بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

هزّاع البراري - روائي وكاتب مسرحي

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. كاتبٌ منحازٌ لقضايا الناس وعلى وجه الخصوص للمهمّشين والمظلومين والمُضطهدين. مشغولٌ بماضي البلاد وبحاضرها، مُستلهماً تاريخها وأساطيرها في كتابة الحاضر المُطلّ على مُستقبلٍ غير معلوم. وإلى جانب الهمّ الجماعي ينشغل ضيفنا بهمومٍ وجودية وفرديّة حيثُ تأخُذُ حتميّة الموت في نصوصه المُختلفة حيّزاً لا يُستهان به وكذلك يفعلُ مع الحُبِّ والخوفِ والقلق والانكسار وسواها من حالاتٍ تُصيب الكائِن البشري أياً وأنَّ كان. مثقفٌ واحدٌ متعددٌ يشغلُ منصب المدير العام لوزارة الثقافة الأُردنية. يكتُب الرواية والمسرح والدراما التلفزيونية والمقالة ممصوصٌ في الوقت نفسه بنار الشِعر والقصيدة وإن كان لا يعتبر نفسه شاعراً. حاز الكثير من الجوائِز والتكريمات وها هو الآن يجلسُ ضيفاً كريماً ومُكرّماً في "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب. أهلاً وسهلاً بالكاتب الأُردني المرموق الأُستاذ "هزّاع البراري"، شرّفت ونوّرت "بيت القصيد"

هزّاع البراري: أهلاً وسهلاً بك أُستاذ "زاهي" وشرف لي أن أكون معك كضيف

زاهي وهبي: نتشرّف بوجودك. دعني أبدأ من الإسم لو سمحت، "هزّاع البراري". "هزّاع" أحد أسماء الأسد المكسِّر، وأيضاً معاني هذا الإسم أو مرادفاته "المُكسِّر". حضرتك "كسّرت" في هذه الحياة؟ في هذا العُمر وإن شاء الله طويل جداً يكون، ولّا كُسِّرت أكثر؟

هزّاع البراري: كُسِّرت وكسَّرت في نفس الوقت، لأنه كي تعيد بناء أي تكوين أنت في حاجة أن تُفكِّك هذا المُكوِّن وتعيد بناءه في طريقة مُختلفة. لذلك من المهم في مرحلة ما أن تُفكِّك تفاصيل معيّنة في حياتك وتُعيد بناءها لتخلِق واقعاً جديداً، وربما كانت الكتابة هي هذا الواقع الجديد الذي أنا كوّنته

زاهي وهبي: من "براري" الكنية أو الشهرة إلى "براري" الحرف والكلمة والورق في زمن الورق والكتابة على الورق ثمّ الآن بالوسائِل الجديدة. ما الذي أتى بك إلى هذه البراري الشاسعة التي إسمها عالم الكتابة على أنواعها؟

هزّاع البراري: أولاً "البراري" كاسم وكواقع لأنني أنا إبن قرية، إبن قرية مفتوحة على الفضاء المُتّسع

زاهي وهبي: (الحسبان)

هزّاع البراري: (الحسبان) نعم، وهي أيضاً مملكة تاريخية قديمة في الزمن الحديدي ثم رومانيّة بعد ذلك ثم مملوكيّة إلى آخره. هذه القرية بعيدة عن الإسمنت وإن كان في السنوات الأخيرة بدأ الإسمنت يزحف، غابات الإسمنت، لكن طفولتي كانت في هذا الفضاء الممتدّ الذي لا يحدُّه إلا المدى البعيد، وبالتالي كانت البراري هنا فكرة وأيضاً مقصداً في حد ذاته، وأنا أعتقد أنّه كلّما كانت الكلِمة بريّة وتحتفظ بفطريّتها وبراريّتها كلّما كانت أجدر لأن تكون قريبة من الناس وقادرة أن تكون مُعبِّرة عن الناس بعيداً عن الصنعة والتكلّف في الصناعة

زاهي وهبي: في زمن العولمة والتكنولوجيا وإيقاع الحياة المُتسارِع، لا يزال ذاك الريفي الذي كنته يوماً حيّاً في داخلك؟

هزّاع البراري: نعم، هذا الريفي هو الذي أكتُب منه، وأنا دائماً أقول إنّ الشخص مهما امتدّ فيه العُمر يبقى يكتُب من منطقة غائِرة في الطفولة، وهذه الطفولة هي هذا الفتى الريفي، وكلّما حافظت على ريفيّة هذا الفتى كلّما استطعت أن أكتُب أكثر فأنا معني أن أحمي هذا الفتى الريفي من كلّ هذه المُدخلات وإن كنت أتعاطى معها ولا أتجاهلها لأنّ هذه مُعطيات حياة يجب أن نأخُذ نعطي ونتفاعل ولا نكون في معزل عن هذا الواقع لكن ألّا نحوِّل هذه المُعطيات إلى حالة مُلوِّثة أو حالة ربما تحرِف الإنسان إلى اتجاهات أُخرى

زاهي وهبي: منذ الطفولة أو منذ اليفاعة كنت مُدرِكاً أنك تريد، يعني كان حلمك أن تُصبِح كاتباً؟

هزّاع البراري: إلى حدٍّ ما لأنني بدأت مثلاً أكتُب مُحاولاتي الأولى في الرواية وأنا في المدرسة. يعني لحدّ الآن أنا مُحتفِظ في دفتر مدرسي صغير

زاهي وهبي: نحن نسمّيه "سوسو" البدايات

هزّاع البراري: من 32 ورقة وكنت أكتُب فيه أولى مُحاولاتي وكانت أقرب إلى المُسلسل التلفزيوني منها إلى الرواية الآن بالمفهوم الآخر لأنّها بدايات يعني، لذلك كان مشروعي المُبكِّر. لذلك أنا نشرت أول رواية لي وأنا طالب في الجامعة فكنت سعيداً أن أرى زملائي يذهبون إلى المكتبة ليستعيروا هذه الرواية من رفوف المكتبة وأنا طالب في الجامعة. فربما كانت في وعي مُسبق في هذه المرحلة

زاهي وهبي: على كلّ حال، قبل أن نغوص في عالمك الكتابي وخصوصاً الروائي منه والمسرحي إسمح لنا أن نذهب برفقتك ورفقة "سحر حامد" زميلتنا و"قطع وصل"

قطع وصل - هزّاع البراري:

الثقافة في العالم العربي ليست أولوية لدى صانع القرار وحتّى لدى المواطنين العاديين، وبالتالي تكون الصعوبة من هذه الناحية: كيف تُقنِع صاحب القرار أنّ الثقافة العربيّة هي الأمان وهي الجدار الحقيقي للدفاع عن أيّة دولة وعن أيّة أُمّة وبالتالي لا بدّ من أن يُدرك صاحب القرار أنّ الثقافة هي السلاح الحقيقي نحو المُستقبل وحماية أيّ إرث أو أيّ مستقبل للأُمّة

أنا أعتقد أنّ الإنسان العربي مُهدّد في ثقافته، مُهدّد في تاريخه وإرثه ومن هنا تأتي أهمية الثقافة التي تحمي هذا الإرث. ما زلت أعتقد أنّ ثقافة أيّ شعب هي إسهاب حضاري وعندما نتوقف عن إنتاج الثقافة نتوقف عن المُساهمة الحضارية

أحتاج أن أُواصل مشروعي في الكتابة الإبداعية سواء في الرواية أو في المسرح أو حتّى في النقد المسرحي. أيضاً في ظلّ الإدارة التي أقوم فيها أُحاول أن أُساهِم في إيصال الإبداع إلى الشباب وأن يكون بوابة حقيقية للشباب للمستقبل وأيضاً للتنفيس عن طاقاتهم وأيضاً تفجير الكامِن من الإبداعات لديهم

