشهابية، حصل شبه انقلاب وإعادة إرجاع البلد إلى الخلف. 

غسان الشامي: سمّاهم اللواء فؤاد شهاب "أكلة الجبنة".

ملحم شاوول: صحيح، انتخابات 1968 كانت انقطاعاً تاريخياً مع مشروع السيرورة نحو الحداثة والمدنية. حالياً القرار الصعب والذي يجب أن يُتخذ هو أن يتحمّل المسؤولية شخص ما بأن يقول "إننا سنشكّل اللجنة المناط بها تجاوز الطائفية".

غسان الشامي: إلغاء الطائفية.   

ملحم شاوول: تجاوُز حسب الطائف، يجب أن تقيم مشروعاً وليس فقط قرار إلغاء، سيرورة التجاوز من خلال أية طريقة ومَن هم في اللجنة، وأنا أقترح أن يكون أقل عدد ممكن من السياسيين في هذه اللجنة وأكبر عدد ممكن من المجتمع المدني والنساء والشباب وأصحاب المِهن والمجتمع.

غسان الشامي: أنا أقترح نُخباً وعلماء اجتماع.  

ملحم شاوول: بالطبع وحقوقيين، إذا اتُخذ هذا القرار فسيُحدث صدمة إيجابية، نشكّل اللجنة ونبدأ بالنقاش الفعلي العام، الكل يجب أن يناقش كيف نتجاوز هذه الطائفية، كل فئات المجتمع في لبنان.

غسان الشامي: الحداثة دكتور كما أشرت وكما قلنا هي ثورة ثقافية، هذه البنية المستقرّة لا بل أحياناً المستنقعة لمجتمعاتنا وتحديداً للمجتمع في لبنان إن كان في السياسة أو إن كان في الطوائفية أو إن كان حتى في تداور العلاقات الاقتصادية والعائلاتية، هل من مقوّمات لثورة ثقافية، إذا كان هناك من مقوّمات كيف تصفها وهل يمكن أن تضعها أمام المشاهدين؟

ملحم شاوول: موضوع الثورة الثقافية موضوع صعب وله صدى سلبي لأنه يجعل الناس تفكّر بالثورة الثقافية التي حدثت في الصين والتي راح ضحيتها ملايين الناس.

غسان الشامي: ولكنها في القسم الآخر منها جعلت الصين إحدى أهم بلدان العالم.

ملحم شاوول: ليسوا هم بل أعداء الثورة.   

غسان الشامي: ولكن هذه الثورة أحدثت صدمة إيجابية لدى البعض.

ملحم شاوول: نعم، بدايةً عن الحداثة يهمّني الحديث عن نقطة كتبتها في إحدى المقالات، الحداثة ليست مفهوماً، الحداثة هي كالنور، كشعاع الشمس أي يمكن أن تطال بشكل متفاوت قطاعات المجتمع ولا تتأثر بالحداثة كل القطاعات بنفس الوقت. الحداثة تأتي وتتدرّج من القطاعات الأكثر تأثراً بالحداثة، إجمالاً العالم الاقتصادي إلى القطاعات الأقل تأثّراً بالحداثة، البنى الذهنية، من هنا أطرح موضوع الثورة الثقافية، مَن سيقوم بالثورة الثقافية؟ المثقفون لأن إسمها ثورة ثقافية، لن تقوم بها الأجهزة، يجب أن يكون هناك استعداد لتيار قوي من المثقفين على كل فئاتهم ولا أعني هنا أساتذة الجامعة بل أعني الشعراء، الرسّامين، الفن التشكلي، المسرح.

غسان الشامي: المبدعون عموماً.

ملحم شاوول: المسرح هو أمر هام جداً للثورة، لبنان شهد أهم مسرح في الستينات، لذلك ما تتفضّل بتسميته ثورة ثقافية يجب أن تحصل على يد المثقفين، هم سيقومون بها، هل هم واعون لهذه الضرورة التي تطرحها حضرتك؟ ربما أنت تبشّر في صحراء.

غسان الشامي: يمكن أننا ننفخ في قربة مثقوبة ولكن على كل حال أنت متّهم دكتور شاوول بأنك متشائم بعض الشيء ولكن على هذا التشاؤم سوف أبني هذا السؤال.

ملحم شاوول: أفضّل أن تعتبرني متشائماً وليس محافظاً.

غسان الشامي: تعرف أن هناك كلاماً لإميل حبيبي عن المتشائل، أنا متشائل ولكن سأتكىء على بعض التشاؤم لديك لأسألك هل تواؤم الحداثة والمواطنة مع العلم أن التعبيران هما مصطلحان غربيان نشآ مع الدولة الحديثة، ما هي فعلياً قابليتهما لأن يصبحا ديدناً أو يصبحا مساراً لمجتمعنا؟

ملحم شاوول: رغم تشاؤمي لديّ ثقة كبيرة بأننا سنصل إلى هذا. 

