أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

التحديات المعاصرة التي تعترض بلدان المشرق

المحور الأول: غسان الشامي: أحيّيكم، ذات يوم قال لي صحافي عالمي "أيها العزيز نحن ويقصد حكوماتهم لم نكن نريد أن يُقسَّم المشرق بحسب سايكس بيكو بل كنا نريد تقسيمه إلى دويلات طائفية مثلما حاولت فرنسا أن تفعل في سوريا ولبنان ليبقى في حروب لا تنتهي، لكن الإنكليز وبسبب نفط الموصل فرضوا هذه الدويلات المختلطة طائفياً علينا". المهم وبعد مئة عام لا يزال التفتيت شغّالاً في المشرق حروباً واحتراباً وطائفية ونفطاً وغازاً لكن علينا البحث عن المستقبل والسعي لأن يكون مُشرقاً، وهذا مقصد حلقتنا مع الدكتور جوزيف معلوف أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية ومدير قسم الفلسفة فيها سابقاً لنبحث في التحديات والحداثة والعَصْرنة والهوية ومستقبل المشرق في أزمنة التطرف، تقرير عن نموذج الدويلات الطائفية التي حاولت فرنسا فرضه في سوريا قبل الحوار. تقرير: اعترضت فرنسا على التقسيم الذي اقترحته اتفاقية سايكس بيكو مدّعية أنها تمتلك حقاً تاريخياً يشمل سوريا الطبيعية، فاهتمّت بالموارنة والدروز والشيعة والعلويين رداً على المشروع الإنكليزي بإنشاء خلافة عربية سنّية ما أدى إلى تعميق المسألة الطائفية في المشرق. أراد الجنرال غورو معاقبة السوريين على تصدّيهم للقوات الفرنسية في معركة ميسلون، فأصدر مراسيم بتقسيم سوريا على أساس طائفي قضت بإنشاء ست دويلات مستقلة هي: دولة دمشق وتشمل حمص وحماه ووادي نهر العاصي إلى جانب دمشق العاصمة ونُزِعت منها الأقضية الأربعة من أجل تكوين دولة لبنان الكبير. دولة حلب في مناطق الشمال السوري بالإضافة إلى منطقة حوض نهر الفرات في شرق سوريا وضمّت دير الزور والرقة والحسكة وغالبية سكانها من العرب السنّة وبعض المسيحيين والأرمن واليهود. دولة العلويين وتشمل اللاذقية، طرطوس والسقيلبية وتلكلخ وجسر الشغور، وتضمّ العلويين في الجبل والسنّة في الساحل مع تواجد لقليل من المسيحيين والإسماعيليين. دولة لبنان الكبير وضمّت بيروت العاصمة مع أقضيتها وتوابعها، صيدا وصور ومرجعيون وطرابلس وعكار والبقاع مع أقضيته الأربعة: بعلبك والبقاع وراشيا وحاصبيا فاتّسعت مساحته من 3500 متر كيلومتر مربّع إلى 10452 كيلومتراً مربّعاً. دولة جبل الدروز وضمّت منطقة السويداء وشكّل الدروز غالبية السكان فيها، وأُعطيت الأقاليم السورية الشمالية لتركيا الأتاتوركية من خلال معاهدة أنقرة فيما كان لكلّ دولة عَلَمها. غسان الشامي: أهلاً بكم، أهلاً بك دكتور معلوف صديقاً وأخاً ومُتبحّراً عزيزاً، دكتور هل قرأ الغرب جيداً بُنية مجتمعاتنا وخطّط لمستقبلها حتى وصلنا إلى هذه الحال التي لا تُسرّ الخاطر؟ جوزيف معلوف: الغرب يقرأ كثيراً لأنه يبحث عن موارد في العالم، والمنطقة العربية هي مكان مهم لهذه الموارد وللحصول عليها لا بد من إيجاد الأسباب لكي ينقضّ على هذه المنطقة، هذه الأسباب باتت معروفة بالنسبة إلينا، السبب الأول برأيي وهذا موضوع حديثنا عن المشرقية التي أحاول أن أدافع عنها في أحاديثي وفي محاضراتي، هذا الانتماء الثقافي إلى منطقة غنية بالحضارات والثقافات والديانات والتي أثّرت كثيراً في المجتمع العالمي وانفتحت على ثقافات أخرى، ولكن في الوقت عينه هذه المنطقة تعيش اليوم أسوأ فترة في تاريخها للأسباب التالية: السبب الأول، لم يخرج الإنسان العربي من عقلية القبيلة، ماذا أعني بالقبيلة؟ هناك عقلية القبيلة التقليدية وهناك عقلية القبيلة الدينية وهناك عقلية القبيلة السياسية، هذه العقلية القبلية تسهل شرذمتها لأن الغربي خلق جواً من التوتّر والخوف بين هذه القبائل الموجودة في هذ المنطقة، وبالتالي لم يتسنّ لها أن تدخل في مجتمع مدني حديث بسبب هذه العقلية وبسبب هذا التوتر وهذه العصبية المسيطرة على عقول الناس، وبرأيي أن وراء هذه العصبية وهذا التخلّف وهذا التجهيل والفقر وتفقير الناس في هذه المنطقة يعود سببه إلى عدّة أمور، السبب الأول هو سيطرة رجل الدين على عقل الإنسان بحيث أن رجل الدين يسمح لنفسه بأن يتدخّل في خصوصيات الإنسان ولا يسمح له بأن يتحرّك في هامش مُعيّن، وهذا يؤدّي إلى خلق خطاب جماهيري شعبوي يستغلّه رجل السياسة الذي هو برأيي أيضاً المتواضع أحياناً ما يكون على توافق ضمني مع رجل الدين للحفاظ على امتيازاته في المجتمع الذي نعيش فيه. غسان الشامي: لماذا أحياناً، يبدو كثيراً. جوزيف معلوف: لا أريد أن أكون مُتطرّفاً في الكلام ولكن هذا ما يُعيق التقدّم في هذه المنطقة. رجل السياسة يستغل العقل الديني في هذه المنطقة ويتلاعب بالإنسان العربي من خلال العصبية الدينية وأحياناً من خلال العصبية القبلية وأحياناً اللغوية والعرقية، وهذا الأمر يقود في آخر المطاف إلى الخروج من حلقة التاريخ، نحن لسنا في حلقة التاريخ، نحن خارج التاريخ اليوم، نحن لسنا في عصر الحَداثة. غسان الشامي: سنأتي إلى هذا ولكن مائة عام ونيّف على سايكس بيكو، على هذه التقسيمات السياسية الموجودة في منطقة المشرق والعالم العربي ولكن مبدئياً في منطقة المشرق، هي تفتّتات مناطقية، مذهبية، طوائفية، هل تحقّق الحلم الغربي في جعل الاحتراب داخل بُنية هذه المجتمعات أمراً واقعاً وصولاً إلى تأبيده؟ جوزيف معلوف: نعم، الغرب برأيي نجح ووقعنا نحن جميعاً في فخّ الغرب أي أضحينا فريسة لغرائزنا ولعصبيّتنا ولم نفكّر يوماً بخلق مجتمع منفتح بعضه على بعض وبخلق مجتمع يقوم على التعدّدية واحترام الرأي الآخر، مَن يُغذّي هذا التناحر؟ الغرب كما نعلم ذلك وله أدوات أيضاً في هذه المنطقة، هؤلاء أيضاً يلعبون دوراً كبيراً للحفاظ على امتيازاتهم. غسان الشامي: دكتور معلوف لنفكّر معاً، بعد هذه المقدّمة الوصفية ما التحديات التي تعترض بلدان المشرق حالياً خارج ما يحصل من اقتتال؟ التحديات المعرفية إذا أردنا. جوزيف معلوف: برأيي أن التحدّي الأول هو حضور الدين في الشارع. غسان الشامي: يجب سحب الدين من الشارع. جوزيف معلوف: يجب سحب الدين والتداول بالدين من الشارع لأن المظاهر الدينية والجماهيرية الدينية في الشوارع تؤدّي إلى العنف وإلى التصادُم، وهنا أدعو رجال الدين إلى العمل على فَهْم الدين فَهْماً جديداً أي أن يعيش الإنسان الُبعد الديني الصحيح وليس البُعد الذي يؤدي إلى التصادُم أي أنا أمتلك الحقيقة وأنت لا تمتلكها، وعندما نذهب في هذا التوجّه ننزل إلى الشارع وأنت تعلم ما الذي يجري بعد ذلك. ثانياً استبداد رجل السياسة في العالم العربي سواء على المستوى المحلي في منطقة معينة أو على مستوى دول، هذا الاستبداد أسهم كثيراً في أمرين أعتبرهما مُهمّين بالنسبة إلي، أولاً تجهيل الناس، طبعاً ليس كل الناس، هناك طبقة في المجتمع العربي قد جُهّلت عمداً لكي تُساق كما يريد رجل السياسة أو رجل الدين، ثالثاً التفقير المنهجي المعتمَّد لكي لا يفكّر الإنسان العربي بفكرة جديدة وبأمر جديد، كي يمضي وقته