أنا أجمع بين الحلم والواقع. الكاتب والمُبدِع عموماً لا يستطيع أن يكون انعكاساً مُباشِراً لواقع كما هو، هو يُضيف عليه من الحلم، يضيف عليه من الرؤية الخاصة لكي في النهاية يُقدِّم إبداعاً فيه من الواقع وفيه من المُتأَمّل وفيه من الخيال الكثير

زاهي وهبي: طبعاً حضرتك مدير عام وزارة الثقافة أو وكيل وزارة الثقافة

هزّاع البراري: نحن نسمّيه الأمين العام

زاهي وهبي: الأمين العام، واليوم حضرتك موجود معنا ككاتب في الدرجة الأولى

هزّاع البراري: صحيح

زاهي وهبي: وكمُثقّف عربي وليس بصفتِك الرسمية. ولكن متى نستطيع إقناع سُلطاتنا على اختلافها في هذا الشرق العربي أنّ الثقافة هي من الصناعات الثقيلة، يعني ممكن أن تكون صناعة ثقيلة ومصدراً ليس فقط للحفاظ على الهوية، حتّى بالمعنى الاستثماري. نحن اليوم في عصر الـ Business

هزّاع البراري: صحيح

زاهي وهبي: يعني لماذا هذه النظرة للثقافة في عالمنا؟

هزّاع البراري: إسمح لي بإطلالة بسيطة، أن نحن كمثقّفين وكعرب خسِرنا عندما تحوّل التحالف بين السُلطة والمُثقف إلى تحالف بين السلطة ورأس المال وبالتالي تراجع المُثقف خطوات إلى الوراء كثيراً وبالتالي هذا الذي أفقدنا المشروع الثقافي العربي. وربما السنوات الأخيرة وما يُسمَّى بـ "الربيع العربي" وما تلاه أظهرت هشاشة المشروع الثقافي العربي، وهذا التطرُّف وهذه الدماء المجانيّة. لو كان هذا الشباب وهذا المُجتمع مبنياً ثقافياً في شكلٍ تنويري جيد لما احتجنا أن ننفق كلّ هذه السنوات من التنمية التي ذهبت هباءً منثوراً لأنّ في رأيي ما يحمي الشعوب والأُمم ليس البندقية وحسب وإنما السلاح الثقافي هو المُهم. وهنا أيّة ثقافة نريد؟ نريد ثقافة تنويرية؟ يعني الطفل الذي يكون مؤَسساً على الموسيقى وعلى الفنّ التشكيلي وعلى السينما وعلى الشِعر وعلى المسرح

زاهي وهبي: وعلى المسرح إلى آخره

هزّاع البراري: لا يُمكن أن يُنتِج غير الجمال، لا يُمكن أن يُنتِج الكُره، لا يُمكن أن يُنتِج الموت للآخر، هذا الموت المجاني. ومن هنا بحاجة صانع القرار، وأعتقد أنّه في السنوات الأخيرة بدأ يُدرِك أهمية الثقافة كحماية. وربما نحن أيضاً أُستاذ "زاهي" بما نتحدّث فيه أن الثقافة هي استثمار اقتصادي، يُفتَرَض أن يكون اقتصادياً كبيراً. نحن في وزارة الثقافة الآن نُعِدّ العدّة لمؤتمر تحت عنوان الاستثمار بالفن. كيف نُحوِّل الفن بأنواعه إلى اقتصاد يُدِرّ على البلد على المُشتغلين في هذا القطاع

زاهي وهبي: وأنا كزائِر دائِم لـ (الأُردن) أستطيع أن أشهد على وجود حراك ثقافي لا بأس فيه في أوساط الشباب الذين يشتغلون موسيقى، الذين يكتبون، الذين يرسمون، المواقع الأثرية والثقافية في (الأُردن) مواقع هائِلة، يكفي "المغطس" والأمكنة التي مرّ فيها الأنبياء، يعني (جبل نيبو) وغيره وإلى آخره. المهم، تقول حضرتك: الكتابة مُحاولة تمرُّد على الموت. هلّ هذا أمر واقعي أم أنّ الكُتّاب يبالغون، مثلما العاشق يُبالِغ في وصف معشوقته، في توصيف فعل الكتابة

هزّاع البراري: لا، أنا أعتقد أنّه لا يُبالِغ لأنّ الإنسانية كلها، الحضارة الإنسانية كلّ حضارتها نتاج خوف، من الحضارة الفرعونية للأشورية لحضارة (بابل)، كلّ هذه الحضارة التي أُنتِجت أُنتِجت نتيجة الخوف، الخوف من الموت الخوف من العدو الخوف من البرد الخوف من المرض، كلّها أنتجت هذه الحضارة، صناعة الأدوية، صناعة الأسلِحة، اختراع الديانات في فترة ما قبل الديانات السماوية. تُلاحِظ أنّ المعابِد والقبور هي الأشياء الباقية من الحضارات القديمة لأنها ارتبطت بالحياة ما بعد الموت لذلك هنالك رفض لفِكرة الفناء، رفض لفكرة الموت والكاتب معني جداً بهذا الموقف لذلك هو يكتُب لأنه يرفُض فكرة الفناء، والموت أحياناً عند الكاتب ليس فناءً، هو شكل من أشكال حياة أُخرى يعتاشها أو يعيشها وهو على قيد الحياة، ينتِجها في الكتابة

زاهي وهبي: كنت أريد أن أسأل، أنت لا تزال في عُمر الشباب وإن شاء الله نقول دائِماً عُمرك طويلاً وجميع المُشاهدين

هزّاع البراري: ألله يسلّمك

زاهي وهبي: ما الذي يشغلك في فكرة الموت؟ في رواياتك المتعدّدة وخصوصاً في أعالي الخوف هاجس الموت حاضر دائِماً

هزّاع البراري: صحيح  

زاهي وهبي: لماذا أنت مشغول بهذا الأمر؟                                    

هزّاع البراري: هاجِس الموت ليس مرتبطاً بالعُمر، أنّك عندما تقترب من النهاية تفترض أنك تقترب من الموت وبالتالي تكون مسكوناً. الموت في منطقتنا العربية تحديداً هو رفيق حاضر موجود ومُكوِّن أساسي من مُكوِّنات الحياة اليومية التي نعتاشها وبالتالي هذا الموت هو ما يُنتِجه من حالات فقد، لذلك الموت نفسه كموت غير مُخيف. أحد الفلاسفة الرواقيين سألوه هلّ تخاف من الموت؟ قال كيف أخاف من شيء عندما يأتي لا أكون أنا موجوداً؟ لكن المشكلة هي الخوف من اتّساع حجم الفقد سواء فقد الناس الذين أنت تُحبّهم أو هذا الفقد الذي تتركه عند الناس الذين تُحبّهم. هنا المُعادلة الصعبة وهنا تأتي أهمية الموت في الحياة كمعيار وقيمة للحياة. أنا أتوقع أن الحياة لو نُزِع منها الموت لفقدت قيمتها وفقدت معيارها

زاهي وهبي: في هذا المعنى يقول الشاعر الكبير "محمود درويش" إنّ الموت لا يوجِع الموتى، يوجِع الأحياء

هزّاع البراري: بالضبط. أنا في روايتي دائِماً أذكُر أننا نعيش موت الآخرين في حياتنا لأنهم لا يغادروننا تماماً ولا يتركوننا تماماً، لذلك حتّى هم يتحكّمون في بعض تصرّفاتنا عندما نقول، لا أريد أن أفعل هذا الشيء لآنّ هذا يُغضِب مثلاً رحِمه الله والدي أو يُغضِب

