لعبة الأمم

برنامج حواري أسبوعي يرصد القضايا والملفات السياسية الساخنة أو الباردة الإقليمية والدولية من منظار جيو - سياسي. يقارب ما تفرضه الجغرافيا بكل عناصرها من متغيرات في تحديد السياسات العامة للدول وبالتالي في رسم الاستراتيجيات السياسية والامنية والعسكرية.

هل نجح الربيع في المغرب؟

تناوب ديمقراطي رئاسي على السلطة في موريتانيا، إطاحة شعبية بالرئيس الجزائري وعهده من دون دماء ولا تدخلات خارجية، مناظرات تلفزيونية ومرشحون كثيرون ومتناقضون للانتخابات التونسية، إشراك للإسلاميين في السلطة في المملكة المغربية. هل أفاد المغرب العربي من ويلات ما وُصِفَ بالربيع فأسس لديمقراطية حقيقية تحت سقف الوطن أم أن المشاكل لا تزال جمراً تحت الرماد.

سامي كليب: أهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج "لعبة الأمم" عبر قناة "الميادين". كان لافتاً أنّه بعد انحسار زلزال ما وصِف بـ "الربيع العربي" وما أحدثه من قتلٍ وجرحٍ لأكثر من مليون ونصف مليون شخص وتهجير نحو أربعة عشر مليوناً وخسائِر وصفقات أسلِحة تخطّت ألفي مليار دولار كان لافتاً أنّ موجات أُخرى من الربيع حملت سنونوات التغيير بلا دماء ولا دمار ولا تدخلات خارجية كما حصلَ مثلاً في المشهد الجزائِري الجميل مؤخراً. قامت هذه الموجات على أكتاف مواطنين مؤمنين بأوطانهم، ليسوا مرتمين في أحضان الخارِج كما حصل مثلاً مؤخراً في (السودان) العزيز أيضاً. وفي حالتي (الجزائِر) و(السودان) رأينا كيف أنّ المُخلصين من الجيش تلقّفوا حركة الناس واحتجاجهم وساروا في اتجاهها لا ضدّها. اللافت كذلك أنّ التغييرات الديمقراطية الحقيقية صارت تجري وتترسّخ في المغرب العربي وفي دول أفريقية عربية. هذه (موريتانيا) قدّمت لنا مشهداً نادراً واستثنائياً في وطننا العربي حيثُ أنّ رئيساً مُنتخباً ديمقراطياً سلّمَ السُلطة لرئيسٍ مُنتخبٍ ديمقراطياً أيضاً. وبادر الرئيس المًنتخب شعبه العربيّ الأفريقي الأصيل بالتشّدد في خطابه القسَم على أهمية وحتمية وجود مُعارضة. هذه (تونس) قدّمت لنا نموذجاً آخراً من التنافس الديمقراطي الحقيقي ومن ارتفاع نسبة الوعي الشعبي والنخبوي حيال أهمية الديمقراطية والحريات شرط أن تبقى تحت سقف الوطن لا تحت سقوف مَن يعمل على تدمير هذه الأوطان. فكانت المُناظرات التلفزيونية واعِدة بمناخٍ سياسيٍ جديد لم يعهده الوطن العربي من قبل. أمّا في المملكة المغربية فكان المَلِك "محمد السادس" سبّاقاً في صدّ الأبواب على زلزال ما وُصِف بـ "الربيع العربي" وصدّ الأبواب أيضاً على دولٍ عربية أرادت المساس بوحدة البلاد ففتح أبواب السُلطة لمُشاركة إسلاميين مُعتدلين ويساريين وليبراليين ولم يجد غضاضةً في تسليم رئاسة الحكومة ووزارات عديدة لإسلاميين مُعتدلين. يدفعنا كلّ ذلك إلى سؤالٍ مركزي، هلّ أنّ دول المغرب سبقت المشرِق في الإفادة من دروس دمار الربيع العربي فقطفت أزهاره؟ وهلّ ستُشكِّل نموذجاً عربياً يُحتذى في باقي هذا الوطن العربي؟ أم أنّ المشاكل لا تزال جمْراً تحت الرماد؟  وكيف ولماذا قامت وتقوم هذه التجربة الجميلة والفريدة؟ لمناقشة ذلك يُسعدني أن أستضيف في هذه الحلقة، من (نواكشوط) الدكتور "سيدي ولد دومان" وهو باحث سياسي وناطق رسمي باسم الرئيس "محمد ولد الغزواني" إبّان حملته الانتخابية والمُستشار الإعلامي لرئاسة الجمهورية سابقاً. أهلاً وسهلاً بك "سيدي"، ومن (تونس) معنا السيدة "كوثر الشابّي" وهي عضو في المؤتمر القومي العربي وعضو في الهيئة الوطنية لمُناهضة التطبيع، سعيد جداً بحضورِك أيضاً في هذه الحلقة. ومن (الجزائِر) معنا الكاتب والإعلامي والناشط جداً "محمد اليعقوبي" والذي يُشرِف ويُدير في الواقع جريدة يومية مهمة جداً إسمها "الحوار"، أهلاً وسهلاً بكم جميعاً إلى هذه الحلقة من "لعبة الأُمم"

المحور الثاني   

سامي كليب: أهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين وأهلاً بضيوفي الكرام. كنت سأبدأ بالسيّدة الوحيدة معنا في هذا البرنامج ولكن في الواقع دولة كـ (موريتانيا) لا يعرِفها الكثيرون جهلاً أم تجاهلاً لذلك اسمحوا لي أن نبدأ بها للتعريف أكثر عن هذه الدولة المُهمّة والتي شهِدت تحوّلاً ديمقراطياً مهمّاً في الأشهُر القليلة الماضية. "سيدي ولد دومان" أهلاً بك للمرة الأولى في هذا البرنامج. دعني أسألك، هلّ نحن أمام تحوُّل فعلاً المشهد الديمقراطي وترسّخه في منطقة المغرب العربي في شكلٍ عام؟ وهلّ أفادت هذه المنطقة من دروس "الربيع العربي"، من الجانب السلبي من هذا الربيع إذا صحّ التعبير؟

سيدي ولد دومان: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على النبيّ العربيّ الكريم. أشكركَ عزيزي "سامي"