غسان الشامي: هذا يعني أنك متفائل.                                        

ملحم شاوول: لا بد وإلا يصبح التفكّك انتحاراً، الوصول إلى المواطنة وشكل مشغول من الحداثة ليس كمفهوم عام وشامل، كيف نعيد صوغ حداثتنا.

غسان الشامي: ما هي حداثتنا؟

ملحم شاوول: حداثتنا لا أحبّذ أن تصل إلى هذا التركيب الغربي حالياً الذي يبني العلاقات الاجتماعية فقط على العلاقات الحقوقية. لا بد من شيء من الروح، بشيء من الأخلاقيات النابعة من تراث، من مكاننا. أحياناً تصدمني برودة قوننة وعقلنة الغرب فلا أريدها كما هي عندنا، أريد أن نعيد التفكير فيها مع روحية وعاطفية شرقنا. 

غسان الشامي: هنا أسألك كيف تلمّست جنينية أو بذور المواطنة في المجتمع اللبناني طيلة الفترة السابقة لإنشاء لبنان الكبير؟

ملحم شاوول: أحب أن أعطيك عدداً من المحطات الأساسية.   

غسان الشامي: تفضل.

ملحم شاوول: كان هناك دور ليس فقط مهني بل دور إيديولوجي تحديثي لنقابة المحامين. في العام 1952 أي بعد حوالى عشر سنوات من استقلال لبنان نفّذت نقابة المحامين في لبنان إضراباً بكل مكوّناتها وطالبت بتخفيف صلاحيات المحاكم الشرعية والمذهبية، إضراب بقي لمدة طويلة جداً ولم يُستجب له ولكن زعزع الكيان. في العام 1959 تمكّنت هذه النقابة من صوغ قانون الميراث المتساوي بين الذكور والإناث أولاً للبنانيين ولمّا رُفض من الطوائف المحمّدية سُمّي بقانون الميراث للطوائف غير المحمّدية. في بداية التسعينات تمكّنت أيضاً جماعات من المحامين من إلغاء كل أشكال التمييز تجاه المرأة في الأمور الاقتصادية وفي حق الحصول على جواز سفر وإلغاء مفهوم الكفيل وفتح حسابات في المصارف وإلى آخره، هذه تجعلني أبقى متفائلاً.

غسان الشامي: هذه نُذُر.

ملحم شاوول: حراك طلاب الجامعة اللبنانية، المطالب، البيئيون حالياً يقومون بعمل ممتاز، عمل يسأل ويتابع ويتّهم ويكشف ما يجب أن يُكشف، لدي ثقة بهؤلاء الشبيبة.

غسان الشامي: أنا أشكرك على هذا الملمح، أنت تقول أمراً ملفتاً للنظر وهذا في إحدى مقالاتك على ما أعتقد منذ أكثر من عشرين عاماً، أنت ترى استحالة بناء مشروع ديمقراطي جديد في لبنان والمنطقة برمّتها ما دام الصراع مع إسرائيل مستمراً، كيف؟

ملحم شاوول: هذا ما أسميته حال العنف وحال النزاع العنفي، لا بد لهذا الصراع من أن يجعل قطاعات واسعة من المجتمعات مسلّحة إما جيوش أو مقاومات أو مجتمع أهلي.  

غسان الشامي: ولكن لا يمكن أن تواجه إسرائيل بال...

ملحم شاوول: لا يمكن أن تواجهها من دون سلاح، ولكن السلاح برأيي وأتأمّل أن يتفهّم الإخوة المشاهدون هذه النظرة هو سلاح دائماً ذو حدين يمكن أن توجّهه نحو العدو ويمكن أن توجهه نحو الداخل وعندئذٍ يستحيل الإصلاح.

غسان الشامي: نحن إذاً من دُعاة أنه ما دام هناك استحالة بناء ديمقراطية جديدة بوجود إسرائيل فهذا يعني أن السلاح الإسرائيلي هو أساس في عدم دمقرطة هذه المنطقة، أزِل السلاح الإسرائيلي وسيصبح الأمر ممكناً.

ملحم شاوول: السلاح والأيديولوجيا، الأيديولوجيا التي لم تعد فقط صهيونية بل أصبحت يهودية مُتزمّتة.

غسان الشامي: أنا أشكرك، هذا هو الوقت لديّ. دائماً ما أستغرب كيف لا يقرأ الساسة كتب الأكاديميين التي تقرأ وتعالج شؤون المجتمع، إن هذا الرهط لفي أمّيّة معرفية، للأسف إنه قشري الاطلاع مسلوب الإرادة، ربما لذلك يدخل البلد في مئويته الثانية مُترنّحاً أو مهزوزاً. شكراً للدكتور ملحم شاوول على إضاءته وجهده، شكراً لزملائي في البرنامج والميادين الذين يقرعون معي أجراس التنوير، شكري موصول لحضراتكم، سلام عليكم وسلام لكم.

ملحم شاوول: شكراً.  

غسان الشامي: شكراً.