زاهي وهبي: إكراماً لذِكرى فلان، نعم

هزّاع البراري: فما زالوا حتّى فاعلين ويغيّرون ويتصرّفون في حياتنا. إذاً، الموت ليس نهاية هو شكل من أشكال الحياة إن تعاطينا معه من هذه الزاوية

زاهي وهبي: نعم. تقول أيضاً: أتخبّط مثل سمكة تُقاوِم بعبث وجع الصنارة. هلّ قَدَر الكاتب أن يعيش صراعاً دائِماً مع نفسه، مع داخله، مع ربما الأصوات المتعدّدة التي يُمكن أن تكون داخله

هزّاع البراري: هذا قَدَر الكاتب، وإن تخلّى عن هذا القدر خسِرَ الكثير من مساحات التأويل والكتابة والأسئِلة. وأنا أعتقد أنه كلّما حاصرت الأسئِلة والشكّ الكاتب كلّما كان قادراً على تقديم ما هو جيِّد وما يستطيع أن يحيا. وأنا أريد أن أضرِب لك مثالاً أُستاذ "زاهي" بسيطاً. الكثير يقول إنّ الشخص المؤمن والمُطمئِن كثيراً عندما يموت يقولون إنّ النور يظهر من وجهه لأنه مُطمئِن إلى أسئِلته وإجاباته، أمّا الفيلسوف أو الكاتب فيكون وجهه كئيباً لأنه لا توجد إجابات شافية على أسئِلته. هنا أقول إنّ الكتابة هي معركة الأسئِلة وليست معركة الإجابات وكلّما كانت الأسئِلة كثيرة ومُتشظية ومتوالية كلّما كان هذا أفضل للكاتب أو الشاعر أو الفنان

زاهي وهبي: السؤال بالنسبة لحضرتك أكثر إمتاعاً من الإجابة؟ يعني حين يخطر في بالك سؤال، حتّى لو لم تجِد جواباً مباشراً له

هزّاع البراري: أعتقد أنّ الفنّ الحقيقي هو فنّ السؤال وليس فنّ الإجابة لأنّ الإجابة قد تحصل عليها من مشارِب مُختلفة ومن أفكار مُختلفة لكنّ السؤال هو الذي يُفجِّر هذه الينابيع المُختلفة والمتنوِّعة

زاهي وهبي: جميل

هزّاع البراري: كلّما أتقنت فنّ السؤال كلّما استطعت أن تشرب المزيد من المعرِفة والمزيد من الفِكر في الحياة وتُقدِّم بالتالي بصمتك الخاصة في ما تُنتِجه من إبداع

زاهي وهبي: هلّ توجد كتابة، خصوصاً في تجربتك، تعويض عن نُقصان ما أو عن خسارة ما؟ أو عن فُقدان ما مثلما قلنا؟

هزّاع البراري: أكيد في حياتنا يوجد نُقصان، مساحات من النُقصان كبيرة، مساحات من الفَقد كبيرة. لكن أنا كتابتي أتعامل معها على أنّها توسِّع مساحات النقص ولا تعوِّضه، وأنا معني في مشروعي أن أوسِّع هذه المساحات، فكلّما اتسعت مساحة النقص كلّما زادت مساحة الكتابة والإبداع. هي يعني متعاكسة ومتوالية في نفس الوقت. لذلك إذا وصلت إلى الاكتمال في لحظةٍ ما، اكتمال في رؤيتك للحياة، اكتمال في أسئِلتك وفي إجاباتك كلّما ضاقت عليك مساحة الكتابة

زاهي وهبي: يعني توافق مقولة "النفري" أو "إبن عربي": "كلّما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"

هزّاع البراري: بالضبط، يعني حتّى الآن إذا تُلاحِظ أننا نتّجه في كتاباتنا إلى التكثيف، التكثيف والاختزال. لكن هذا التكثيف والاختزال يُكشِف مساحات وصحاري جليدية واسعة من النُقصان في حياتنا وفي داخلنا وفي وعينا. نحن نقتات ككتّاب ومُبدعين على هذه المساحات

زاهي وهبي: تبرُز في أعمالك غربة المُثقف إذا جاز التعبير وأحياناً انكسار المُثقف كما في أعالي الخوف أو انكسار الحلم لدى المُثقف. هلّ قدر المُثقف اليوم، لا نتحدّث فقط عن المثقف العربي بل عموماً على هذه الأرض، أن يعيش في غربة؟ وعندما يكون غريباً عن هذا الواقع، عن هذا المُجتمع كيف يستطيع أن يكتُبه وأن يقوله وأن يُساهِم في ترميمه؟

هزّاع البراري: للأسف المُثقف يعيش في غربة، وربما غربة المثقف العربي أكبر من غربة المثقف العالمي لكنّ الغربة موجودة في أشكالٍ مُختلفة. أنا أُضيف على ذلك إنّ المثقف العربي يُعاني من هزيمة، هزيمة المشروع السياسي العربي أدّت إلى هزيمة المثقف العربي. يعني المُثقف العربي فشِلَ في أن يُساهِم في إنتاج مشروع ثقافي

زاهي وهبي: عفواً، هنا جملة معترضة، لا نزال نعيش في رأيك بهذا المعنى آثار هزيمة عام 1967؟ التي ربما تركت الأثر الأكبر على الحركة الثقافية العربية

هزّاع البراري: أكيد، هي تركت شرخاً أساسياً وأصابت المشروع العربي في مقتله، خاصةً أنه كانت القومية العربية مُزدهرة وحاولت أن تبني مشروعاً ثقافياً على المشروع السياسي. لكن في ما بعد تراجع المثقف في مقابل السياسي وكان في الزمانات المثقف بالضرورة سياسي

زاهي وهبي: نعم، حتّى الذين أسّسوا الأحزاب في المشرق العربي مُعظمهم من كبار المُثقفين مثل "أنطون سعاده" و"ميشال عفلق" و"فرج الله الحلو"

هزّاع البراري: هذا لم يعُد موجوداً، يعني لم يعُد من يقود الدفّة السياسية يحمِل هذا الهمّ الثقافي الكبير. لذلك هذا انعكس على المؤسّسات الثقافية، على وجود المثقف. أنا أُحمِّل أيضاً أنّ المثقف، وأعتقد أنني جزء منهم، مسؤوليته الانكفاء عن الذات والتخلّي عن القضايا العامة والقضايا التي تهمّ الناس

زاهي وهبي: من أجل هذا نجد النزعات الفردية في الكثير من الشِعر الحديث مثلاً أو حتّى الروايات صارت هي الطاغية. النزعة الفردية عند الشاعر، شؤونه ومشاغله اليومية هي همّ قصيدته