سامي كليب: أهلاً بك

سيدي ولد دومان: وأشكر ضيوفك الكرام وأُهنّئ المُستمِع العربي والمُسلم أينما وُجِد لقناتِكم الرائِدة، شكراً لها أيضاً وثانياً مُستحقّة. وقبل التصريح أنا الآن أتكلّم باسمي الشخصي فقط، فخامة الرئيس لم يعُد مرشّحاً بل أصبح رئيساً للجمهورية ولم أعُد ناطقاً رسمياً باسمه كما أنني منذ سنوات لم أعُد مُستشاراً إعلامياً لرئاسة الجمهورية، هذا فقط للتصحيح.  أمّا عن سؤالكم فأعتقد أنّ المغرب العربي عموماً و(موريتانيا) خصوصاً تسير بخطى ثابتة الاتجاه لتُقيم الديمقراطية الحقّة وأنا سأتحدّث لبعض الوقت فقط لأعرِّف الأسباب التي جعلت الديمقراطية تكون أسهل وتعيشها (موريتانيا) في واقعٍ حقيقي من دون دماء ومن دون جهدٍ والحمد لله ومن دون شقاء. أعتقد أنّ السبب لذلك يستند أولاً إلى طبيعة الشعب الموريتاني ويجب أن يعرِف أشقاؤنا في المشرق العربي وجميع مًستمعي قناتكم الموقّرة أنّ الشعب الموريتاني شعبٌ مسلِمٌ عربي إفريقي، ديانته سمحاء ويستقي في كلّ الأمور، ميالٌ إلى الشيوع وإلى التسامُح، يحترم الدماء ويكره الفِتَن ويحاول الحوار كنهجٍ وكسياسة، هذا في تاريخه أما الحريّة فهو حرٌّ بطبيعته. هذا شعب بدويٌ صحراوي كان يعيش في فضاءٍ مفتوحٍ يتنقّل فيه بحريّته، أينما شاء وحيثما شاء ولدى الوكلاء والمرأة وبيته، بيت الشَعرِ الذي يسكن فيه، عندنا الخيمة، مفتوحٌ من الجهات الأربع ويُمكن دخوله من كلّ جهة باحترامٍ وكرمِ ضيافةٍ أسطوري. هناك أمورٌ يجب أن يعرفها المُكتمن أينما وُجِد وسأُلخِّص هذه النقاط البسيطة جداً. واحد، أنّ هذا الشعب هو الشعب الوحيد في التاريخ البشري الذي أقام حضارةً عالِمة على وجود الرُشد. كان شعباً بدوياً يتنقّل ويترحّلُ ومع ذلك أنتَجَ حضارةً فذّةً وفريدةً على وطنه. خلّف آلافَ الكُتب والمخطوطات الثمينة في جميع ميادين الحياة وفي جميع ميادين العلوم، في القرآن وشرحه وعلومه وفي الحديث وفي الأصول وفي النحو وفي الفقه وفي عِلم النجوم وفي الحساب وفي كلّ شيء ولا تزال موجودة إلى الآن، هذه واحدة. رغم كلّ الظروف المناخية والتنقّل والرياح والأمطار وكلّ شيء ومع ذلك حافظ على هذا وأنتج هذه الحضارة. المعلومة الثانية والمهمة جداً هي..

سامي كليب: يبدو حصل عندنا مُشكلة في الصوت، أنا فقط أُريد أن أُعقِّب على ما تفضّلت به "سيدي ولد دومان". أولاً نحن عرَّفنا بك كناطق رسمي سابق باسم الرئيس وناطق رسمي سابق باسم الحملة الانتخابية للرئيس قبل أن يُنتَخب وحضرتك حالياً لا شكّ باحِث وكاتِب سياسي من طرازٍ رفيع. أنا كنت أودّ أن نُكمِل ببعض المعلومات حول (موريتانيا) ولكن لا بأس، سوف نعود إليها بعد قليل حين يعود "السكايب" مع (نواكشوط). سأذهب الآن إلى (تونس)، "كوثر الشابّي" أهلاً وسهلاً بكِ في حلقة "لعبة الأُمم". حضرتك عضو كما أسلفنا في "المؤتمر القومي العربي" وعضو في "الهيئة الوطنيّة لمُناهضة التطبيع"

كوثر الشابّي: تحيّاتي، تحيّاتي يا أُستاذ "سامي" لك ولجميع الضيوف والمشاهدين، أهلاً

سامي كليب: أهلاً بكِ. (تونس) كانت علامة فارِقة منذ بداية ما وُصِف بـ "الربيع العربي"، في الواقع هي التي باشرت وبادرت ونجحت إلى حدٍّ بعيد وحصلت فيها تطوّرات عديدة حتّى وصلنا إلى الانتخابات الرئاسيّة. سنتحدّث ربما بعد قليل عن (تونس) أكثر، في الوضع الداخلي، ولكن إسمحي لي بالسؤال العام، هلّ تعتبرين أنّ دول المغرب استفادت من ويلات "الربيع" التي حصلت في المشرِق وربما لذلك تفادت الغَرَق في الوضع الأمني المُضطرِب، في الاضطراب السياسي، وها هي تُرسِّخ تجربة ديمقراطية مهمّة؟

كوثر الشابّي: نعم كما ذكرت أُستاذ "سامي" (تونس) يعني كانت الرائِدة والشرارة الأولى التي انطلقت من (تونس) يعني شرارة التغيير فكانت الانتفاضة وكان التغيير والتحوّل الديمقراطي في (تونس) مرّ والحمد لله بسلام وكنّا نحن الشعب التونسي نريد أن تكون هنالِك نتيجة إيجابية لهذا التغيير. أنا على فكرة لا أتّفق مع "الربيع العربي" لأنّ فيه العديد من المُغالطات، لكن الانتفاضة التي حصلت في (تونس) كانت انتفاضة شعبية أوصلناها نوعاً ما إلى برّ الأمان، إلى المرحلة الانتقالية. لكن بالنسبة إلى المغرِب العربي، نعم (تونس) كانت الرائِدة وكانت المُبادرة منها، إلّا (ليبيا). (ليبيا) للأسف، التغيير وتَعلَم دخول "الناتو" والتدخّل الأجنبي والثورة أخذت يعني، هنالِك مَن يستعمل التغيير في (ليبيا) إلى صالِح أجهِزة خارجية وداخليّة. لكن بالنسبة إلـى (الجزائِر)، الحمد لله الشعب الجزائِري واعٍ وأخذ التجربة التونسية كمثالٍ له وكان الشعب متوحِّد. مثلاً في (تونس) كانت هناك وِحدة وطنيّة رغم التدخلات الأجنبية التي كانت تريد أن تُحطِّم التجربة التونسية. ولكن النُخَب التونسية رغم الصراعات السياسية ورغم التدخُّل الأجنبي لكن الشعب بقيَ، الشعب والجيش التونسي الرائِع منذ بداية الانتفاضة إلى يومنا هذا كان مُحارباً وكان بالنسبة لي جيشاً جمهورياً لا يتدخل في أيّة صراعات سياسية

سامي كليب: أوكي، سنعود طبعاً

كوثر الشابّي: (الجزائِر) و(المغرب)، عفواً، عفواً، لتوضيح النُقطة

سامي كليب: تفضّلي

كوثر الشابّي: (الجزائِر) و(المغرب) أخذتا المبادرة من (تونس) ومن شعب (تونس)، والحمد لله نُلاحِظ أن الحراك الذي حصلَ في (الجزائِر) يُعطي ثماره يوماً بعد يوم