في التفتيش عن المأكل والمشرب. هناك نقطة رابعة مسؤول عنها الغرب، الغرب مسؤول عن هذا التفتّت، هذا الغرب الذي ينادي بالقِيَم هو أبعد ما يكون عنها وهو يسعى للحفاظ على دولة إسرائيل ولو كانت المنطقة رُكاماً من الجماجم حولها، لا يهمّ، المهمّ أن تبقى إسرائيل واقفة، والنقطة الخامسة هي نهب خيرات هذه المنطقة لكي لا تتقدّم، هذه هي أهم العوائق. غسان الشامي: لنفترض معاً أن الحروب الحالية في المنطقة توقّفت وكل الحروب تتوقّف، ما من حرب لم تنتهِ، ما التحدّي الأبرز معرفياً وعلمياً الذي يواجهنا كمجتمعات دكتور معلوف؟ جوزيف معلوف: لا بد في رأيي من إعادة تربية الإنسان العربي أي إدخال الإنسان العربي في الحداثة، ولكي يدخل في الحداثة لا بد له من خلق مدارس قوية تعلّمه المعرفة الصحيحة وليس المعرفة الأحادية أي لا يكفي أن أتعرّف فقط على الدين، المعرفة الدينية لا تكفي للحفاظ على ذاتي بل لا بد من معرفة علمية، فلسفية، أدبية، حسّية، فنية، هذه العلوم مفقودة في بلادنا العربية والمثقّف بالذات في العالم العربي مُهمّش. غسان الشامي: مُهمّش أم هَمَّش نفسه؟ جوزيف معلوف: مُهمَّش، المُثقف لا يُهمِّش نفسه، همَّشته السلطات والإقطاع، همَّشته أمور كثيرة. غسان الشامي: ولكن رأينا مثقفين يوغلون في أن يصبحوا أزلاماً أو موظفين لدى البنى التكفيرية. جوزيف معلوف: برأيي هذا ليس مُثقّفاً، المُثقّف هو الرأي الحر، هو الذي يقول كلمته ولا يخاف ولا يستزلم إلى هذا أو ذاك، هذا هو المُثقّف، ونحن بحاجة في العالم العربي إلى بناء جيل جديد مُتعلّم، مُثقّف، هذه مشكلة في العالم العربي، لماذا حتى اليوم هناك أشخاص يقودهم رجال سياسة وإقطاع ورجال دين؟ بسبب مشكلة الثقافة والمعرفة. غسان الشامي: في بُنية مجتمعاتنا دكتور معلوف يقع مفهوم الأقليات والأكثريات، أعتقد لسنا نحن ولستم أنتم ممَّن يؤمن بهذا المفهوم ولكن هذا مفهوم دارِج ومُتداول، هذا المفهوم من أين أتى؟ وكيف يمكن التخلّص منه؟ وهل هناك أوطان بأقليات وأكثريات سيّدي؟ جوزيف معلوف: يا أخي مشكلة الأقليات هي مشكلة خُلِقَت في منطقتنا، في أوروبا هناك أقليات ولكن إلى حد ما هناك حُسن إدارة لهذه المجتمعات الأوروبية، على سبيل المثال سويسرا هي مجموعة شعوب وتُدير ذاتها بطريقة حضارية لأنه لا يوجد في سويسرا ما يُسمَّى بلغة الاستقواء والاستعلاء والعدد الديموغرافي، خرج الأوروبي من هذه العقلية. أما هنا في هذه المنطقة ما برحنا للأسف أمام مشكلة كبيرة هي ما أُسمّيه بلغة الاستقواء والاستعلاء والعدد الديموغرافي. ما ذنبي إذا كنتُ أنتمي إلى جماعة صغيرة؟ هل يصغر حجمي إذا كنت إنساناً ذا كفاءة عالية لأنني أنتمي إلى هذه الطائفة أو إلى هذه الجماعة أو إلى هذه الأقلية؟ هذا تفكير قديم، تفكير دعني أقول مُتخلّف لا يفهم معنى الوطن ولا يفهم معنى المواطنة، من هنا مشكلة العالم العربي، ما إن تقوى جماعة على أخرى سواء أكان عددياً أم قوّة أو أي شيء آخر حتى تجتاح وتعيث فساداً بالآخرين، ونحن بحاجة في منطقتنا إلى دول تقوم على المواطِنة وهذا ما دعا إليه كما سبق وأشرنا إليه منذ فترة في البرنامج نفسه بيان الأزهر، أي لا يحق لنا منذ هذا البيان ومنذ فترة طويلة أن نسمّي في البلد نفسه أن هناك أقلية وهناك أكثرية، وهذا مُشين سواء أكان بحق المسلمين إذا كانوا هم أكثرية ويعتبرون الآخرين أقلية، وبالتالي عليهم أن ينصاعوا أو إذا كانت المنطقة منطقة مسيحية وهناك أقلية إسلامية يجب أن تنصاع، هذا أمر مُشين لا يمكن أن يقبل به أيّ إنسان عاقل اليوم لأن المشرقية ماذا تعني؟ هذا الانتماء الثقافي أي أننا ننتمي إلى منطقة مُنفَتِحة على التعدّدية وعلى احترام الآخر وعلى احترام الإنسان مهما كان انتماؤه، فكيف يمكننا أن نسترسل في هذه التعابير المُبتَذلة التي لا معنى لها برأيي. غسان الشامي: كيف تقرأ التطرّف الذي حصل في مجتمعاتنا وهو من المشاكل التي يعاني منها المشرق والعالم العربي عموماً؟ جوزيف معلوف: سبق أن قلت لك أن هذه القبائل العربية ما برحت تحت سيطرة الدين، هذا لا يعني أنني ضد الدين، أنا أحترم الدين كحضارة وثقافة كبرى أسهم كثيراً في ترقية الإنسان ، ولكن إذا تحوّل الدين إلى وسيلة للتطرّف هنا تكمُن المشكلة، كيف يتحوّل الدين إلى وسيلة للتطرّف؟ الجواب سهل جداً، القراءة الحَرفية للنصّ الديني، القراءة الحَرفية للتقليد الديني والتراث الديني وأن الإنسان لا يستطيع أن يُجدّد لأن كل شيء مرتبط بالسلف سواء أكان في المسيحية أم في الإسلام، هذا يؤدّي إلى التطرّف والتطرّف يؤدّي إلى العصبية والعصبية تؤدّي إلى العنف والاقتتال. نحن في مشكلة مع النصّ الديني وهذا ما تمّ تحليله وتمّ إيجاد الحل له في أوروبا عندما أُخضِعَ هذا النص الديني لقراءة نقدية وليس نقضية والفرق كبير بين النقد بالدال والنقض بالضاد، نحن لا نريد أن ننقض الدين بل نريد أن نضع الدين في مكانه الصحيح في المجتمع أي أن يسهم في ترقية الإنسان. ما هي غاية الدين؟ أن يتدخل في شؤوني في كل لحظة؟ أحد اللاهوتيين في أوروبا لخّص الدين بجملة واحدة "الرجاء"، إذا لم يكن الدين يحمل الرجاء أي الحياة الأبدية فما النفع منه؟ ما الفائدة من الدين إذا لم يكن يحمل بُعداً خلاصياً؟ لماذا يريد الدين أو المسؤولون عن الأديان أن يحوّلوا الدين إلى وسيلة لخرق الناس واستيلاب عقولهم؟ لندع الإنسان يفتّش أيضاً بنفسه. غسان الشامي: بدقيقة في هذا المحور مررتَ على كلمة يبدو أنها هامة جداً وهي مفهوم الخطاب الشعبوي، ما هو واقعه في بلادنا؟ جوزيف معلوف: الخطاب الشعبوي هو خطاب إفلاس، عندما تُفلِس عقيدة برأيي أو يُفلِس شعب، في أوروبا اليمين المتطرّف هو إفلاس، وعندما يُفلِس الشعب وعندما يدغدغ المسؤول عواطف الجماهير لجذبها نحوه من أجل غايات شخصية ويلعب على وتر العصبية والقومية والدين والخوف من الآخر طبعاً يتحوّل الخطاب إلى خطاب شعبوي كما يتحوّل إلى خطاب أصولي. غسان الشامي: إسمح لي سنتابع في المحور المقبل هذه الإشكاليات، أعزائي فاصل ونعود إلى الحوار مع الدكتور جوزيف معلوف، التحديات التي تعترض المشرق والعالم العربي، انتظرونا. المحور الثاني: غسان الشامي: تحية لكم، دكتور معلوف طرحتَ مجموعة من المفاهيم علّنا نمرّ عليها لأنها فعلاً تحتاج إلى نقاش، مثلاً مفهوم التعدّدية في المجتمع، هذا موضوع إشكالي لأن التعدّدية تعني للبعض نوعاً من التذرير للبنى الاجتماعية وقد تعني للبعض نوعاً من التفتيت الاجتماعي، ماذا تقصد فعلاً بالتعدّدية ضمن المجتمع؟ جوزيف معلوف: نحن في العالم العربي نعيش في مجتمعات مُتعدّدة الهوية، إما أن أقبل بهذه التعدّدية وإما أن أنفصل وكل جماعة تحكم نفسها ولكن ليس هذا هو الحل. لنأخذ مثلاً بسيطاً، أنا كلبناني اليوم لديّ هوية لبنانية ولكنني أنتمي أيضاً إلى الهوية العربية أي عليّ أيضاً أن أقبل وأنفتح على هذه العقلية العربية، أنا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعالم المسلم لأنني أعيش في منطقة مسلمة ولا يحق لي أن أنزوي في منطقتي وأعتبر أن المسلمين لا شأن لهم معي والعكس صحيح، المسلم أيضاً معنيّ بالمسيحي والدرزي معني بالمسيحي أي هناك ما يُسمّى بالهوية كمُنطلق لكل جماعة وهناك أمور مشتركة يجب أن تظهر بين هذه الجماعات، إن لم نتمكّن من إظهار هذه الأمور المشتركة لأن هناك أموراً مشتركة فهذا يعني أننا فشلنا، عندما نحاول أن نحاور بين المسيحيين والمسلمين أو بين المسلمين والدروز والدروز والمسيحيين، هل عندما أحاور المسلم أسعى لكي يغيّر دينه؟ هذا لا معنى له. غسان الشامي: نعم ولكن هناك أيضاً تعدّديات قومية وعِرقية. جوزيف معلوف: حتى التعدّدية القومية، لماذا لا يكون هناك ما يُسمّى بالخصوصية ضمن الدولة الكبرى كما حصل في سويسرا، لماذا نجحت سويسرا في هذا؟ لماذا لا نأخذ هذا المثال نموذجاً لنا؟ ولكن لكي ننجح في هذا النموذج لا بد من أرضية قوية؟ تقوم سويسرا على الاقتصاد والنمو المُتكافئ عند الكل أي لا تجد فرقاً بين المنطقة الفرنسية والمنطقة الألمانية والمنطقة الإيطالية، هناك مستوى حياتي اجتماعي متساوٍ للكل، إنما هنا في بلادنا هناك مشكلة في المساواة في البنية التحتية، لِمَ البنية التحتية تكون قوية هنا وضعيفة هناك؟ هناك مشاكل اقتصادية، إذا حُلّت المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وتغلّبنا على الفقر وعلى الجهل في هذه المناطق عندها يمكننا أن نتعاون بعضنا مع بعض من دون أية مشكلة، ولكن إذا بقي الفقر وبقي الجهل يمكننا التلاعُب بأية جماعة ويمكننا أن نذهب بها إلى أمور لا نريدها. غسان الشامي: ذكرتَ الهوية، صديقك أمين معلوف تكلّم عن الهويات القاتلة ولكن أيضاً قراءة مُتأنية لبُنية مجتمعاتنا نرى أن هناك هويات صغرى وهويات كبرى، هناك هويات دينية، هناك هويات ثقافية، بمعنى أنه لم يكتمل هلال الهوية ليصبح بدراً، ماذا تقصد بمفهوم الهوية في المنطقة المشرقية؟ جوزيف معلوف: برأيي أن الهوية مُتعدّدة أي أنني أنتمي إلى جماعة وهي جزء مهم من هويتي والجزء الآخر هو انفتاحي على الثقافات التي تحيط بي، أمين معلوف يقول "أنا لبناني، أنا فرنسي، أنا غربي، أنا عربي لأن كل هذه الثقافات باتت جزءاً مني"، وأنا أعتبر نفسي كأستاذ في الجامعة وكجوزيف على غرار أمين لديّ هويات في هوية واحدة وهذا غنىً لي لأني مُنفتح على كل الجماعات التي نعيش معها، عندما أرفض هذه الهويات تتحوّل إلى هويات قاتِلة، وعندما أنفتح على غنى هذه الهويات تماماً كما حصل في البوسنة والهرسك، ماذا حصل في البوسنة والهرسك بين الكروات والصرب والمسلمين؟ تقاتلوا بطريقةٍ بشعة، ماذا حصل؟ تدخلت أوروبا لماذا؟ وخلقت دولة البوسنة والهرسك تضمّ تجمّعات طبعاً ولكن ضمن دولة واحدة، وجدوا الحل الأقرب للتعايُش علّهم يندمجون أكثر فأكثر في المستقبل وهذا يتطلّب نوعاً من الرقيّ ومن الوعي في احترام الإنسان وفي احترام دين الآخر. غسان الشامي: مررتَ على الحَداثة، هذه الحَداثة من كثرة ما تمّ الحديث عنها يبدو أنها أصبحت قديمة، يبدو أنها في الكثير من بلدان العالم تجاوزت مرحلة الحَداثة، هذه الحَداثة التي نريدها في بلادنا أين هي؟ ما هي؟ جوزيف معلوف: بدأت الحَداثة في بلادنا منذ 150 سنة. غسان الشامي: سلحفاتية، لا تصل. جوزيف معلوف: الفكر الحَداثوي دخل إلى بلادنا وذلك من خلال العلاقة مع الغرب وبالتحديد مع فرنسا، هذا الفكر لم يترك أثراً كبيراً في هذه المنطقة، الشيخ عبد الرحمن الكواكبي مثلاً وهو من الأشخاص الذين تركوا أثراً كبيراً في مطلع القرن العشرين قال "هناك استبداد الجهل على العِلم واستبداد النفس على العقل"، ماذا يعني ذلك؟ الحداثة هي أن تعطي للعِلم مكانة كبرى في جميع الميادين وأن تترك العقل يتصرّف، يفكّر بمفرده وليس بالإملاءات. عندما يكون استبداد النفس على العقل أي هناك مَن يُملي على العقل ماذا عليه أن يفعل، ونحن نريد إنساناً عربياً حَداثوياً فرداً يفكّر بنفسه ويخرج من عُمر القصور، هذا العُمر الذي يسمّيه "كانت" في كتاب "ما هي الأنوار؟" وعصر الأنوار هو عصر الحداثة أي أن يتخلّص الإنسان من عقلية القصور، ما زال الإنسان العربي وليس الجميع قاصراً أي يحتاج لمَن يُعلّمه، لمَن يفكّر عنه، لمَن يقول له إفعل هذا ولا تفعل ذاك، كيف تريد أن ندخل في الحَداثة عندما يكون العقل كما بدأنا هذه الحلقة عقلاً قبلياً أي خاضعاً لرئيس القبيلة. غسان الشامي: والعَصْرَنة؟ البعض يتحدّث عن العَصْرَنة، ماذا تختلف عن الحداثة؟ جوزيف معلوف: هي نفسها، نفس التفكير، العَصْرَنة أي أن أدخل دوماً في حركة التاريخ المتطوّر، المشكلة في العالم العربي أن هناك استمرارية جامدة أسمّيها بالفرنسية Une survie statique، أي أنه يحلو لنا أننا قد حصلنا على أمر ما فنقف هنا ولا نريد أن نتقدّم ولا نريد شيئاً جديداً، في حين أن الغرب ما أضحى جديداً بعد فترة يصبح قديماً، ونحن هنا في العالم العربي لدينا القدرة على اجترار وهنا استعملت تعبيراً مبتذلاً نوعاً ما، على اجترار الماضي واجترار العادات من دون حسّ نقدي. ما هي قدرة الحَداثة؟ قدرة الحَداثة هي النقد، النقد بالدال وأشدّد على الدال لأن النقد هو الذي يطوّر والعالم العربي لديه مشكلة في النقد الذاتي. غسان الشامي: المجتمع المدني وهو تعبير حاول الكثيرون استخدامه في المنطقة ولكن يأتي البعض ليقول لك أن مجتمعاتنا غير مؤهّلة لأن تكون مجتمعات مدنية لأن العامل الديني أو أن النفس البشرية في منطقتنا مرتبطة جداً بالمجتمعات الدينية، هل هذا الكلام صحيح؟ جوزيف معلوف: ربما ولكن أيضاً في أوروبا كان الدين مُتغلغِلاً في أمور كثيرة في الحياة اليومية، وتوصّلوا مع الوقت إلى وضع الدين في مكانه المناسب والصحيح، إذا كنتَ تريد أن تصلّي فاذهب وصلِّ أينما تريد ولكن لندع الأمور المدنية للجميع. المشكلة في العالم العربي أن رجال الدين ما برحوا يؤثّرون كثيراً على العقلية في هذه المنطقة بواسطة رجال السياسة لكي يحافظوا على نوع من الثبات ولكي لا نذهب بعيداً في المجتمع المدني، أنا أُسمّيه المجتمع المدني وليس العلماني، أفضّل هذا التعبير، المجتمع المدني يعني أنني أفصل بين الدين والعمل المدني والدين ليس عبئاً علينا أبداً، الدين له مكانة كبرى في مجتمعاتنا وعلينا أن نحافظ على هذه المكانة ولكن ليس في الشوارع وليس في المناطق العامة، علينا أن نتوصّل إلى هذا التوجّه وعندها ندخل في عقلية المجتمع المدني أي عندما أذهب مثلاً إلى البسطة أو إلى أي منطقة في الشمال أشعر بأنني في مجتمع مدني والعكس صحيح عندما يأتي أحد ما إلى مناطقنا هنا يشعر بأنه في مجتمع مدني. عندما تكثر هذه الأمور الشعبوية وتكثر هذه المظاهر فهذه علامة ضعف في بنية الناس وفي علاقة الناس ببعضهم البعض. غسان الشامي: في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كما أسلفنا كانت هناك دعوات، كانت هناك مقالات، أنت ذكرت قبل قليل الكواكبي وجميعنا يعلم أن الكواكبي قد حورِب، كان نُذراً لنهضة، هذه النهضة تراجعت أو خمدت أو أُطفئت، كيف لنا بنهضة جديدة؟ ما ملامح النهضة الجديدة؟ على ماذا يجب أن تتكئ؟ جوزيف معلوف: ماذا نعني بنهضة عربية جديدة؟ أنا متشائم في الوقت الحالي من إمكانية حدوث نهضة عربية جديدة لأسباب ذكرنا البعض منها، السبب الأول هو فُقدان التربية الصحيحة في العالم العربي، التربية بالمعنى الواسع، هذا البند الأول. البند الثاني هو الجهل المُطبق علينا والذي لا يُسهم كثيراً في بناء نهضة جديدة. ثالثاً وجود الدين في الشارع يُبعِد عنا هذه الفكرة نحو التجدّد، رجل السياسة يلعب دوراً سلبياً أيضاً في هذا المجال، هناك عوامل كثيرة تمنعنا من الدخول في حَداثة جديدة. غسان الشامي: والتنوير؟ هذا التنوير الذي يتنكّبه الكثيرون، ألا يمكن إعادة ضخّ التنوير في شرايين المجتمع دكتور معلوف؟ جوزيف معلوف: يبدو أن العالم العربي عاصٍ على التنوير، دخل في التكنولوجيا ولكن العقلية لم تلحق بالتكنولوجيا، لم نشهد حتى الآن عقلية تتطوّر مع تطوّر التكنولوجيا تماماً كما حصل في الغرب وفي دول كثيرة في العالم. العالم العربي ما برح أسير ماضيه، يتغنّى بماضيه، قد يكون هذا التغنّي بالماضي للتصدّي للفورة الغربية والهجمة الغربية عليه ولكن ليس هكذا نتصدّى للغرب، علينا أن نتصدّى للغرب بطريقة جديدة من خلال الإبداع، من خلال مساعدة المفكّرين في العالم العربي على إيجاد أماكن الأبحاث، لماذا تهاجر الأدمغة من لبنان ومن سوريا ومن فلسطين ومن العالم العربي؟ بسبب غياب المؤسّسات البحثية. غسان الشامي: أنت وضعت يدك على جرح وهو موضوع التعليم، التعليم في مراحله الأولى ربما يقول البعض أنه مقبول ولكن هذه الجامعات العربية، هذه الجامعات في بلدان المشرق ماذا تنتج؟ ماذا تقدّم؟ ماذا تقدّم لمستقبل هذه البلاد؟ ماذا تُضيف إلى العِلم الإنساني؟ جوزيف معلوف: هناك جامعات تُخرِّج أنصاف أمّيين أي هي هياكل خارجية ولكن لا تُعنى بالمعرفة والعِلم بطريقة جدية، هناك مشكلة في الجامعات العربية وهي أنها ليست قائمة على مفهوم حديث. نحن في الجامعة اللبنانية لدينا مشكلة كبيرة ليس في مستوى الأساتذة ولكن في الترهّل الإداري، في الأمكنة، في أمور كثيرة، في الأماكن البحثية. غسان الشامي: في البناء. جوزيف معلوف: نعم، كيف يمكنني أن أذهب إلى بناء وفي أسفله محل للدواليب؟ كيف يمكنني أن أقبل بذلك؟ هناك جوّ لا بد من خلقه في البلاد العربية، هناك جامعات مُحترمة والجامعة اللبنانية مُحترمة وأنا أدرّس فيها وهناك مستوى عالٍ ولكن نفتقد إلى الحد الأدنى من الإطار العلمي الصحيح. غسان الشامي: دكتور مررتَ أيضاً على مفهوم الحوار، أنت تعتبر أن الحوار يجب أن يكون الناظِم الأساسي لسياقاتنا الفكرية والاجتماعية وضمن المجتمع نفسه، هذا الحوار هل هو مقطوع، وإذا لم يكن مقطوعاً ما هي وسائطه ووسائله أولاً بين مكوّنات المجتمع وبين هذا المجتمع الذي نعيش فيه والمجتمعات الأخرى لأننا لسنا بعيدين عمّا يحصل في العالم؟ جوزيف معلوف: الحوار قائم خصوصاً في لبنان على مستوى كبير وبين عدّة مؤسّسات، وهناك تفاهم كبير في أمور كثيرة اللّهم في احترام مواقف الآخر وهذا ما نسعى إليه، الحوار قائم أيضاً بين الناس، لا مشكلة في علاقة الناس مع بعضهم البعض لأن الناس يتقاربون سواء أكانوا مسلمين أو مسيحيين، المشكلة عندما يتدخل رجل السياسة، الإقطاعي، الزعيم أو رجل الدين الذي يريد أن يسيطر ويُهيمن، عندها يتغيّر الوجه وتتغيّر العلاقة ويتغيّر كل شيء. على رجال الدين أن يتحلّوا بالحِكمة في العلاقة مع الآخرين. غسان الشامي: ولكن يا دكتور هناك مَن يقول أو هذا واقع أنه "كما تكونون يُولّى عليكم"، بمعنى أننا دائماً نضع الحق أو نلقي باللائِمة على رجل السياسة ورجل الدين ولكن أيضاً في هذه البلدان هذه الشعوب حتى إذا مارست أدنى أنواع الديمقراطية تُعيد انتخاب هؤلاء أنفسهم. جوزيف معلوف: هذه المشكلة تعود إلى المال الإقطاعي، المال يدخل في المسألة وعندما تُجيّش الناس بواسطة المال تعود إلى الحُكم. غسان الشامي: إذاً هل هناك حَداثة مع فساد؟ بلاد تعيش فساداً، الفساد مُستشرٍ. جوزيف معلوف: لا مجال للحَداثة في لبنان وفي العالم العربي لأن الفساد مُستشرٍ إلى أقصى الحدود، وبالتالي كما قلت منذ فترة الكل يسرق الكل وبالتالي كيف يمكنك أن تبني دولة تقوم على احترام القوانين، على الواجبات والحقوق إذا كان الفساد هو رأس الحربة، هنا مشكلة المشاكل في العالم العربي وفي لبنان، كيف يمكننا أن نحاسب رجلاً هنا في لبنان؟ هل يمكننا بسهولة أن نحاسب رجلاً سياسياً؟ هو يستقوي بطائفته أو بأيّ شخص آخر، من هنا لا بد من إعادة النظر في عقل الإنسان العربي. غسان الشامي: سأعود قليلاً إلى الحوار ما دام حوارنا فكرياً، في ظل تسيّد العنف وهذا العنف ليس وليد الساعة في مجتمعاتنا دكتور معلوف. جوزيف معلوف: أبداً. غسان الشامي: كيف يمكن أن نذهب إلى الحوار والعنف مُخيّم؟ أليس هذا نوعاً من الإشكالية؟ جوزيف معلوف: إشكالية كبرى، كل شيء مُعطّل في الفترة الحالية خصوصاً في سوريا والعراق واليمن، في لبنان إلى حد ما الحوار ما برح قائماً ولكن في هذه الدول الأمور كلها مُعطّلة بسبب الحروب، ولكن هل نبقى هكذا في حروب عبثية ولو فُرِضت مثلاً من قِبَل الغرب علينا؟ هل يجب علينا أن نبقى في هذا السياق وكأنه ليس لدينا أية رؤية وأي فكرة للخروج من هذا المأزق؟ أين عُقّال هذه المنطقة؟ غسان الشامي: أنت تتكلّم عن مفهوم المسؤولية العامة، هذا تعبير باعتقادي يحتاج إلى شرح. جوزيف معلوف: طبعاً. غسان الشامي: المسؤولية العامة هي سِمة من سِمات المجتمعات المعاصرة، ما دوره وكيف نفعّله في بلادنا؟ جوزيف معلوف: المسؤولية العامة تقوم على التنمية الشاملة في البلد، عندما يكون هناك مسؤولون في بلد ما كلبنان عليهم أن يهتمّوا بالتنمية في كل مناطق لبنان وإلا سنبقى في صراع دائم. على المسؤول ألا يهتمّ بمصالحه، يأتي المسؤول لا ليهتمّ بمصالح الدولة والشعب بل يهتمّ بمصالحه وماذا يستطيع أن يربح من هذا الموقع السياسي. هنا تكمُن المشكلة، نحن بحاجة إلى تنمية مُتوازية في مناطقنا. أين الكهرباء؟ هذه أبسط الأمور، أين المياه؟ أين الطرقات؟ أين احترام البيئة؟ غسان الشامي: أنا أقصد بالمسؤولية العامة أن يتحمَّل المرء المسؤول المسؤولية عن كل المجتمع الذي يعيش فيه. جوزيف معلوف: طبعاً وإلا لماذا هو مسؤول؟ عليه أن يتحمَّل مسؤوليته ويعمل من أجل رفع البلد الذي يعمل من أجله. غسان الشامي: أنا أشكرك سيّدي. الصحافي الصديق نفسه الذي قال لي "أيها العزيز أنتم في الشرق تحبّون أن تسمعوا منا الكلام الذي تطربون له"، وفعلاً يبدو أننا نحن نحبّ من يحكّ لنا على جَرَبنا، لكن علينا انتضاء العقل النقدي كما تكلّم الدكتور معلوف والتوقًف عن البكاء والنقّ والسير إلى التنوير والحداثة. شكراً دكتور جوزيف معلوف، شكراً زملائي في البرنامج والميادين، سلام عليكم وسلام لكم، شكراً.