هزّاع البراري: شؤون صغيرة

زاهي وهبي: شؤون صغيرة إذا أردت

هزّاع البراري: يعوّضون عن ذلك بالحديث عن الأنا المتضخّمة والأنا المُجتمعية وأن الأنا الواحدة أصبحت كونية ومجتمعية، أعتقد أنّ هذه مُصطلحات فضفاضة جداً. أنت جزء تتحرّك في وسط متكامل تتأثر به ويجب أن تؤثِّر به. وحتّى تغيِّر فيه يجب أن تؤثِّر فيه. هلّ نحن كشعراء أو كروائيين أو كمسرحيين قادرين على التأثير حتّى نُحدِث هذا التغيير؟ ما زال هذا الشيء غير واضح وأنا ربما مرة كتبت دراسة نقدية لها علاقة بالمسرح لكنها تنسحِب على كلّ شيء تحت عنوان "خيبة المُتلقّي". الجمهور عندما يأتي إلى مسرحيّة، عندما يأتي إلى أُمسية شعرية أو إلى غير ذلك يأتي لديه خيبة، لا يرى صداه، لا يرى نفسه، لا يرى مشاكله وأحزانه وانكساراته وأحلامه فيعود من دون تأثير. ربما أتذكّر "سعد الله ونّوس" الكاتب المسرحي ألله يرحمه كان يقول: أنا لستُ معنياً إذا جاءني جمهور وفيهم واحد همّه الداخلي أن أُسلّيه، أنا معني أن يخرُج من بعد العرض ولديه هموم إضافية جديدة وأمور إضافية حتّى ينشغل فيها ويُحاول

زاهي وهبي: ويُفكِّر

هزّاع البراري: بالضبط

زاهي وهبي: يُشغِّل دماغه بهذه الأمور. في هذا المعنى وانطلاقاً من كتاباتك ومن مسرحية " قلادة الدم" التي سنتحدث عنها بعد قليل، هلّ تنتهي القضايا الكُبرى؟ اليوم يوجد تيار في الثقافة العربية، أنك إذا أردت أن تكتب عن (فلسطين)، إذا أردت أن تكتب عن المُقاومة، إذا أردت أن تكتب عن أيّة قضية عادلة في هذا الشرق المُعذّب صرت دقّة قديمة، موضة. هلّ تنتهي الأحلام؟ هلّ تموت الأحلام وتنتهي مدّتها والقضايا الكُبرى؟

هزّاع البراري: يجب ألّا تنتهي الأحلام، إذا انتهت الأحلام في رأيي انتهت الكتابة انتهى الإبداع. لكن أنا ضدّ الكتابة المؤدلَجة في الأساس

زاهي وهبي: نعم الخطابية والشعاراتية

هزّاع البراري: أو أنا أُقرّر أن أكتُب، قرار أنني أُريد أن أكتب رواية عن القضيّة الفلسطينية أو رواية عن القضيّة العربية في الموضوع الفُلاني

زاهي وهبي: في تعميم حزبي مثلاً

هزّاع البراري: لكن أنت تكتب رواية من واقع الحال وبالتالي تدخُل لقضيّة، تدخُل القضايا كخلفيّات للشخصيات والأحداث ولا أن تُخصّص كتابة قصديّة عن قضيّة معينة وبالتالي هذا يُفقِد العمل إبداعيته ويُفقِد تواصل الناس والقارئ

زاهي وهبي: ويحوّله إلى خطاب أيديولوجي وسياسي وليس هذا المقصود

هزّاع البراري: والقارئ حسّاس وواع. يعني الآن القصائِد المنبرية التي تحمل قضايا في شكلٍ مباشر ما عادت مقبولة. حتّى الشاعر الكبير "درويش" كان يقول في آخر أُمسياته: "سأقرأ لكم ما تحبّون ولا أحب وسأقرأ مما تُحبّون وأُحبّ وسأقرأ مما أُحب ولا تحبّون"، بمعنى هو يختزل الحالة التي الآن التطوّر في معرِفة أو التطوُّر في فَهْم الكتابة، أنّ الكتابة كائِن يتطوّر ويأخُذ أبعاداً مُختلفة

زاهي وهبي: لكن عندما الكاتب يكون كاتب بيئته وحياته وتجربته، مثلاً "غسان كنفاني" لا تزال رواياته تعيش إلى اليوم

هزّاع البراري: صحيح

زاهي وهبي: رغم استشهاده منذ عقود

هزّاع البراري: وهي روايات في صبغتها اجتماعية وطنية يعني لم تكن وطنيّة صرفة، هناك قصة وحكاية عادية ممكن أن يكون أي شخص مهني يشتغل ميكانيكياً أو غيره لكنّها تأخُذ هذا البُعد. القصدية في كتابة القضايا الكُبرى أنا ضدّها، ضدّها تماماً، وأن تُخصّص عملاً لقضية كُبرى، لأنّ هذه القضايا أصبحت جزءاً نعتاشه يومياً، فلتكن داخل أيّ عمل روائي في هذه الصيغة

زاهي وهبي: ولكن في المقابل أيضاً النزعات الفردية جداً المُغرِقة في فرديّتها تتخلّى عن كلّ الهموم العامة

هزّاع البراري: صحيح لأنك تصير تكتُب عن دخان السيجارة وعن لون القهوة وتقف عند هذا فقط، رغم جمالية المشهدية الموجودة لكن

زاهي وهبي: لكن هناك ما قبل وما بعد هذه اللقطة

هزّاع البراري: بالضبط. ممكن أن تكون هذه اللقطة الجميلة مدخلاً لتربِط قضايا معينة تهمّ الناس من خلالها

زاهي وهبي: استلهامك في العديد من رواياتك للأساطير وللموروث التاريخي هلّ هو استعانة أو اتكاء على الماضي؟ لقولٍ ما حاضر؟ أم التاريخ مُلهِم لك؟

هزّاع البراري: ربما أُستاذ زاهي هذا وذاك وأبعد من ذلك بقليل. يعني أنا أقرأ في التاريخ أكثر مما أقرأ في الأدب نفسه، أكثر مما أقرأ في أيّ عِلم آخر، لأنني أرى أنّ التاريخ ليس مُجرَّد كلمة تاريخ، هو فيه كلّ العلوم موجودة، تاريخ الفنّ تاريخ العلوم والآثار

زاهي وهبي: حتّى قصص الحبّ والعشق والخيانة والانتقام

هزّاع البراري: تقرأ الميثولوجيات القديمة والطقوس القديمة، أنت تقرأ العالم في التاريخ، عالَم كامل تقرأه في التاريخ لذلك عندما تكتُب رواية وأنت غير قارئ للتاريخ تبقى أنت تفتقر، هذه الرواية فقيرة ضعيفة وغير قابلة للحياة حتّى وإن في حفل توقيع جاء أصدقاؤك واحتفلوا معك وكتب صديق لك في جريدة أو مجلّة، هذا لا يعني شيئاً. حياة هذا النصّ تتكئ على ما يحوي ويجب أن يكون النص مُثقفاً. أنا مع أن يكون النصّ مثقفاً وإن كنت تخسر أحياناً القارئ العادي الذي يقول إنّ هذا نصٌ نخبوي

زاهي وهبي: لأنه يصير يحتاج إلى تفكيك رموز وإلى استشهادات والعودة، يعني القارئ يحتاج إلى عدّة جيّدة

هزّاع البراري: صحيح، وأنا لا أريد أن يكون نصّي مثل الوجبات الجاهِزة أو السريعة، الوجبات السريعة، لأنها مؤذية وتُنسى. أنا أُريد أن يكون القارئ شريكاً معي في القراءة والكتابة. عندما يتورّط معي في اللعبة التي ألعبها في الورق هو يضيع ويبدأ يبحث معي عن الإجابات

زاهي وهبي: فقط بإيجاز لو سمحت لأنني أريد أن آخذ استراحة. لكنك لست ماضوياً بمعنى غير مسكون بالحنين والعودة إلى الماضي

هزّاع البراري: لا أنا أُريد، عندما يقرأ القارئ لي يرى نفسه، يرى أصدقاءه، يرى شوارِع مدينته والحارات والأزقّة، لا أُريد أن أكتب من مسافة بعيدة عنه أو آخذه إلى مسافة مجهولة بالنسبة له، أُريد أن أكون قريباً منه حتّى أستطيع أن أؤثِّر فيه وأترُك في داخله أثراً. وكثيراً ما جاءتني رسائِل تقول: أنت تكتب عنّي أو عن صديقي أو عن