سامي كليب: أذهب الآن إلى (الجزائِر). أُستاذ "محمد اليعقوبي"، مدير تحرير صحيفة "الحوار"، كاتِب وإعلامي جزائِري معروف. الآن أُستاذ "محمد" في (الجزائِر) مخاض مهم جداً في الواقع، قدّمَت مشهداً فريداً (الجزائِر). تغيير سُلطة بشكلٍ سلمي، الملايين من الناس نزلوا إلى الشوارِع، لم نسمع عن حوادث أمنية كبيرة، ولكن كأننا الآن غرِقنا في مُشكلة أُخرى هي: كيف ستحصل انتخابات ومتى ستحصل انتخابات مَن سيبقى ومَن سيرحل؟ قبل الدخول في هذا أُريد أن أسألك عن هذا المشهد الجزائِري الديمقراطي، ما الذي أوصلنا إلى هذا المناخ السليم في عمليّة التغيير التي حصلت؟ تجارُب "العشرية السوداء" التي عاشتها (الجزائِر) وعدم الرغبة في تكرارها؟ الإفادة مما حصل في "الربيع العربي"؟

محمد اليعقوبي: مساء الخير أخ "سامي" لك ولضيفيك ولكلّ مشاهدي قناة "الميادين". في الحقيقة هذا المشهد الجميل الذي تابعه وأدهش العالم والذي جاء بعد خراب عربي دموي حزين ولا يزال يتواصل هذا البؤس وهذا الحزن في الكثير من الدول العربية الشقيقة للأسف الشديد. هذا المشهد الجميل لم يأتِ من فراغٍ للحقيقة. أنت واحد من الذين احتكّوا بـ (الجزائِر) ويعرفون الجزائِريين، ولكن الكثير لا يعرِفون المُجتمع الجزائِري من الداخل. الإنسان الجزائِري أخي "سامي" لديه هاجسان، هاجسان مهمّان خطيران أعتقد هما اللذان كانا حارسين لهذا الحراك إلى أن وصلَ إلى هذا المدى الذي وصله. الهاجِس الأول هو الهاجِس الأمني، تعرِف أننا عانينا في (الجزائِر) من عشريّة دمويّة أخذت 250 ألف جزائِري ذهبوا ضحيّة حرب إلى الآن الأسئِلة مطروحة حولها، لماذا أُقيمت تلك الحرب؟ من أجل فُتات انتخابي ذهب خيرة شباب (الجزائِر) وقتلوا؟ كلّ العائلات الجزائِرية فقدت، حزِنت، مررنا بعشر سنوات أخي "سامي" مُغلقين أو مُنغلقين على أنفسنا وكان الحزن شديداً يعني، حتّى أصبحت "فوبيا" الأمن هذه لاصِقة في كلّ جزائِري، يعني مُتشبِّع بها كلّ جزائِري إلى درجة أخي "سامي" أنه خلال عشرين سنة من حُكم "بوتفليقة" تنازل الإنسان الجزائِري عن كلّ شيء مُقابل أن يحتفِظ بأمنه. تنازلَ أحياناً حتّى عن الخُبز. آلاف الشباب كانوا يقطعون البحر ويموتون في عرض البحر مقابل أن نُحافِظ على أمن واستقرار البلد. تنازلنا عن الكثير من الأشياء لعشرين سنة خلال حُكم الرئيس "بوتفليقة" لأننا عرفنا قيمة الأمن وأن أهم شيء هو الأمن ثمّ تأتي توابعه. لذلك لم يحدُث الحراك إلّا عندما بلغت الإهانة موجهة وهي إهانة العُهدة الخامسة، رجلٌ مقعدٌ يُفرَض على الشعب فرضاً. هذا الهاجِس الأول أخي "سامي"، هاجِس الأمن. لكن الهاجِس الثاني الذي أعتقد أنّه لعِبَ دوراً كبيراً ومحورياً في الحفاظ على سلمية الحراك والوصول به إلى هذا المدى هو التدخّل الأجنبي. أنت تعرِف أنّ الإنسان الجزائِري، وهذه جينات موروثة عن "حرب التحرير"، الإنسان الجزائِري يقبل أن يقتتل مع أخيه الإنسان الجزائِري ولكن لا يقبل أبداً أن تمتدّ يده للتعاون أو للاستعانة بأجنبي لضرب أخيه. في "العشرية السوداء" اقتتل الجزائِريون في ما بينهم عشر سنوات ورفضوا، رفضت كلّ الأطراف أن تستعين بالأجنبي. حتّى أنني أذكُر لك هذه وربما من الغرائب أنّ هناك عناصر ينتمون إلى جهة، إلى الجماعة الإسلامية المُسلّحة، ٌقُبِضَ عليهم في بلدٍ شقيق وابتزّوا، ووقع ابتزازهم في أن يساهموا في ضرب بلدهم مقابل إطلاق سراحهم، لكن رغم أنّهم يوصفون بين مزدوجتين بالإرهابيين رفضوا أن يخونوا بلدهم. إلى هذه الدرجة الإنسان الجزائِري لديه حساسية مُفرِطة جداً من التدخّل الأجنبي. لذلك "خزامي" في بداية "الخراب العربي" عندما "الناتو" في (ليبيا) بدأ يزحف في (ليبيا)، الشعب الجزائري الوحيد، الأول أعتقد هو الشعب الجزائِري، هو الشعب العربي الأول الذي ثار. كانت مسيرات هنا في (الجزائِر) ضدّ تدخُّل "الناتو" وهناك أناس أشقاء لم يفهمونا أو فهمونا خطأ على أساس أنّ الشعب الجزائِري يُساند نظام "القذّافي"، ولكن لا. الحقيقة أن الشعب الجزائِري كان يُفكِّر في ما بعد "الناتو"، يُفكِّر في مصلحة الشعب الليبي. هذا الحسّ ضدّ التدخُّل الأجنبي كان حتّى بعد الاستقلال، وأنت إنسان مؤرِّخ وتذكُر جيداً أنّ بعد الاستقلال افترقَ المُجاهدون هنا وتشكّلت ميليشيات لتُحارِب "الجيش الشعبي الوطني" سنة 1963، وكان هناك فيالِق في الجبال يقودها الراحِل "آية أحمد" والكثير من المُجاهدين. ولكن بعد أن تهوّرَ الأشقاء المغارِبة وزحفوا على الغرب واحتلّوا بعض المناطق في ما سُمّيت في سنة 1963 بـ "حرب الرمال"، خرج كما تعرِف الرئيس "أحمد بن بيلا" رحِمه الله في خطابٍ شهير وقال: "حذِّرونا". هذه الكلمة كانت كافية لكلّ المُنشقّين عن الجيش الشعبي الوطني في الجبال لكي ينزلوا وينضموا إلى "الجيش الشعبي الوطني" ويلتحقوا بالغرب للدفاع عن التراب، عن التراب التي ربما تهوّرَ شقيق عربي وداسها. تخيّل هذه الحساسية من التدخّل الأجنبي زائِد الحسّ الأمني أو الهاجِس الأمني، كلها مُعطيات جعلت الشعب الجزائِري يخرُج بالملايين، يعني في الجمعة الثالثة والرابعة والخامسة قدَّرت الإحصاءات أن العدد وصل إلى عشرين مليون جزائِري في الشارِع من دون قطرة دم واحدة تسقُط