زاهي وهبي: وربما هذا أجمل إطراء يسمعه كاتب

هزّاع البراري: أجل صحيح

زاهي وهبي: عندما قارئ يقول له: كأنّك كتبتني، كأنك قلت ما أُريد أن أقوله

هزّاع البراري: صحيح، سعادة خاصة

زاهي وهبي: نعم. لو سمحت لي أُستاذ "هزّاع البراري" نتوقف مع استراحة سريعة ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثاني                

 زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام نُتابع "بيت القصيد" مع الروائي والكاتب وأمين عام وزارة الثقافة الأُردنيّة الأُستاذ "هزّاع البراري". أُستاذ "هزّاع"، عطفاً على ما بدأنا به حول عالمك الروائي والكتابي سواء في الرواية وفي المسرح وفي الأعمال الأُخرى سواء مُسلسلات أو مقالات. انشغالك أو همّك أو انحيازك إلى المُهمّشين والمُضطهدين مثلما قلت أنا في التقديم، من أين نابِع هذا الالتزام بقضايا الناس؟ هذه الفئات من الناس؟

هزّاع البراري: لأنّي باختصار من ضمن هذه الفئة. أنا نشأت وعشت ضمن هذه الفِئة ولا زلت أنتمي إلى هذه الفئة حتّى في العيش يعني. أنا أعتقد أن تكونَ في برجٍ عاجي أو أن تفصل نفسك عن هذه الفِئة أنت تفصل نفسك عن المُجتمع وأنا ما زلت أؤكِّد أنّ هذه الفئة، وهي فئة متّسعة من المُجتمع، هي التي تُنتِج الأُدباء والمُفكّرين والشعراء ولاعبي كرة القدم والمبدعين في كافة المجالات والمتميّزين. هذه الفِئة فئة مُنتِجة تُقدِّم، وأنا أرى على مدى سنوات، ولا زالت هذه الفئة هي التي تقود. صحّ هي لا تقود بالـ Business ورأس المال والشركات والاقتصاد لكنّ هؤلاء الذين يبنون وجدان الشعوب

زاهي وهبي: لكن عندما صار الـ Business هو الذي يقود خرِبَت بلادنا وخرِبَت بيوتنا. اليوم الأزمات العاصفة الاقتصادية في العالم وليس فقط في العالم العربي مَن سببها؟

هزّاع البراري: أجل صحيح. صحيح، لكن حتّى هؤلاء المهمّشون هم الذين يدفعون ثمن أيّ انهيار اقتصادي وتراجُع اقتصادي أكثر من صاحب المال نفسه لأنّ هناك من يُسرَّحون من أعمالهم ويعودون إلى بيوتهم بلا وظائِف وتُقلّص مُخصّصاتهم القليلة أصلاً. فأيضاً حتّى الأزمات والحروب، الذين يدفعون ثمن هذه الأزمات والحروب هم هذه الفِئة. هي أكثر فئة مُنتِجة إبداعياً وأكثر فئة تتلقّى مصائِب الأُمّة ونكساتها ونكباتها ويدفعون غالياً مقابل ذلك

زاهي وهبي: في هذا المعنى مسرحية " قلادة الدم"، أولاً ما هي قلادة الدم؟ وهذه مسرحية نالت جوائِز يعني وحصدت

هزّاع البراري: نعم صحيح، جائزة "أبا القاسم الشابّي" من (تونس) كنصّ مسرحي. في الحقيقة هي مسرحية تغوص في الانتكاسات التي نتجت من  الحروب المتتالية، وعندما يكون هنالك شخص مُثقف وشاعِر، ولأجل انتماءاته القومية والوطنية يترك القصيدة ويترك الوظيفة ويترك الحبيبة ويلتحق في ساحات المعركة، ثمّ من معركة إلى أُخرى ومن سجن إلى معركة أُخرى وانكسار وراء انكسار وهزائِم متتالية ويعود مهزوماً ليبحث عن حبيبته فيعود ليموت بين يديها، فتقول له: أنت عدت لتموت عندي؟ يعني في هذا المعنى، هو هنا يُمثِّل هذا الانكسار وهذا الحُلم. وربما أنا أُحمِّل أنّ في هزيمة المثقف العربي هو شريك فيها لكن ليس كلّ الأمر يقع عليه

زاهي وهبي: ليس المسؤول الأول

هزّاع البراري: لأنه تمّ إفشاله أيضاً، أمور مختلفة أفشلت حلم هذا المُثقف أو مشروع هذا المُثقف

زاهي وهبي: كم من المُثقفين أُعدِموا وسجنوا ونُفوا

هزّاع البراري: وتم تكسيرهم بتكسير مشاريعهم، فبالتالي أصبحت المنطقة بلا بوصلة. السياسة بلا بوصلة، الدول بلا بوصلة، مَن يخلِق هذه البوصلة؟

زاهي وهبي: المشروع الثقافي

هزّاع البراري: المشروع الثقافي، ومَن يقود هذا المشروع الثقافي؟ هو المثقف والمتنوِّر. الآن هلّ المثقف والمُتنوِّر هو الذي يقود؟

زاهي وهبي: أبداً

هزّاع البراري: حتّى نحن في بلداننا نتحدّث عن ضرورة التنوير، لكن من يقود هذا التنوير؟ ألا تأتي بالمثقف وتضعه في المكان الحقيقي الذي يقود هذا التنوير؟ لكن هذا لا يحدُث. نتحدث فقط في الشعارات وعند القيادة في الإدارات المُختلفة لا تذهب إلى المتنوّرين، غالباً يعني

زاهي وهبي: للأسف. دعنا مرة أُخرى نستمع إليك في "قطع وصل" مع "سحر حامد" لو سمحت

قطع وصل - هزّاع البراري:

أقصى حلم كان لديّ في الطفولة، كوني إبن قرية وابن ريف والريف مفتوح على الفضاء المفتوح والخيال، كنت أحلم بأن أكون رائِد فضاء مسكوناً بالنجوم والأقمار والأجرام السماوية البعيدة. لكن في مرحلة الثانوية صار عندي نضج أكثر وربما الواقعية أصبحت أكثر فأصبح الحُلم الكتابة هو الحلم المُعوِّض عن السفر للفضاء وصرت أُسافِر في فضاء الإبداع وفضاء الكتابة من خلال الرواية والمسرح والكتابات الأُخرى

أكثر شيء يسرّني هو وجود العائِلة في جانبي بالإضافة إلى إنجاز نصّ إبداعي جديد. الكتابة مُتعة ذاتية لذلك أنا أكتُب من ذاتي ومن داخلي وأُحقّق المُتعة لنفسي من خلال إنجاز النص الكتابي. أُحاول دائِماً أن أوازن بين ما أكتبه ويُعجبني وما أُقدِّمه للناس ويُعجبهم أيضاً

حالياً أنا مُهتمّ بالمسرح في شكلٍ أساسي، أتابع الحركة المسرحية في (الأُردن) وأيضاً النقد المسرحي ولا بأس من متابعة الدراما أيضاً الجيدة في الدراما العربية

الكتابة هي نافذة الحريّة ولكنّها نافذة كبيرة ومتّسعة بالنسبة للكاتب. هو يستطيع أن يتوسّع من خلال هذه النافذة الصغيرة ليضع الكون كلّه في هذه النافذة، وبالتالي الكتابة هي مساحة الحريّة لدى الكاتب وهي مساحة التواصل بينه وبين أفكاره وبين الناس والمُتلقّين ليخلقا معاً مساحة مُشتركة أساسها الجمال والمعرِفة والإبداع

زاهي وهبي: يعني من الحُلُم بريادة الفضاء إلى ريادة فضاء الورق والصفحات. كم تشعُر أنّك حُرّ لحظة الكتابة؟

هزّاع البراري: أنا لا أكون حرّاً إلّا في لحظة الكتابة. أنا في لحظة الكتابة أتجرّد تماماً

زاهي وهبي: بمعنى لا يحضُر القارئ والمتلقّي والرقيب وماذا سيقول فلان وعِلّان

هزّاع البراري: من الخطورة بمكان أُستاذ "زاهي" أن تكتُب تحت سلطة القارئ، أنّ هذا سيُعجِب القارئ أو أنّه لن يُعجِب القارئ، أنّ هذا سيُعجِب الجهة الفلانية أو لن يُعجِب الجهة الفلانية، بالتالي ستتحوّل من مُصمّم ومُبتكِر إلى خيّاط تُخيط

زاهي وهبي: نعم، تُفصِّل على القياس

هزّاع البراري: بالضبط. لذلك أنا دائِماً قلت كما لاحظت في التقرير أنّني أكتُب للمُتعة الشخصية أولاً، أنّ النصّ إذا لم يُمتعني أنا لا أنشره حتّى وإن لاقى إعجاب الأصدقاء والعارِفين بالكتابة. لأن أنا لا أكتب فقط تحت ضغط أنني أُريد أن أكتب أو لمُجرَّد أنني لم أكتُب منذ فترة فيجب أن أكتُب! لا، أن أكتُب لأنني في حاجة أن أكتُب في تلك اللحظة ولا أستطيع أن أتجاوز هذه الرغبة

زاهي وهبي: نعم، هلّ تُداهمك لحظة الكتابة أم تُخطِّط لها؟

هزّاع البراري: في الرواية يجب أن تُخطّط لها، لكنّ الفِكرة تُداهم. يعني الفِكرة تأتي فجأةً لكنّها تأتي بذرة لأنّها في حاجة إلى بناء

زاهي وهبي: هلّ تُسجِّلها؟ وإذا لا تسجلها هلّ تبقى الفِكرة أم تهرُب؟

هزّاع البراري: لا أُسجِّل ولا أُسجِّل أية ملاحظة وأنا ربما في العمل أُسجِّل ملاحظات كثيرة ولكن في الرواية أنا من النوع الذي أُنضِّج العمل في داخلي تماماً، لذلك حين أكتُب، أكتُب بسرعة ومَن يراقبني يعتقد أنني أنسخ من كتاب أو أحد يُلقنّي. لا أُمزِّق أوراقاً، طبعاً أنا نحن نكتب على

زاهي وهبي: تكون اختمرت

هزّاع البراري: اختمرت تماماً حتّى على مستوى اللغة. لذلك أنا كتابتي سريعة ككتابة، لكن الإعداد ما قبل الكتابة هذه تأخذ فترة طويلة ربما سنتين أو أكثر لذلك فترة الهدم والبناء أقوم بها في ذهني قبل أن أصل إلى ما سأكتب

زاهي وهبي: بين الرواية والمسرح والمقالة والدراما التلفزيونية وقليل من الشِعر الذي يُحيي قلب الإنسان، أليس من الممكن أن يُشتّت التركيز والموهبة الحقيقية الفعلية؟

هزّاع البراري: أنا أنظُر إلى الكتابة في اعتبارها مفهوم شامل متكامل. هي كتابة، أنا لغتي فيها الكلمة والحرف سواء كانت في المسرحية أو في الرواية أو في القصيدة، هي الكلمة وليست سواها. وبالتالي أن تكتب، عندما أكتُب مسرحاً وأنا في لحظة كتابة المسرح بيني وبين نفسي أقول: لن أكتُب رواية بعد ذلك لأنّ الشكل المسرحي يستولي عليّ في تلك اللحظة، وعندما أكتُب رواية أستغرِب أنني كتبت مسرحاً! كيف كنت أستطيع أن أكتُب مسرحاً لأنّ المسرح مُحدّد بخشبة وفي زمان ومكان بينما الرواية تفتح لك فضاءً متّسعاً كبيراً جداً. فأيضاً الدراما التلفزيونية أنت مُقنَّن بمشهد ولقطات وقطع ووصل، ففيها هندسة أكثر من أن تأخذ راحتك في الإبداع. لكن أنا في رأيي ليس المُهمّ أن تكون متعدّداً أو تكون كاتباً عابراً للأجناس

زاهي وهبي: ما المهم؟

هزّاع البراري: المهمّ أنّكَ تترُك بصمة إبداعية في ما تُنتِج، حتى لو أنتجت رواية فقط أو مسرحاً فقط أو كذا، فالتعدُّد يجب ألّا يكون هو الأساس

زاهي وهبي: مع أنّ لغتك شاعرية وعندكَ أيضاً، حتّى نظرتك إلى الكثير من الأمور من خلال حوارنا الآن فيها شيء من الشاعرية، لا تعتبر نفسك شاعراً، وأحد كتبك هو كتاب شِعر

هزّاع البراري: أنا أُصِرّ أنني لستُ بشاعِر

زاهي وهبي: تخشى؟

هزّاع البراري: أخشى، لأنني أنا لا أستسهل الكتابة أبداً بكلّ أنواعها، لا أستسهلها. فالشِعر ليس شيئاً سهلاً، الكثير من الناس الآن يستسهلون مع التقنيات الحديثة والتواصل الاجتماعي ما هبّ ودبّ، لكن أنا في رأيي أنك تبدأ في الفشل في لحظة استسهال الكتابة. لذلك رُعب الكتابة ما زال يُصيبني، حتّى عند كتابة الشذرات الصغيرة هنالِك رُعب في لحظة الكتابة. الشِعر ليس شيئاً سهلاً وبسيطاً وتقنيته في غاية الصعوبة لذلك لا أعد نفسي شاعراً ولكن أستثمر هذا الشعر الذي في داخلي بلغتي، أستثمره في المسرح، في الرواية، حتّى ما نشرته، وهي دار نشر تبرّعت الآن وهُم جمعوه، أسميته "شظايا نصيّة" ولم أُسمّه شعراً، هي شظايا

زاهي وهبي: عنوانه؟

هزّاع البراري: "تجاعيد الفراغ"

زاهي وهبي: "تجاعيد الفراغ"! هذه صورة شعرية في حدّ ذاتها. انطلاقاً، وأُريد أن أعود إلى العالم الروائي، انطلاقاً من روايتك "أعالي الخوف" لماذا هناك علاقة دائِمة بين الحبّ والخوف؟ ما هي العلاقة السريّة بين الحبّ والخوف، فقط لكي أُبسِّط الموضوع لمُشاهدينا وما أنا أقصده. أنّ أحياناً نحن في زمن الحرب مثلاً، خوفك على الناس الذين تُحبّهم يتكثّف، يتضاعف، لأنه ممكن لا سمح الله أن تخسرهم

هزّاع البراري: لأنّ هناك خطراً

زاهي وهبي: وهكذا يعني. أنت دخلت إلى هذا العالم، عالم الخوف وعالم القلق والتوتُّر والحبّ، مع سبق الإصرار؟