سامي كليب: صحيح

محمد اليعقوبي: هناك ضمير جَمْعي تشكّل عند الجزائريين أنه خلص، لا يُمكن أن نقع في الأخطاء السابقة. والاستفادة أيضاً من درس "الخراب العربي" أن ما يحدُث في (ليبيا)، في (مصر)، في (اليمن)، في (سوريا)، لا يُمكن أن نمرّره تمرير الكرام هكذا ونُعيد نفس الأخطاء. ولذلك، في اعتقادي أخي "سامي" أنّ التحوّل الدبمقراطي بناءً على الدرس الجزائِري والدرس أيضاً مما وقع عند أشقائنا العرب الذين نتمنّى لهم، للدول التي تغرق إلى الآن في الفوضى وفي السلاح وفي الدماء، نتمنّى لها أن تصل إلى برّ الأمان. أعتقد أنّ التحوُّل الديمقراطي له بعض الشروط أخي "سامي"، إذا أردت نفصِّل فيها

سامي كليب: يعني تفضّل، يعني ولو في شكلٍ سريع، قلها. التحوّل الديمقراطي، ما هي الشروط؟        

محمد اليعقوبي: أعتقد أنّ الشرط الأول هو أنّ هذا التحوّل يجب أن يكون شاملاً أفقياً وعامودياً. لا يُمكن لحراكٍ فئوي أو طبقي أو قطاعي أن يؤتي أُكله. الشرط الثاني في اعتقادي، أن يكون هذا الحراك سلمياً إلى آخر نُقطة فيه. شاهدنا بعض الثورات في بعض الدول بدأت سلمية نعم، ثمّ تعسْكرَت

سامي كليب: صحيح

محمد اليعقوبي: وهذا الخطر الذي تهدَّدها. الشرط الثالث أن تصل إلى مداها وهو إفراز قيادات من داخلها تعكِس هذه الحال الثورية. حدث ذلك في (مصر) وأُجهِض وحدث ذلك في (تونس) وأتمنّى أن يُثمَّن. الشرط الرابع أن يكون الجيش مُرافقاً وليس صانِعاً أو موجّهاً لهذا التحوُّل. تغوُّل الجيش أخي "سامي"، وأنا بالمناسبة مُعجَب بالتجربة الموريتانية وأتمنّى أنّ الهيمنة، هيمنة المؤسّسة العسكرية تبتعِد قليلاً وتترك النُخبة الجميلة في (موريتانيا) تصنع مُستقبلها. الشرط الخامس وهو مهم جداً في اعتقادي، أن تكون هذه الحال أو هذا التحوّل بعيداً كلّ البُعد عن الإملاءات والتجاذبات الأجنبية أخي "سامي". هذا مهم جداً لأنّ نحن في (الجزائِر) (فرنسا) لم ترحمنا لا في الثورة ولا في العشريّة ولا الآن. تُدافِع عن مصالِحها والآن (الجزائِر) تفطِّن إلى أن هذا التحرّر، الاستقلال الثاني، هو الذي سيجلب للجزائِريين الحريّة. تعرِف جيداً وأكيد أنّك قرأت مُذكّرات "ديغول" عندما قال عندما خرج من (الجزائِر) أنّه بعد ثلاثين سنة سنعود، فعلاً عادوا أخي "سامي" عادوا. عندما ضبّاط (فرنسا) في نهاية الثمانينات ترقّوا إلى رتبة جنرالات وأمسكوا بزِمام الحُكم في (الجزائِر) فأصبحت للأسف الشديد، أصبحت قيادة الجيش الشعبي الوطني في تلك الفترة، حين توقيف المسار الانتخابي، أصبح ولاؤها للخارِج أكثر من الداخل

سامي كليب: أُستاذ "سيدي ولد دومان" كنت تتحدّث طبعاً عن أصالة الشعب الموريتاني وعن تاريخه وعن عَراقته ولكن دعنا ندخُل في السؤال مُباشرةً. هلّ التجربة الموريتانية الآن في الانتقال السلمي للسلطة، رئيس مُنتخب يُسلِّم رئيساً مُنتخباً، هي بسبب طباع الشعب التي تحدّثت عنها أو أيضاً لأنّ (موريتانيا) أفادت من هذا المشهد الدَموي الذي خلّفه "الربيع العربي" في دولٍ أُخرى في المشرق، دول عزيزة عليكُم كموريتانيين

سيدي ولد دومان: أنا فقط كنت أريد أيضاً أن أقول عبارتين أُخريين قبل أن أصل إلى هذا

سامي كليب: نعم تفضل

سيدي ولد دومان: الأولى، الجنوح الطبيعي لدى المواطن الموريتاني العادي يعني من فصله إلى الحوار وإلى القضاء، وهذا أذكر مثلاً بسيطاً جداً. أنه في زمن لم تكن فيه سلطة مركزية ولم يكن فيه جنون ولا إكراه من أي نوع كان إثنان من الموريتانيين عندما يختلفان على شيء أحدهم يقول: "خلّينا نذهب إلى ذا اللي هنا" يعني القاضي. وكانا ينفذان حُكم القاضي حتّى ولو كان ضدّ القول، هذا في شكلٍ عفوي وطبيعي. المسألة الأُخرى التي كنت أُشير إليها هي أنّ مَن هاجروا من (موريتانيا) إلى المشرق العربي لم يكونوا مُتلقّين إطلاقاً، كانوا علماء يحملون رسالة، يحملون العلم، يحملون شيئاً، وأذكر لك "محمد محمود

سامي كليب: علماء وقضاة أيضاً

سيدي ولد دومان: وقضاة وكلّ شيء، أذكّرك بـ "محمد محمود البوسلامي" وبأبناء "نيابة" في (الأُردن) وبـ "محمد جميل الشرقيطي" صاحب "البيان في أضاحي القرآن وبلاغة القرآن " وصاحب " زاد اليوسفي"

سامي كليب: وخصوصاً في الخليج أيضاً

سيدي ولد دومان: فيما اتفق عليه "البخاري" و"مسلم"، وفي الخليج طبعاً. هذا فقط للتذكير. أمّا عن الديمقراطية عندنا سيّدي العزيز فنحن لم نكن سبّاقين فقط في ترسيخ الديمقراطية في هذه الفترة وإنما سبقنا في فصول. فعندما كان الحزب الواحد هو الموضة، كان النظام الشمولي هو الموضة، كان حزبنا الواحد في زمن المرحوم "المختار ولد دادا" في داخله حوار وحرية وكان الكلّ يُعبِّر عن رأيه، وكانت المعارضة، ما يُمكن أن نسمّيه اليوم بالمُعارضة، في ذلك الزمن كانت في شكل حركات سرّية تقوم بالعمل السياسي بشكلٍ سرّي تكتُب على الجُدران وتوزِّع المناشير ومع ذلك كانت الحكومة تُحاورها أحياناً وهي تتحاور في ما بينها، هذا من ناحية. عندما جاء عام 1986 كنّا سبّاقين في تجربةٍ رائِدة هي انتخابات بلدية في العاصمة والولايات ولم تكن السلطة طرفاً فيها إطلاقاً، يعني كانت حرّة نوعاً ما في مقاييس ذلك الزمان