هزّاع البراري: هناك ثُنائِيات تُشكِّل حياتنا التي هي الحياة والموت، هي تماماً كأنها الوجه للحب والخوف. الآن أن تُحبّ بمعنى أن تحيا لأنّ شكلاً أساسياً من أشكال الحياة هو الحب لأنك أنت إذا فقدت هذا الحبّ أنت تعيش مثل أيّ كائِن من الكائِنات الموجودة ولكن ليس لحياتك أيّة قيمة مُضافة. بالتالي الموت هو ضدّ الحبّ والحرب هي ضدّ الحياة وتتداخل هذه الثنائيات مع بعضها البعض بشكلٍ متكاثف وأنا أتصارع بين هذه الثنائيات وأحياناً أُكثفها عامداً متعمّداً وأحياناً أتخفّف منها قاصداً أن أراها من مسافة أبعد قليلاً لأراها بأكثر وضوح. لكن لا يُمكن أن تستغني عن هذه الثنائيات وأن تتمتّع بقلق خفيف أو قلق فارِغ

زاهي وهبي: ترف

هزّاع البراري: بالضبط. القلق شيء جميل جداً في الحياة، الأرق شيء تتعامل معه بلذّة خاصة لأنه إن كان القلق والأرق يُنتِج المرء لكن إن كان لا يُنتِج إلّا مزيداً من القلق الآخر يُصبِح حالة مرضيّة وبالتالي

زاهي وهبي: يعني تعيش حالة ما قاله المتنبّي يوماً: "على قلقٍ كأنّ الريح تحتي". "البير كامو" يقول: " ليس هناك أفضل من عدم الاستقرار لتحريض الفِكر"، بمعنى أنّ الاستقرار قد يبعث على الرتابة، على الخمول، على الكسل

هزّاع البراري: الاستقرار شكلٌ من أشكال الموت

زاهي وهبي: نعم

هزّاع البراري: والاستقرار لا يُنتِج، والاطمئنان للإجابات لا يُنتِج فلسفة ولا يُنتِج فِكراً ولا يُنتِج حضارة. أنت حين تطمئِن أنّك لن تموت ستتوقف عن عمل أيّ شيء مفيد في الحياة. لذلك أنا أرى أنّ الحضارة البشرية مدينة للموت لكي تكون بهذه الحضارة الشاسعة

زاهي وهبي: بمعنى كلّ واحد منا يُريد أن يوجِز شيئاً ما في هذه الحياة قبل أن يرحل، قبل أن يُغادر

هزّاع البراري: صحيح

زاهي وهبي: لكن في موضوع اليقين والسؤال والجواب، "شمس التبريزي" يقول: "أن تكون دائِم الشكّ يعني أنّكَ على قيد الحياة"

هزّاع البراري: صحيح

زاهي وهبي: بمعنى أنّ اليقين المُطلق تسليم مُطلق  

هزّاع البراري: التسليم يعني أن تفقد كلّ بوصلتك في اتجاه ما هو مُختلِف وما هو مُغاير وما هو مُدهِش وما هو مُبدِع. أنت لا تريد أن تكون آلة مُبرمجة، تمّت برمجتك في طريقة معينة وتتصرّف ضمن هذه البرمجة لأننا نتحوّل إلى آلات، وإذا بُرمِجنا بطريقة خاطِئة نتحوّل إلى آلات فتّاكة ومُدمِّرة وقاتلة وهذا ما يحدُث، وهذا شيء خطير أتوقّع. لا، نريد أن نكون على قلق، القلق أفضل

زاهي وهبي: نعم. على سيرة الموت مُجدّداً، تقول حضرتك الموت خدعة كالسفر، بمعنى أنّ مَن يموت هو فقط يغيب عن الأعيُن

هزّاع البراري: صحيح

زاهي وهبي: هو نوع من العزاء؟ كأننا نُعزّي أنفسنا بهذا القول؟

هزّاع البراري: لا أعتقد أنّ نحن من الضحايا حتّى نُعزّي أنفسنا لأن الموت شيء واقع. لكن أنا أنظُر للموت نظرة جمالية، بمعنى أنّ الموت هو جزء من الحياة وليس مُنهياً للحياة. الكثير من الناس يعتقدون أن الموت يُنهي الحياة، لا الموت جزء من الحياة وأنت تتعاطى معه يومياً، هو موجود في مكوّناتك من لحظة الولادة. وهذا الموت فاعِل في حياتك، يُغيِّر فيك وفي سلوكك وفي نظرتك للحياة وللكون. لولا الموت لما اكتشفنا أسرار هذا الكون

زاهي وهبي: لأنّ إحدى رواياتك أو أحد كتبك يستخدِم العبارة لتي تُنسب للحديث الشريف: "الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا"

هزّاع البراري: يقال أنّها ممكن أن تكون لـ "ابن عربي"، مجهولة العبارة إلى حدٍّ كبير في رواية "تراب الغريب"، ورواية "تراب الغريب" فيها هذا التماس المباشر مع ميثولوجيا الموت. حتّى أحد النقاد قال: "هذا عمل منقوع بميثولوجيا الموت". أنا لا أكتب، كما قلت لك سابقاً، للمتعة والتسلية وحسب لأنّ الجمال في حدّ ذاته متعة. عندما "بيكاسو" رسَم لوحته الشهيرة عن الحرب، لكنها من أجمل اللوحات في المقابل

زاهي وهبي: الغرنيكا

هزّاع البراري: الكثير من اللوحات تُقدِّم موضوعاً بشِعاً وصادماً ولكنّها على مستوى جمالي من أعلى اللوحات على المستوى الجمالي. لذلك لا يجب أن يكون الجمال فقط في المُحتوى أو في طبيعة الفِكرة الموجودة لكن البراعة أن يكون الجمال في الكتابة وأنا دائِماً أقول: أستطيع بقلمي الفحم أن أرسُم فجراً جميلاً وتحسّ هذا الفجر

زاهي وهبي: وملوّناً

هزّاع البراري: وملوّناً

زاهي وهبي: بقلم الفحم

هزّاع البراري: نعم

زاهي وهبي: ترى أولاً المطر والماء وحبّات المطر والشتاء يحضُر كثيراً في نصوصك لدرجة أنك ترى في المطر أرواح الذين ذهبوا

هزّاع البراري: صحيح

زاهي وهبي: هذه العلاقة مع الماء الذي في القرآن الكريم، "وجعلنا من الماءِ كلّ شيءٍ حيّ"

هزّاع البراري: الصحيح أنني أنا في (الأُردن) على حافة المطر

زاهي وهبي: عندما يصل لعندكم يبدأ يبخل

هزّاع البراري: يعني نحن ما بين صيف الصحراء وبين الجبل وبالتالي المطر له قيمة خاصة مُضافة في حياتنا خاصةً للمُزارعين والفلاحين، وبالتالي المطر أيضاً واهب للحياة. وأنا في رأيي كلّما كبرت في الوعي حتّى لو ازداد المطر وكثُرت البحار تزداد ظمأً. الظمأ بدأ يستفحل مع ازدياد الوعي والفهم للحياة والاشتباك مع الأسئِلة الكونية المتوالدة والتي تزداد. ربما شخص آخر مُكتف بأجوبته لو عاش في الصحراء هو يشعُر بالامتلاء وبالروي الكامل لكن أنا كلّ يوم عن يوم أزداد ظمأً، وهذه المُفارقة غريبة

زاهي وهبي: المعرفة هي فضول

هزّاع البراري: صحيح هي عطش

زاهي وهبي: هي عطش منطلقها الفضول، فربما كلّما شرب أكثر يصير يريد أن يشرب أكثر وأكثر وهكذا. طبعاً كُتِب وحُكيَ كثيراً عن أثر المكان في النصّ، لا أُريد أن أُعيد يعني هذه الأمور ولكن (عمّان) والكثير من الأماكن في (الأُردن) حاضرة في نصوصك