سامي كليب: "سيدي ولد دومان"، لو أكملنا بالتاريخ سنُنهي الحلقة من دون أن يتحدث الآخرون

سيدي ولد دومان: لا لا، خلاص نغيّر الموضوع  

سامي كليب: نتحدّث الآن لو سمحت

سيدي ولد دومان: المهم أنّ ربيعنا بدأ من سنة 1991 عندما أقمنا دستوراً تعدّدياً يضمن التعدّدية السياسية، وعندما اختلّ المسار، لأسبابٍ يبدو أنك لن تُعطيني الوقت لأشرحها، في 2005 تدخّل الجيش الوطني الموريتاني لتصحيح المسار وقرَّر أن يُراجِع الدستور وأن يضمن التناوب على السلطة في فترةٍ انتقاليةٍ أنت أحد شهودها أخي "سامي"، وكلّلت بالنجاح. وفي 2008 عندما اهتزّ الوضع أيضاً كانت هناك خُطى، وتدخّل الجيش مرةً أُخرى ولكنه لم يشأ أن يبقى في السلطة كانقلابي وإنما حاول بشتّى الوسائِل تشريع نفسه ليصل إلى السلطة عن طريق انتخابات. وهذا ما حصل في 2010 بتعديل الدستور، والآن في 2019 نعتقد أننا وصلنا إلى قمّة هذا المجال

سامي كليب: صحيح

سيدي ولد دومان: انتقال سلمي للسُلطة من رئيسٍ مُنتخَب إلى رئيسِ مُنتخَب في جوٍّ يطبعه السلم والسكينة والهدوء فهنيئاً لنا وهنيئاً لكم إن شاء الله

سامي كليب: أوكي. على كلّ حال طبعاً كلّنا فرحين بما حصل في (موريتانيا) من هذا الانتقال الديمقراطي ولكن سنسأل بعد قليل عن دور المُعارضة، هلّ ثمة قوّة أيضاً لا تزال قائِمة للإسلاميين في البلد، عن دور العسكر وما إلى ذلك. هذا العرض الأوّلي مع ضيوفي الثلاثة من (موريتانيا)، من (تونس)، من (الجزائِر) أعطى فكرة أولى عن أسباب ترسُّخ التجربة الديمقراطية في منطقة المغرب العربي. في الواقع نحن اخترنا هذه الدول الثلاث لأنها الآن شهِدت حراكاً مهماً جداً، تحوّلات مهمّة جداً، وكما تفضّل ضيفنا التدخّلات الخارجية يجب الانتباه إليها وأعتقد أنّ في (الجزائِر) الكاتِب الفرنسي المعروف بتحقيقاته "نيكولا بو" كتب شيئاً أو قال شيئاً في الآونة الأخيرة عن استمرار التدخّلات. لحظات أعزّائي المُشاهدين نُكمِل هذا النقاش بعد الفاصل. سندخُل في المواضيع الأُخرى، أين هو دور المُعارضة في (المغرب)؟ هلّ ثمّة تأثير فعلي للإسلاميين؟ وكما تفضّل السيّد "يعقوبي"، ما هي علاقة الجيوش في الحراك وهلّ ستترُك الجيوش الناس العاديين، المُجتمع المدني، يأخذون مكانهم فعلاً؟ لحظات ونعود إليكم

المحور الثاني

سامي كليب: أهلاً بكم مُجدّداً أعزّائي المُشاهدين لمواصلة هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" عبر قناة "الميادين" نتحدّث فيها عن ترسُّخ التجربة الديمقراطيّة في منطقة المغرب العربي، لماذا نشهد في (المغرب) هذه التحوّلات الديمقراطية مُعظمها على نحوٍ سلمي؟ لا مشاكل أمنية، لا سقوط دماء، لا تدمير بلاد، ونلاحظ أنّ هناك عمليّة تناوب على السلطة. الحراك الشعبي يؤتي ثماره من دون تدخّلات خارجيّة باستقلالية كاملة. لماذا هناك حصل هذا التحسّن، هلّ بسبب تاريخ في الديمقراطية عُرقِل في سنواتٍ قليلة؟ هلّ بسبب الإفادة مما حصل من ويلاتٍ في "الربيع العربي"، في دولنا المشرقيّة؟ كلّ ذلك نناقشه مع "سيدي ولد دومان" من (نواكشوط) وهو باحث سياسي وناطق رسمي سابق باسم الرئيس المُرشّح كان وأصبحَ الآن رئيساً، السيّد "ولد الغزواني". ومن (تونس) "كوثر الشابّي" عضو في المؤتمر القومي العربي، عضو في الهيئة الوطنية لمُناهضة التطبيع، وكما تُلاحظون هي تضع كوفيّة فلسطينية حول عنقها، وهذا دائِماً تفعله وليس فقط بالنسبة للبرنامج. ومن (الجزائِر) الكاتب والإعلامي "محمد اليعقوبي" مدير عام جريدة "الحوار" المهمّة في الواقع في الجزائِر. سيّدة "كوثر"، طبعاً بعد التحوّل الذي حصل وإسقاط الرئيس "زين العابدين بن علي" كانت حركة النهضة الإسلامية التونسية في طليعة مَن عاد ومَن كانت له الصدارة في الواقع سواء في الانتخابات، في البرلمان، في الواجهة السياسية وما إلى ذلك. اليوم هلّ التونسي مثل حضرتكِ يعني أو مثل الشباب الآخرين يعتبرون أنّ الإسلام السياسي المُعتدِل ظاهرة صحيّة في (تونس)؟ لم يعد عبئاً كما حصل في دول أُخرى أو لم يعُد خطيراً كما حصل في دول ثالثة مثلاً. هلّ تعتبرون أنّ هذه الظاهرة صحيّة هي جزء من المُجتمع إذاً لا بأس في هذا التنافس بين إسلاميين وغير إسلاميين؟

كوثر الشابّي: لا أعتقد، لا أعتقد أنّ الشعب التونسي يحمِل هذه الفِكرة، إلّا قواعِد" النهضة". نعم "النهضة" فقدت العديد من الأصوات، حتّى من بين قواعدها فقدت العديد من الأصوات منذ 2011 إلى هذه السنة 2019. بالنسبة لـ "النهضة" تجربتها كانت تجربة سيّئة في ما يخصّ الملفّات الداخلية بالنسبة للإرهاب، بالنسبة للملفّ السرّي، بالنسبة للعلاقات الخارجية وقَطْع العلاقات مع (سوريا)، بالنسبة للملفّ الليبي، التدخّل يعني في الملفّ الليبي وأيام الثورة يعني أيام بداية عام 2011 وتقديم السلاح بين قوسين لما يُسمّونهم بالثوار. فكلّ هذه الملفات إضافةً إلى الملفّ الرئيسي والقضية المركزية التي أعتبرها أنا يعني.   كلّ رئيس لا ينظُر إلى هذه القضيّة، القضية الفلسطينية والحقّ الفلسطيني كقضيّةٍ مركزيةٍ وكنُقطةٍ أساسيةٍ في برنامجه يعني برنامجه ناقص. و"النهضة" أثبتت في كلّ هذه التجربة وهذه الفترة أنها كانت قوّة سياسية واضحة في الساحة التونسية، أنها مثلاً بالنسبة إلى قانون تجريم التطبيع، كانت سبباً في إلغاء هذا القانون

سامي كليب: أـوكي

كوثر الشابّي: سَنّ قانون التطبيع كانت هي يعني من بين نوّاب مجلس الشعب الذين رفضوا سنّ هذا القانون، قانون تجريم التطبيع إضافةً إلى سلوك "النهضة" على المستوى الاقتصادي، المستوى الاجتماعي، يعني تدهور اقتصادي واجتماعي والسلم الاجتماعي، ونُشاهد اليوم أنّ هنالِك أثرياء جُدُداً من بين أعضاء "النهضة". فكل هذا يجعل التونسي، المواطن البسيط ولا أتكلّم عن النخبة أو عن المُجتمع المدني، كلّ هذا يجعل المواطن التونسي البسيط ينفُر ويترك ويتجاهل حركة "النهضة" بالنسبة للانتخابات، إلّا قواعدها. طبعاً هي عندها قواعد يعني مؤمنة بأمور معينة، بمواضيع معينة

سامي كليب: سيدّة كوثر في جميع الأحوال، أوكي. في جميع الأحوال نحن ليس معنا للأسف أحد من "حركة النهضة" لكي يستطيع أن يُدلي بدلوه، لذلك أخذت فكرة عنكِ من الجانب الآخر بين الشباب والمُسيّسين والناشطين التونسيين. نعود إلى (موريتانيا) الآن، "سيدي ولد دومان" في الواقع أسئِلة كثيرة تُطرَح حالياً. نجحت التجربة كما تفضلت حضرتك منذ 2005، 2008، والآن. الرئيس "محمد ولد عبد العزيز" في ولايتين قدّم الكثير للبلد وأيضاً الآن الرئيس "الغزواني" وَعد في خطابه، وأنا كنت في (موريتانيا)، وَعَد بالكثير وبدأ في تحقيق جزء من هذا الخطاب، لكن لنتحدث عن الثوابت في (موريتانيا). المعروف أنّها الدولة الوحيدة التي جرفَت السفارة الإسرائيلية، التي قطعت العلاقات طبعاً مع (إسرائيل)، تُقيم مُجسّماً لقبّة (الصخرة) أمام السفارة الأميركية. نُلاحِظ منذ فترة أنّ هناك محاولة غربيّة للتواصل المباشر، اجتماعات عديدة تحصل. أولاً، هلّ تعتقد أنّ الرئيس "الغزواني" بعدَ أن تولّى ديمقراطياً الرئاسة سيُحافِظ على الثوابت مهما حصل؟ يعني بالنسبة لـ (فلسطين)، بالنسبة لـعدم الدخول ولا في أيّ شكلٍ من الأشكال في صفقة القرن؟ بالنسبة لرفض التطبيع نهائياً؟ هذه الثوابت في السياسة الموريتانيّة في رأيك؟

سيدي ولد دومان: شكراً، هذا سؤال مهم جداً

سامي كليب: تفضّل

سيدي ولد دومان: وأرجو بعض الوقت فقط لأُجيب عليه                                          

سامي كليب: لكن لا تعود إلى التاريخ كثيراً "سيدي" لو سمحت

سيدي ولد دومان: لا لن أعود إلى التاريخ لكنّ التاريخ مهم وهو الذي يفسِّر الحاضر. المهم أنّ الموقف من القضايا العربية ومن القضيّة الفلسطينية ومن قضيّة (القدس) المُغتصَبة هي مواقف طبيعية، يعني هي لدى كلّ موريتاني سواء كان رئيساً أو مرؤوساً، ولأنّها مبنية أولاً على الدين لأنني أعتبر كما هو الواقع هذه ثالث الحَرمين وأولى القبلتين ومُغتصَبة ونعتبر أيضاً أنّ هناك حميّة عرقيّة قومية وأنّ هذه قضيّة في ذِهن كلّ موريتاني سواء كان رئيساً أو مرؤوساً، هذا من ناحية. من ناحية أُخرى، أُريد أن أُذكّرك بحادثةٍ مهمة جداً ولو أنك لا تحبّ التاريخ كثيراً يا مؤرِّخ

سامي كليب: تفضل

سيدي ولد دومان: نحن نتكلّم فقط عمّا حدث في عام 2009 وأنا سأذكّركم بسنة 1976. بعد النكسة مباشرةً المرحوم "المختار ولد دادا" قطَعَ العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأميركية على جمالتها ومع المملكة المتحدة (بريطانيا) وسافرَ إلى مُعظم دول غرب (أفريقيا) وانتزع منهم قَطْع العلاقات مع الكيان الصهيوني

سامي كليب: صحيح

سيدي ولد دومان: لا أعرِفُ أيّ عربيّ فعل هذا

سامي كليب: صح

سيدي ولد دومان: ومع ذلك فتح أبواب (موريتانيا) على مصراعيها للفلسطينيين الذين كانوا يُعامَلون مثل الموريتانيين تماماً، يشتغلون، يُمارسون التجارة، يحصلون على جوازات سفر حتّى الدبلوماسية منها، معظم قادة منظمة التحرير كانوا يُسافرون بجوازات دبلوماسية موريتانية، أذكُر "فاروق القدّومي" مثلاً. هذا رغم أنّ (موريتانيا) في تلك الفترة كانت دولة عُمرها سبع سنوات فقط، ومع ذلك الرئيس لم يتردّد إطلاقاً في قطع العلاقات مع الولايات المتحدة رغم ما كنّا نعيشه في تلك الفترة من ظروفٍ لا داعٍ لذِكرها الآن. 2009، "محمد بن ولد عبد العزيز" عندما جرفَ السفارة الصهيونية ومحا ذلك العار كان يومها يقود مجلساً عسكرياً ولم يكن رئيساً مُنتخباً ولم يكن مُشرّعاً وكان في حاجةٍ ماسّة إلى الدعم الغربي والدعم العربي وكلّ دعم، ومع ذلك لم يتردّد في جَرْف السفارة الصهيونية وقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني. المعنى أنّ هذا تصرُّف طبيعي عند كلّ موريتاني لا استثناء لأيّ موريتاني سواءً كان رئيساً أو مرؤوساً. أُطمئِنُكَ أخي العزيز أنّ (موريتانيا) لن يكون لها دور لا في صفقة القرن ولا في صفقة السنة ولا أيّ موقف جارٍ، هذا موقف ثابت عربي إسلامي إفريقي لدى كلّ موريتاني

سامي كليب: ممتاز

سيدي ولد دومان: لا مساومة في القضايا العربيّة الكُبرى، لا مُساومة على (القدس)، لا مُساومة على القضيّة الفلسطينية إطلاقاً مهما كان الرأي وأعتقد أنّ الرئيس الحالي، فخامة الرئيس "محمد الشيخ الغزواني" سيزيد كثيراً، أمّا أن يتردّد عن هذا فهذا مُستَبعدٌ تماماً

سامي كليب: أوكي. سيّد "محمد يعقوبي"، الآن في العودة إلى الداخل دعني أقرأ بعض المعلومات لكي يفهم المُشاهِد العربي الذي لا يُتابِع بدقّة الوضع في (الجزائِر). "الهيئة الوطنية للوساطة والحوار" بقيادة "كريم يونس" سلّمت الرئيس الجزائِري المؤقّت "عبد القادر بن صالِح" اقتراحات لإخراج البلاد من أزمتها السياسية بينها انتخابات رئاسية في أقرب الآجال، تعديل القانون الانتخابي، التداول السلمي على السُلطة، نقل كافة الصلاحيات المُخوّلة لوزارات الداخلية العدل والخارجية إلى السُلطة الوطنية المُستقلّة للانتخابات. ذهبَ البعض، منهم مثلاً الوزير السابق "أحمد بن نوّاري" إلى حدّ القول: لو تمّ التمسُّك بمُقترح إجراء الانتخابات كما تُريد الرئاسة حالياً قد يكون هناك عصيان مدني لرفض القرار من قِبَل الشعب الذي يتحرّك بعيداً عن الأحزاب والقوى السياسية. بينما نُلاحظ أن هناك إشارات، وكأنّ ثمة تيارين الآن خارجي وداخلي وثمّة مَن يُريد تحريك بعض الأصابع في الداخل ضدّ رئيس الأركان السيّد "قايد صالِح" أو الجنرال "قايد صالِح" الذي تلقّف الحراك الشعبي وذهبَ في اتجاهه وحماه. أُريد أن تُلخِّص لنا هذا المشهد لو سمحت

محمد اليعقوبي: في الحقيقية، في الفترة الأخيرة استقطاب حاد جداً يُميِّز المشهد الجزائِري بعد أن كان الحراك والطبقة السياسية وكلّ الفاعلين على قلب رجُلٍ واحد. في الآونة الأخيرة حدث استقطاب حاد جداً بين مؤيّدين للذهاب إلى انتخاباتٍ في أقرب وقت وانتخاب رئيس للجمهورية لأنّ البلد صار له الآن عدّة أشهُر من دون رئيس ومشاكله تتفاقم، وبين تيار آخر في الحقيقة يُعرقِل الوصول إلى انتخابات. أنا أُلخِّص لك الوضع في أنّ الذين يعرقلون الوصول إلى انتخابات هم في الأساس المستفيدون من فترة عشرين سنة لنظام "بو تفليقة". يجب ألّا نُهمِل أنّ النظام بأكمله الآن موجود في السجن، تسعين في المئة من نظام الرئيس "بوتفليقة" موجود داخل السجن. وزراء أوّلون، وزراء، أمين عام الحزب الحاكم، العشرات من الولاة ورجال الأعمال؛ هناك ثلاثة رجال أعمال موجودين في السجن لديهم مئة ألف عامل، يعني تخيّل مئة ألف عامل الذين أربابهم مهنياً موجودين في السجن، هؤلاء موجودون في الحراك وأكيد يتسبّبون في استقطاب من نوع مُعيّن. فهذه الأقليّة لتي كانت مُستفيدة لا يخدمها الصندوق، لا تريد انتخابات لأنها كانت تأخُذ حقها وحصّتها في عهد الرئيس "بو تفليقة" بالتعيين في المجالِس المُنتَخبة وفي الهيئات العليا وفي الحكومة. المسار الذي أخذته قيادة الجيش مسار للحقيقة مُبهِر لأنه أولاً مُحاربة الفساد أخذت مدىً لم نكن نتوقّعه

سامي كليب: صحيح

محمد اليعقوبي: اكتشفنا أو استيقظنا على عصابة كانت تحكُم (الجزائِر)، هرّبَت خيراتها ونهبت أموالها وبالتالي من الطبيعي أن يكون هناك ردّ فعل لما نُسمّيه الآن بردّ فعل الدولة العميقة التي تُحارِب وتُقاوم لعدم الذهاب إلى انتخابات لأنّ الذهاب إلى انتخابات والاستقرار لن يخدمانها وستأخذ العدالة مجراها وستدفع العصابة الثمن بالقانون، هذا الذي يتسبّب في حالة الاستقطاب الموجودة حالياً. للأسف الشديد أو لنقُل، الذين كانوا على ارتباط دائِم بـ (فرنسا) أو مَن يُسمّيهم قائِد الأركان بأذناب (فرنسا) هنا أو أذناب العصابة، الآن التحدّي لدى قيادة الجيش ولدى الحراك ولدى أغلبيّة الشعب الجزائِري هو فكّ الارتباط، جاءتنا الفُرصة لفكّ الارتباط مع (فرنسا). (فرنسا) التي كانت تفرِض هيمنتها على (الجزائِر) في كلّ القطاعات. تخيّل في الأشهُر الأخيرة الماضية كُشِفت صفقات مهولة لتضخيم

سامي كليب: نعم، تفضّل أكمِل

محمد اليعقوبي: لتضخيم فواتير القمح، نحن قمحنا يرموه في الوديان ولا تأخذه الدولة ثم يشترون القمح الفرنسي بفواتير خيالية جداً. أنت ذكرت أخي "سامي" مدير موقع "موند دا أفريق" "نيكولا بو"، يعني اعترافات خطيرة جداً. يقول بصريح العبارة أنّ (فرنسا) فقدت رجالها في (الجزائِر) ويذكُر تحديداً رجل الأعمال "يسعد ربراب"، وهذا من أكبر رجال الأعمال في العالم وربما الأول في (أفريقيا) أو الثاني، والثاني هو وزير الصناعة السابق "عبد السلام بوشوارب"، وبالمناسبة هو موجود وهارِب في (لبنان) لأنه يعتقد أنّ (لبنان) لا تربطه بـ (الجزائِر) معاهدات أمنية بالتالي موجود الآن في (لبنان)، والثالث هو الجنرال "توفيق"  الذي بقي 25 سنة مديراً للمُخابرات، يعني يقول إنّ المُخابرات الفرنسية بذلت جهداً خُرافياً لإنقاذ نظام الرئيس "بوتفليقة" ولكنّها لم تستطع، ويعترف أنّ قيادة الجيش

سامي كليب: أُستاذ "محمد"، أوكي. إسمح لي أن أسألك أخي "محمد". الجنرال "أحمد قيد صالِح" رئيس الأركان وهو أيضاً نائِب وزير الدفاع يقول التالي، كان قد تحدّث عن أطراف أجنبيّة وفق تعبيره الحَرفي تسعى إلى زعزعة استقرار (الجزائِر) وعن أقلّية جداً تحمل رايات أُخرى غير العَلم الجزائِري تخترق المسيرات. طبعاً هو يتحدث عن بعض النزعات الانفصالية التي عبّرَ عنها ربّما بعض الإخوة الأمازيغ. حين نتحدث الآن بهذا الشكل عن دور فرنسي خارِجي هلّ يُمكن القول أنّ "قيد صالح" الآن هو يقود تياراً مُناهضاً لـ (فرنسا) في (الجزائِر)؟ هلّ يُمكن أن نقول هذا؟

محمد اليعقوبي: أكيد أخي "سامي" لنقل أكثر من هذا إنه لأوّل مرّة قيادة الجيش تتصفّى أو تُنقّى من ضباط ما نُسمّيه في (الجزائِر) بضباط (فرنسا)، الضباط الذين اشتغلوا في الجيش الفرنسي ثمّ التحقوا متأخّرين بالثورة التحريرية ثمّ كان لهم شأنٌ عظيم من سنوات الاستقلال، وخلال التسعينات استلموا الحُكم. الذين أوقفوا المسار الانتخابي في 1990 هم عدد ضئيل من ضباط (فرنسا) الذين أصبحوا جنرالات في وقت "الشاذلي" ثمّ ألغوا الانتخابات التي فازت فيها "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" ثم وضعوا للأسف الشديد (الجزائِر) رهينة لهيمنة فرنسية على كلّ الجهات، لغوياً ثقافياً اقتصادياً وغيرها. فما يقوله، لأنّ الآن قيادة الجيش يقودها مجاهدون ينتمون إلى "جيش التحرير" ولا يوجد بينهم مَن كان ضابطاً في قوات (فرنسا)

سامي كليب: أوكي

محمد اليعقوبي: وبالتالي ما يقوله حتماً يقصِد (فرنسا)، (فرنسا) التي ليس فقط كانت تعتمد على ضبّاطها الذين تقاعدوا أو موجودين في السجن الآن ولكن حتّى على قيادات سياسية يُلمّحُ إليها قائِد الأركان من حينٍ إلى آخر، موجودين ومعتمدين في (الجزائِر)، لهم أحزاب ويلتقون مع المُخابرات الفرنسيّة ويُخطّطون للأسف الشديد، ولا يزال لهم تأثير في سواءً الحراك أو التواصل الاجتماعي وغيرها وهؤلاء أعتقد مَن يقصدهم "أحمد قيد صالِح"

سامي كليب: حسناً، هذا كلام مهمّ في الواقع وخطير أخي "محمد". "سيدي ولد دومان" طبعاً نحن شارفنا على نهاية البرنامج، للأسف البرنامج قصير، لكن دعني أسألك، الرئيس "محمد ولد عبد العزيز"، الرئيس الذي سلّم السُلطة للرئيس "ولد الغزواني"، الإثنان عملياً هما من المؤسّسة العسكرية، عريقان في المؤسّسة العسكرية. هلّ المُعارضة في (موريتانيا) قابِلة بأن يبقى رموز الجيش في السُلطة؟ لأننا لاحظنا في الانتخابات أنه كان هناك اعتراض من المُعارضة ليس على كونهما من الجيش، والجيش محبوب في (موريتانيا) ولكن على طريقة الانتخابات وعلى التسلُّم والتسليم وما إلى ذلك وحضرتك كنت شاهِداً. هلّ ثمّة دور فعلاً للمُعارضة وهلّ ثمّة قبول للمُعارضة الآن بما يجري؟

سيدي ولد دومان: شكراً أخي العزيز، هذان سؤالان أودّ أن أُجيب على كلٍّ منهما على حِدة. أولاً سأُجيب على قضية المُعارضة، المعارضة عندنا مُعارضة مسؤولة، معارضة دستورية تتمتّع بكافة حرّيتها وتُمارِس السياسة حسب قواعِد اللعبة. ليست عنيدة ولم تدعو أبداً إلى العنف ولم تُمارِسه ولم تخرُج عن القوانين وإنما تقوم بعملها من وجهة نظري على أحسن وجه. وفي المُحصّلة، المعارضة ركن أصيل في البنيان الديمقراطي وهي في الواقع يعني سُلطة توازُن لا غنى عنها

سامي كليب: حسناً، بالنسبة للجيش والمُجتمع المدني؟

سيدي ولد دومان: بالنسبة للجيش يجب أن نُفرِّق بين الجيش كلجنةٍ عسكريّةٍ تحكم أو كنظامٍ عسكري يحكُم وبين مَن كانت له خلفيّة للجيش، يعني كان انتماؤه سابقاً للجيش. الأول مرفوض طبعاً، مرفوض أن يتسلّم الجيش السلطة وأن يُمارسها، نحن كلّنا كمدنيين وكعسكريين ضدّ ذلك. أمّا الثاني فأعتقد أنها مَحمَدة أن يكون الإنسان ذا خلفيةٍ عسكرية. ماذا يتعلّمون في الجيش؟ يتعلّمون في الجيش الانضباط، الوطنية، روح التضحية، الاستعداد لخدمة الوطن. هذا ما نقرأه من الجيش، وعندما نُغادر الجيش نكون مواطنين عاديين. وللتذكير فقط يا صاحب التاريخ الذي لا يحب التاريخ كلّ عُظماء العالم كانوا من المؤسّسة العسكرية

سامي كليب: صحيح

سيدي ولد دومان: "ديغول" كان عسكرياً، "روزفلت" كان عسكرياً، يعني ماذا تقول في هذا؟ "جمال عبد الناصر" كان عسكرياً

سامي كليب: صحيح، صحيح. بالنسبة لـ (موريتانيا)، أوكي 

سيدي ولد دومان: المؤسّسة العسكرية ليست عيباً، على العكس 

سامي كليب: صحيح، صحيح تماماً. أيضاً بالنسبة لـ (موريتانيا)

سيدي ولد دومان: ومَن أنقذ (موريتانيا)؟ ومَن وضعها على سكّتها الصحيحة؟ ومَن خوّل لها هذا الانتقال السلمي الذي نفخر به جميعاً، من رئيسٍ مُنتخَب إلى رئيسٍ مُنتخَب؟ هو الجيش عندما تدخل في 2005 وفي الأساس "محمد الغزواني" و" عدي محمد زاد" رحمة الله على روحه أصرّا على ألّا يشاركا في الانتخابات وإنما يسعيان إلى تعديل الدستور وإقامة ديمقراطية حقّة. وبالتالي

سامي كليب: هذا على كلّ حال "سيدي ولد دومان" أيضاً ينسحب على (الجزائِر)، الجيش لعِب دوراً ممتازاً وإيجابياً في (الجزائِر)، وفي (السودان) أيضاً لاحظنا كيف تلقّف الجيش الحراك وأيضاً في (موريتانيا). أعزّائي المُشاهدين هذه من الدول القليلة في الواقع العربية التي فتحت المجال واسعاً جداً للسيدات الموريتانيات لكي يكون لهنّ دور كبير في السُلطة. أنا آسف لأنه انتهى الوقت، كنت أودّ أن آخذ بعض الإجابات الأُخرى. شكراً لكم، شكراً لكِ "كوثر"، شكراً لك "سيدي ولد دومان"، شكراً لك "محمد اليعقوبي"، إلى اللقاء أعزّائي المُشاهدين في حلقةٍ مقبلة من "لعبة الأُمم" عبر قناة "الميادين" في الأُسبوع المقبل إن شاء الله.