هزّاع البراري: صحيح

زاهي وهبي: كيف تقرأ التحوّلات العمّانية إذا جاز التعبير سواء من حيث العمارة أو إيقاع الحياة أو العلاقات الاجتماعية والإنسانية، وانتبه أنا أعرِف (عمّان) جيداً

هزّاع البراري: (عمّان) مدينة مُدهِشة لأنّك كي تقرأ (عمّان) الحالية يجب أن تنظُر في التاريخ، أن نعود إلى التاريخ. (عمّان) كانت في العصر الروماني (فيلادلفيا) وكانت ذاخرة بالمُدرّجات وبالمسارِح وكانت مدينة ناهضة ومن أجمل مُدن (روما)

زاهي وهبي: ولا يزال الكثير من الآثار الرومانية حاضراً

هزّاع البراري: حاضرة. ومدينة (جَرَش) مثلاً أكبر مدينة متكاملة من الحضارة الرومانية موجودة. بالتالي، هذه المدينة قبل أن تكون (فيلادلفيا) كانت (عمّون) في العصر الحديدي 800 قبل الميلاد، ثمّ تحوّلت إلى (فيلادلفيا) وفي الفتوحات الإسلامية عاد الإسم القديم (عمّون) مع تحريف إلى (عمّان) وغابت عن التاريخ في الفترة العُثمانية ثمّ عادت مع انبعاث الدولة الأُردنية الحديثة في 1921 وتمّ اختيارها كعاصمة سياسية لـ (الأُردن). هذه المدينة من قرية كبيرة في عام 1921 مرّت بزخم سكّاني مُتلاحِق، هذا الزخم كان كبيراً ومتسارِعاً وغيَّر في بُنيتها الكثير. (عمّان) اليوم تفوق الأربعة ملايين

زاهي وهبي: هذه التحوّلات السكانية والعُمرانية تنعكِس في النصّ الإبداعي الأُردني اليوم؟ في القصائِد، في الروايات، في المسرح؟ هذه الأبراج التي بدأت تطلّ برأسها، يعني الأبراج الإسمنتية والزجاجية، وللأسف (عمّان) لها هوية عُمرانية جميلة جداً

هزّاع البراري: صحيح، بدأت تفقد جزءاً أساسياً من هويتها وأنا ربما عندما أنظُر إلى هذه الأبراج أتخيَّل أنها كائِنات فضائية أو مركبات فضائية جاءت

زاهي وهبي: أتصدِّق؟ أنا أزعل أيضاً. مع إيماني بأنّ حركة الحياة والعصر لا بدّ من أنها تترُك بصماتها لكن إن شاء الله يكتفوا بها القدر من الأبراج

هزّاع البراري: يعني مثلاً في (باريس) اختاروا منطقة بعيدة في الضواحي وأنشأوا فيها ناطحات السحاب والأبراج الموجودة

زاهي وهبي: ليس في وسط المدينة

هزّاع البراري: لا تأتي على وسط المدينة التي كان أصلاً ممنوع فيها البناء أكثر من الطابق الرابع في (الأردن) وفجأة تنهض هذه الأبراج في طريقة مُستفِزّة للبصر. لكن هذا واقع الحال وأتوقّع أنّ (عمّان) فيها من الغنى ما يُساعِد على الكتابة وعلى الإنجاز الإبداعي. هي قبلة حتّى ليس فقط للكتّاب، حتّى للناس الذين يلجأون إليها في الكثير من الأزمات

زاهي وهبي: تحتضن نازحين ولاجئين وحتّى مثقفين يعني، "محمود درويش" وجد فيها ربما

هزّاع البراري: أنا دائِماً أقول "أُستاذ "زاهي" إنّ (عمّان) على قلّة مائِها وخبزها يأتي إليها الجميع ويشربون من هذا الماء القليل

زاهي وهبي: للحقيقة ليست مُجاملة، أجمل أُمسياتي الشِعرية هي في (عمّان) وفي المُدن الأُردنية. قبل أن يُداهمنا الوقت وحضرتك ذكرت (جَرَش)، كيف تنظُر من موقعك كأمين عام لوزارة الثقافة إلى الدورة الحالية التي مضت من مهرجان (جرش)، كأنّه استعاد شيئاً من بريقه ومن وهجه الذي كان في السابق؟

هزّاع البراري: صحيح، هناك تغييرات أساسية صارت على المهرجان سواء في اللجنة العُليا أو إدارة المهرجان، أنا عضو في اللجنة العليا لإدارة المهرجان

زاهي وهبي: شاهدنا أنه حتّى الأسماء والضيوف والحفلات، كانت هناك أسماء لها ثقل ولها وزن

هزّاع البراري: مهرجان (جَرَش) من المهرجانات العريقة في الوطن العربي وله بصمة خاصة. لكن في الفترات الأخيرة تحوّل إلى حفلات. من مهرجان إلى مهرجان حفلات

زاهي وهبي: وكأنّ الهمّ التجاري طغى على الهمّ الثقافي في السنوات الماضية

هزّاع البراري: بالضبط. لكن قلنا، كيف نُحقّق هذا التوازن بين مشروع أو برنامج ثقافي كبير بوجود برنامج الحفلات الجماهيرية المعروفة. لذلك أقمنا مهرجاناً للسينما ضمن (جرَش) وأقمنا Somposiom فنّ تشكيلي، وعندنا برنامج "بشائر" الذي هو للمواهب الجديدة، البرنامج الشعري ضمن مهرجان (جرَش)، ملتقى الآلات الإيقاعية وأوراق فكرية موجودة من ضمنه، ندوة عن (القدس)، ندوة عن الدراما الأُردنية. يعني حالة متكاملة بالإضافة طبعاً إلى الفِرَق الشعبية والمصنوعات اليدوية والخزف وإلى غير ذلك من الصناعات الثقافية الموجودة، حالة متكاملة، وبالتالي تمت إعادة العائِلة إلى مهرجان (جرَش)، بدأت العائِلة تعود إلى مهرجان (جرّش). نوعية الحضور أصبحت نوعية مُختلفة وأفضل كثيراً. كلّ تقريباً الأُمسيات ممتلِئة بالجمهور

زاهي وهبي: نحن نتمنّى للمهرجان، أنا مُدين شخصياً لأن أول زيارة لي لـ (الأُردن) منذ أكثر من ربع قرن كانت من خلال مهرجان (جرَش)

هزّاع البراري: صحيح، أنا أتذكّر

زاهي وهبي: وأخبرتك واقعة ما وسأحكيها يوماً ما على التلفزيون. أتمنّى للمهرجان ولكلّ الفعاليات الثقافية في (الأُردن) ولـ (عمّان) وللشعب الأُردني من خلالك كلّ الخير وكلّ التوفيق والاستقرار والازدهار بإذن الله. شرّفت "بيت القصيد" أُستاذ "هزّاع البراري"

هزّاع البراري: شكراً ونحن دائِماً في انتظارك في (عمّان)  

زاهي وهبي: قريباً إن شاء الله، قريباً. أنا دائِم الحضور وفي شغف لأن أزوركم

هزّاع البراري: إن شاء الله، وأهلاً بك دائِماً

زاهي وهبي: شرّفت وسُعِدت جداً بهذا الحوار

هزّاع البراري: شكراً لك

زاهي وهبي: وإن شاء الله في المرات المقبلة نتحدّث أكثر انطلاقاً من موقعك في وزارة الثقافة

هزّاع البراري: إن شاء الله

زاهي وهبي: الشُكر الدائِم لمشاهدينا في كلّ أنحاء العالم، نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله