أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

أنطاكيا.. مدينة الله العظمى

أنطاكيا.. مدينة الله العظمى، من عاصمة سوريا والمسيحية إلى بلدة صغيرة تحت الاحتلال التركي... مكانتها الحضارية والريادية واللاهوتية.. كيف تستعاد؟ ودور البطريركيات المشرقية في إحياء تراثها.

 

المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم، صحيح أن أنطاكيا وجعٌ مسيحي محتلّ لكنها أيضاً وجعٌ وطني وإنساني، فبعد أن كانت عاصمة سوريا والمدينة الثالثة في العالم القديم وحتى القرن السادس الميلادي طبعاً بعد روما والإسكندرية باتت طيّ النسيان حتى لدى الأركيولوجيين من جرّاء الاحتلال التركي. صارت أنطاكيا جملة في ترويسات بطريركيات المسيحية المشرقية حيث تنتمي هذه البطريركيات لها وللمشرق أرثوذكسية كانت أم سريانية أم كاثوليكية، وللتذكير فيها سُمّي المسيحيون مسيحيين وخرج منها القدّيسون فأخذت لقب مدينة الله العظمى. أين هي الآن تاريخياً، روحياً، لاهوتياً، وحضارياً من المسيحية المشرقية؟ وهل باتت فعلاً مجرّد ترويسة بطريركية وذكرى؟ هذا ما سنناقشه مع الدكتور والباحث في الأنتروبولوجيا ميشال سبع الأنطاكي الروح والمتخصّص بها بعد تقرير عنها. 

تقرير:

أسّس سلوقس نيكاتور أنطاكيا عام 300 قبل الميلاد مدينة بخمسة أبواب و360 برجاً حيث صارت عاصمة السلوقيين التي ضمّت مجلس شورى وملعباً يستقبل الألعاب الأولمبية كل أربع سنوات.

احتلّها عام 460 قبل الميلاد القائد الروماني بومبي وجعلها عاصمة إقليم سوريا الروماني، وأدى موقعها دوراً مهماً في التاريخ التجاري ومثّل عقدة وصل عالمية ومركزاً للتجارة والتبادل الثقافي بين الشرق والغرب، وكانت ثالث مدينة في الامبراطورية الرومانية بعد روما والإسكندرية وباتت أول عاصمة سورية ومركزاً ثقافياً عالمياً للفن والتحضّر في العهد الهلنستي، وضمّت معابد للآلهة ومسرحاً كبيراً ومتحفاً في الهواء الطلق ومكتبة ضخمة وحمّامات فخمة.

دخلتها المسيحية عام 34 بعد اضطهاد اليهود للمسيحيين وزارها الرسول بولس ومكث فيها سنة، ثم جاء بطرس الرسول الذي أسّس كرسيّه الرسولي فيها عام 37 فصارت مهد المسيحية وعاصمتها ومنطلقاً لها نحو الغرب وبات أسقفها بطريركاً للمشرق بكامله.

في أنطاكيا أُطلق إسم مسيحيين على أتباع المسيح، وبرغم انشقاقات القرن الخامس بقي بطريركها رمزاً شرعياً لخلافة بطرس وقدّمت إثنين من أعظم قادة الكنيسة هما أسقفها إغناطيوس الذي استُشهد في روما ويوحنا الذهبي الفم.

يبلغ عدد سكانها الآن تحت الاحتلال التركي نحو 380 ألفاً بينما كان في القرن الميلادي الأول يناهز المليون نسمة.

غسان الشامي: تحيّة لكم من أجراس المشرق، أهلاً بك دكتور سبع ضيفاً عزيزاً سيدي.

ميشال سبع: أهلاً بك.

غسان الشامي: لنبدأ من الدور الحضاري لأنطاكيا كيف يُقرأ؟

ميشال سبع: أنطاكيا التاريخ كما تفضّلتَ استُلبت على يد الفرنسيين الذين أعطوا أعزّ ما تملك سوريا إلى تركيا كما فعل بلفور عندما أعطى أجمل ما عند سوريا إلى اليهود، كذلك كانت أنطاكيا هي الفكر الطبيعي، المنطق الطبيعي لأن اليونانيين استندوا إلى الفكر غير الطبيعي، على الفكر المجرّد في حين أن بلاد الشام كانت تستند إلى المنطق الطبيعي، بأي معنى؟ أنهم عندما كانوا يعبدون إله الرعد وإله العواصف وإله المطر كانوا يعبدون آلهة لها علاقة مباشرة بالطبيعة، وكان من المنطقي أن يقولوا أنه ما دام هناك مطر ورعد فهناك قوة عظمى وسمّوها آلهة. عندما أتت المسيحية وهنا أقول أن بطرس هو الذي بشّر أولاً بالمسيحية في أنطاكيا، ومن المفارقات أن يُقال أن كنيسة روما هي كنيسة بطرس، في الواقع كنيسة أنطاكيا هي كنيسة بطرس.

غسان الشامي: هذا كلام جديد.

ميشال سبع: نعم، وعندما دخلت المسيحية إلى أنطاكيا لماذا انتشرت بسرعة؟ لأنهم كانوا معتادين على قيامة أدونيس وعلى قيامة الربيع وعلى قيامة الفصول، وكانوا معتادين أن المسيح يجسّد أدونيس من جديد، لذلك أخذوا الدين بسرعة لأنهم اعتبروه منطقياً، ولكن كانت القضية الكبرى عندما بدأ قسطنطين الكبير الذي أراد أن يجعل من المسيحية إمبراطورية وملَكيّة ويجعل الشباب الذين كانوا يموتون من أجل المسيح أن يقاتلوا من أجل المسيح، أي أنه أول من شكّل حزب المسيح أو حزب الله بهذا التعبير، هذا الرجل لم تكن عنده أية ثقافة لاهوتية ولا ثقافة حضارية، هو مقاتل.

غسان الشامي: كأغلب الأباطرة الرومان.

ميشال سبع: بالضبط، فعندما قامت الآريوسية والنسطورية على مدارس فكرية مهمة قائمة على أساس المنطق الطبيعي، أنه ليس من المنطق الطبيعي ولا العقلي أن يكون المسيح هو إله وإنسان، هو إما إله عظيم بشكل إنسان وإما إنسان عظيم له قوة إلهية، فعندما اختلف هذان الإثنان أراد قسطنطين أن يحلّ المشكلة، فعندما قام مجمع نيقيا وتصارع هؤلاء وهو لا يفهم ما يقولون كان الحل عنده.

غسان الشامي: فقط كان آتياً بالذهب.

ميشال سبع: كان الحل الأساسي عنده أن يضرب هذا وذاك ويقول هو إله وإنسان ولننهي هذه المشكلة.  

غسان الشامي: يعني لعبها ستّة وستّة مكرّر.

ميشال سبع: من هذا المنطلق يجب الإقرار بأن روما في ذاك الوقت لم يكن عندها أي فكر لاهوتي.

غسان الشامي: هذا كلام يدفعني لأن أسألك أيضاً، ما دام المدينة أسّسها سلوقس نيكاتور على إسم أبيه أنطوخيوس وبومبيوس هو الذي سمّاها عاصمة لسوريا سنة 64 أي في العصر الروماني، معنى ذلك أن منها انطلقت المسيحية، هل هناك تزاوج روحي في أنطاكيا بين المسيحية والفكر اليوناني والفكر في العصر الروماني أم أنها مسيحية كما قلت تتكئ على الإرث الروحي لبلاد الشام؟

ميشال سبع: أعتقد أن المسيحية التي بدأت في أنطاكيا كانت تستند إلى إرث بلاد الشام ولم تدخل فعلياً في عملية الاستناد إلى الفكر اليوناني وليس الروماني لأنه ليس هناك فكر روماني.

غسان الشامي: ولكن هناك فلاسفة في العصر الروماني.

ميشال سبع: ولكن ليس هناك فكر روماني، استندت إلى اليونانية، عندما بدأ الفكر البولسي في الكنيسة يريد أن يترجم ويفلسف فكر المسيح على أساس الفكر اليوناني، هنا أصبح الشرخ من الفكر السوري إلى الفكر اليوناني في القضية اللاهوتية.    

غسان الشامي: هناك من يقول أن جزءاً من المسيحية هو في الثقافة الهلّينية، بمعنى هذا الامتزاج ما بين الشرق والغرب هل هو تأثّر وتأثير أم أنه لأن ذلك الزمان جمع الشرق والغرب في أنطاكيا كانت المسيحية خارجة من هذا الاجتماع؟

ميشال سبع: أنا أعتقد أن الفكر الهلّيني عملياً تأثّرت المسيحية به كثيراً نتيجة خروج جمعيات وأسس من الفكر بعد يوحنا عندما أصبح إنجيل يوحنا إنجيلاً أساسياً وكبيراً والفكر البولسي، هؤلاء الذين جعلوا المسيحية تتأثر بالفكر الهلّيني أما الفكر البسيط الذي قال به مرقس ولوقا فهو فكر بسيط وشعبي وعليه إسناد كبير في أنطاكيا.  

غسان الشامي: حكائي.

ميشال سبع: طبعاً يروي من دون خلفيات فلسفية، أما متّى فأنا أعتقد أن الذي شوّه صورة المسيح وأعطى المسيح الصورة اليهودية وألغى منه الجوهر الحقيقي للمسيح الذي هو جعل الحرف يموت والكلمة تحيا وتتجسد في الحب إنما كان متّى الكارثة.

غسان الشامي: هذا موضوع شائك، متّى عشّار ونحن نعلم ما هي ثقافة العشّارين في تلك الفترة ولكن في الوقت عينه إنجيل متّى بالآرامية دكتور سبع، بلغة أهل المنطقة وهي اللغة التي تكلّم بها السيد المسيح ألا يمكن أن يكون هو أقرب؟

ميشال سبع: أقرب باللغة، لم يفهم المسيح، قرأ المسيح كما يقرأه أي يهودي وأراد أن يقول لليهود هذا هو المسيح الذي تنتظرونه.

غسان الشامي: إذاً ما هي الأنطاكيّة المسيحية؟

ميشال سبع: الأنطاكيّة المسيحية هي أنطاكيّة الفكر السوري الحقيقي والمنتشر منذ تتابع البابلية والآشورية والكنعانية وصولاً إلى الآراميين والفينيقيين وكل هذه الفروع.

غسان الشامي: أنطاكيا مدرسة في اللاهوت وخرّجت مثلاً الذهبي النطق أو كما يقولون الذهبي الفم، هل حصل في هذه المدينة تزاوج ما بين مدرسة الإسكندرية وأنطاكيا وبينزطة؟ وهل تعتبرون أن بيزنطة مدرسة لنفسها لحقت بها أنطاكيا أم أن أنطاكيا قد أثّرت في بيزنطة؟  

ميشال سبع: يا سيدي أنا أعتقد أن أنطاكيا من أكبر المدارس الفكرية التي كانت موجودة ولكن طبيعة أنطاكيا المفتوحة على كل ما حولها، أنطاكيا كانت مدينة تجارية عامرة، كانت مدينة مفتوحة للقوافل وللمدن ولكل الأمصار فكان من الطبيعي أن يتأثروا بها. يمكن القول أن أنطاكيا تقابلها مدرسة الإسكندرية ولكن لا يمكن المقارنة أبداً بينها وبين بيزنطة، بيزنطة لم تؤثر على أنطاكيا إنما لاحقاً إدارياً نعم.

غسان الشامي: والموسيقى التي يقال أنها بيزنطية هل هي بيزنطية حقّة صافية أم أنها موسيقى خرجت من الأنطاكية؟

ميشال سبع: لا يمكن القول إنها يونانية صافية إنما متأثرة بالتراث اليوناني ولكن الغناء والترتيل والإنشاد الكنسي الذي كان في أنطاكيا هو إنشاد الشعوب، إنشاد الناس، الإنشاد البيزنطي أصبح إنشاد النخبة يستند أساساً في جوهره إلى الإنشاد الشعبي ولكن صار في ما بعد برجوازياً، الألحان البيزنطية ليست ألحاناً شعبية في حين أن الألحان السريانية هي ألحان شعبية.

غسان الشامي: هي ألحان الحصّادين.

ميشال سبع: وكل الناس. 

غسان الشامي: التلاميذ كما قلنا دُعوا مسيحيين في أنطاكيا في أعمال الرسل  11:26، قبل أنطاكيا ماذا كانوا؟

ميشال سبع: الرسل؟

غسان الشامي: نعم.

ميشال سبع: كانوا مجموعة من الخائفين، كانوا مجموعة من الهاربين، كانوا مجموعة من الذين اعتبروا أنهم لمسوا شيئاً ولكن هذا الشيء اختفى وظلّوا فترة طويلة لا يستطيعون أن يستوعبوا أن المسيح هذا الذي يعرفونه هو الله، لذلك قبل أنطاكيا كانوا لا شيء، قبل أن يمتزج الفكر أو المفكرون الأنطاكيون بهذا الفكر المسيحي كانت المسيحية لا شيء.

غسان الشامي: هؤلاء يقول الإنجيل أنه أرسلهم السيد المسيح ليبشّروا كل الأمم، هل يمكن لخائف أن يبشّر، أن يكرز، أن يقول البشارة للناس دكتور سبع؟

ميشال سبع: يا سيدي الخائف أمامه طريقان إما ان يختبئ إلى الأبد وإما أن يبرهن للآخرين أنه على حق، البشارة انطلقت من هذا الموقف من أجل إثبات الذات.

غسان الشامي: المطران جورج خضر يقول إن أنطاكيا أطلقت الإنجيل إلى العالم وطبعاً قبله قال البعض بهذا الكلام، كيف أطلقت أنطاكيا الإنجيل إلى العالم؟

ميشال سبع: أولاً الثقافة والحضارة التي كانت في أنطاكيا كان كل الذين حولها يعترفون به ويحترمونه، عندما بدأ الأنطاكيون يتكلّمون عن المسيح بالشكل الذي تكلّموا به صار التأثر به كبيراً وخصوصاً أعود وأقول من خلال القوافل ومن خلال التجّار الذين لعبوا دوراً كبيراً في هذا الموضوع، ولو لم تكن أنطاكيا هي محور حقيقي من محاور الاقتصاد العالمي أو التجارة العالمية في ذاك الوقت لما انتشرت المسيحية بهذا الشكل.  

غسان الشامي: ذكرت حضرتك أن بطرس أنطاكي بهذا المعنى أو الكرسي الأساسي أنطاكي، هل يمكن أن نتوسّع في شرح أنطاكيّة بطرس الرسول أو ماذا أثّرت به أنطاكيا أو ماذا حمل معه من أنطاكيا إلى الأمم؟   

ميشال سبع: بطرس إنسان ليس عنده فلسفة وليس عنده خلفية فكرية كبيرة، هو إنسان بسيط، ذهب إلى أنطاكيا وصار يتكلم مع الناس باللغة البسيطة وباللهجة البسيطة فأحبّوه وأصبح زعيماً عليهم، أصبح أسقفاً حقيقياً وخليفة مسيحٍ حقيقي بين الناس، واستطاع أن يشعر هو بذلك ويشعرون هم أيضاً من خلال بطرس بذلك، ولكن عندما قُتل بطرس أو استُشهد في روما حاولت روما أن تأخذ هذا الاستشهاد كحجّة دامغة على أساس أنه موجود عِلماً أن بطرس وبولس أيضاً قُتلا في روما. هل حياة الإنسان الذي بشّر بالمسيح له مكان في كرسي أكثر أم الذي مات واستشهد في مكان آخر له أكثر؟ الإنجيل هل كان إنجيل شخص يموت أم إنجيل شخص حي يبشّر ويعيش ما شاهده وما رآه وما سمعه؟  

غسان الشامي: معنى ذلك أنك ترى أن المسيحية لا تحتاج إلى مكان ما ليكون مركزاً لها.

ميشال سبع: روما ليست مركز المسيحية بل هي مركز الملَكية المسيحية، الامبراطورية المسيحية، الكنيسة المسيحية ولكن ليست مكان المؤمنين المسيحيين الذين بدأوا في أنطاكيا واستشهدوا في أنطاكيا وانتشرت المسيحية في بلاد الشام، انتشرت بين الناس أما هناك فكان هناك مبشرّون وواعظون وأشخاص يتكلّمون بلغة المنطق والعقل والحكمة والفكر. المسيحية الفكر هناك هي مسيحية الطبقة الأرستقراطية والبرجوازية، المسيحية الشعبية، المسيح الذي أتى للناس البسطاء تجدها في أنطاكيا.  

غسان الشامي: قبل أن أسألك عن بولس هل هناك لاهوت أنطاكي في المسيحية الأولى؟

ميشال سبع: بلا شك.    

غسان الشامي: مواصفاته؟

ميشال سبع: كنا نتكلم عن الآريوسية والنسطورية عندما بدأت في مناطق أنطاكيا.

غسان الشامي: الآريوسية قادمة مع آريوس من ليبيا ومن ثم إلى مصر.

ميشال سبع: ولكن عملياً المدرسة الأنطاكية هي التي استوعبت هذا الموضوع وهي التي ناقشت فيه لماذا؟ لأنهم كانوا يعتبرون أن القضية بسيطة، على المنطق الطبيعي بسيطة لا تحتاج إلى تأويل كبير إما أن يكون هذا وإما أن يكون ذاك. المشكلة الأساسية اللاهوتية يا أستاذي أين تكمن؟ أن على أنطاكيا أن تعترف بأولوية روما، هذه كانت المشكلة الأساسية وإن لم تكن هناك أولوية لما كانت هناك مشكلة، وعملياً وتاريخياً لا أحد يستطيع أن ينكر أن أولى الكنائس هي أورشيلم.

غسان الشامي: مع أن البطريركية الأورشليمية جاءت بعد مجمع خلقيدونية.    

ميشال سبع: صحيح ولكن واقعياً وتاريخياً مَن أسّس الكنيسة الأولى؟

غسان الشامي: يعقوب.   

ميشال سبع: عملياً أورشليم هي الأساس في الموضوع ثم أنطاكيا على المستوى الشعبي والوطني، هي الأولى على مستوى المؤمنين وعلى مستوى الشعب، كانت أنطاكيا هي أولاً ثم الإسكندرية ثم بعد ذلك روما ومذ ذاك القسطنطينية.  

غسان الشامي: علاقة بولس الرسول بأنطاكيا دكتور سبع؟

ميشال سبع: علاقة بولس هي علاقة كما تعلم حضرتك تحويلية، هذا الإنسان الذي كان يأتي إلى الشام وهو يحمل في ذاته غضباً على المسيحيين على أساس أنهم منحازين ومنحرفين في هذا الموضوع، ولكن عندما شعر بمسيحيّته على طريق الشام أصبحت أنطاكيا بالنسبة إليه هي محور أساسي من محاور التبشير، لذلك كان يرسل الرسائل بشكل أساسي إلى الكنائس في هذه المنطقة وثبّت الكثير من الأشخاص الذين لم يكونوا ثابتين في مسيحيتهم. الفكر البولسي لعب دوراً ولكن بولس هذا الإنسان الذي حاول أن يجمع بين فكره اليوناني أو حكمته أو ثقافته وبين ما تراءى بداخله من المسيح، حاول أن يرى المسيح وكأنه حكيم من حكماء اليونان، لم يكن ازدواجياً ولكنه كان صادقاً مع نفسه.

غسان الشامي: هل هناك محاولة من بولس أن يقول للأمم أن ما جاءت به المسيحية ومن ضمن أنطاكيا لأنه كان مواطناً رومانياً كما تعلم ويعلم الجميع، صحيح أنه يهودي ولكنه مواطن روماني ويحمل الجنسية الرومانية.  

ميشال سبع: استعملها عند الضرورة.

غسان الشامي: أن يوائم بين ما تعتقده الشعوب ما بعد أنطاكيا أي باتجاه الأناضول ومن ثم باتجاه أوروبا بين مسيحية المحبة أو مسيحية الفقراء وما يعيشه الناس في تلك المناطق؟  

ميشال سبع: بولس حرّر المسيح من اليهودية، إذا أردنا أن نأخذ مقارنة بين متّى وبولس نجد أن متّى جعل المسيح في قمقم اليهودية وبولس حرّر المسيح من اليهودية، أعطى المسيح الوجه الإنساني، الوجه الحضاري، الوجه العام الموجود فيه، لذلك أصبح التبشير في زمن بولس حراً أما في زمن بطرس وفي زمن متّى كان التبشير محدوداً ومحصوراً في قوانين الناموس، من هنا تأتي أممية بولس في التبشير.

غسان الشامي: والذهبي الفم الأنطاكي ما دوره من أنطاكيا إلى المسيحية؟   

ميشال سبع: هذا الإنسان أعطى من الثقافة الفكرية لديه انطلاقاً من المفاهيم الشعبية وانطلاقاً من البعد الروحي للأنطاكيين، أعطى الكثير من الوجدانيات، لنقل أن خطابات يوحنا الذهبي الفم صحيح أنها تستند إلى كثير من المنطق ولكن ليس تماماً كتوما الأكويني، هناك فارق كبير، الذهبي الفم تكلم بشيء من المنطق ولكنه كان وجدانياً أي جعل الوجدانية فيه لا تختلف مع العقل ولا تصطدم معه، من هنا كان قبول الناس له كبيراً.  

غسان الشامي: سنذهب إلى فاصل، أعزائي بعد الفاصل نعاود محاورة الدكتور ميشال سبع، موضوعنا أنطاكيا، انتظرونا إذا أحببتم.      

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحيّة لكم مجدداً من أجراس المشرق، دكتور ميشال سبع يقول ياقوت الحموي "كان العرب إذا أعجبهم شيئاً نسبوه إلى أنطاكيا"، أولاً ماذا يعني هذا؟ تعرف ياقوت الحموي في وقت متأخر هذا الكلام ولا أعتقد أن أنطاكيا كانت بتلك العظمة الكبرى التي سمعنا عنها، هل كان لأنطاكيا تأثير على العرب أو على جزيرة العرب؟

ميشال سبع: إذا كنا نعتبر وهذا واقع تاريخي أن أنطاكيا كانت النقطة الأساسية في تقاطع القوافل الآتية من الهند ومن بلاد فارس ومن البلاد العربية، فمن الطبيعي أن العرب عندما كانوا ينتقلون من الواحات إذا كان هناك واحات في الصحراء إلى مدينة مثل أنطاكيا كانوا كأنهم يدخلون إلى السماء، كانت بالنسبة إليهم كل ما يحلم به العرب، لذلك من الطبيعي جداً أن يكون عندهم هذا الشعور.   

غسان الشامي: يقولون إن أصحاب القرية في الإسلام هم أيضاً أنطاكيون ومكانهم في أنطاكيا، ما علاقة أنطاكيا بالمسلمين وما علاقة المسلمين بأنطاكيا؟ هل هي علاقة من بداية مجيئهم إلى أنطاكيا وكيف تطوّرت؟

ميشال سبع: أولاً نحن نعلم أن النبي عندما تعرّف بزوجته الأولى وأرادت أن تتزوّجه إنما كان في تجارة نحو الشام وبالتالي كان في حدود أنطاكيا.

غسان الشامي: ولكن إلى دمشق.

ميشال سبع: نعم ولكن على حدود أنطاكيا، عملياً أنطاكيا كانت ممتدة وهي لم تكن محصورة في مناطق محدّدة، قد لا تصل مباشرة إلى دمشق ولكنها كانت متوسّعة  حتى أنه وصلت حدود أنطاكيا في بعض الأحيان إلى مشارف الهند في بعض الجغرافيات القديمة، ولكن التأثير الكبير الذي نعرفه هو أن رؤية المسلمين والمقولة الدينية الإسلامية عن المسيح هي تماماً كما نطق به أصحاب الفكر المنطقي الطبيعي في قضية المسيح أنه شُبّه به، لا يمكن للإله أن يموت وهذا هو التأثير الأساسي للأنطاكيين.    

غسان الشامي: والصوفية؟ هناك يُلاحظ من النسّاك الذين كانوا في الأنطاكيّة، صحيح أنها بدأت في طورعبدين وفي شرق سوريا ولكن الأنطاكيّة كانت معقلاً  للنسّاك وأغلب الموجودين حول أنطاكيا كانوا نسّاكاً، هل الصوفية نتاج أنطاكي؟

ميشال سبع: بلا شك إن الفكر السوري القديم الذي كان متأثراً بالفارسية وبالهندية، كان هناك بعد كبير في التأمّل، ويمكن القول أنه بعد القرن الرابع تحديداً أي بعد مجمع أنطاكيا صار هناك نزعة كبيرة عند بعض المؤمنين بالمسيح البسيط الطيب الإنساني، نزعة ضد التسلّط وضد الملوكية التي جرت في روما فأرادوا أن ينسحبوا بكل بساطة من المؤسّسة التي بدأت تشتد وتقوى في أنطاكيا فكانت ردة فعلهم هي هذه الانعزالية، ليس الانعزالية السياسية بل الانعزالية الإنسانية الروحانية خارج المدن، خارج الإطار المدني حتى يتواصلوا مع هذا المسيح الذي عرفوه إلهاً.

غسان الشامي: هناك كما أسلفنا في المقدمة خمس بطاركة يحملون إسم أنطاكيا ولكن لا يسكنونها، أصبح بطاركة أنطاكيا أغلبيتهم موجودين في دمشق وفي بيروت، هل بقيت أنطاكيا عذراً على التعبير الذي قد يكون قاسياً مجرّد وشم في الذاكرة المسيحية؟

ميشال سبع: يا سيدي أنا قلت كما تذكر في بداية الحديث أن أنطاكيا لسوريا كفلسطين لسوريا، لقد استطاع الاستعمار الفرنسي والتركي أن يسلب أنطاكيا من سوريا، من أجمل مناطقها وأكثرها حضارة وتاريخاً، وكان الاستعمار التركي هو السبب الأساسي في نقل الكراسي الأنطاكيّة إلى دمشق.

غسان الشامي: ولكن الروم الأورثوذكس انتقلوا في 1324 أو 1326.

ميشال سبع: يا سيدي كان هناك صِدام مع الأتراك، لم يستطع الأتراك أن يفهموا أو يقبلوا بهذا الموضوع إلا نتيجة التدخلات الأجنبية في ما بعد خصوصاً الروس والإنكليز في أن يسمحوا للأورثوذكس ، وهنا تعرف أن البطريرك الأورثوذكسي كان مسؤولاً عن كل البطاركة الآخرين، كانوا يتعاملون مع شخص واحد، لماذا هو أورثوذكسي؟ لأن الروس كانوا هم الأقوى والأقرب إليهم. اليوم في وجدان البطاركة نعم أنطاكيا حاضرة وهم يتألّمون في هذا الموضوع ولكن أن تقول لي المسيحيين في أنطاكيا كيف هم في علاقاتهم مع البطاركة؟ مع الأسف أصبحوا شبه منقرضين، المسيحيون في أنطاكيا هم أقليّة ضعيفة جداً، كما كان يقول البطريرك لحّام عندما كان يبكي ويقول "لم يعد عندي من المسيحيين في القدس أكثر من 300 بيت، أين هي الرعيّة الكبرى في فلسطين، في القدس خصوصاً"؟ وكذلك اليوم إذا بكى بطريرك السريان الأورثوذكس على مسيحيّيه في أنطاكيا فسيقول نفس الكلام.

غسان الشامي: أيضاً للتذكير المطران المخطوف بولس يازجي دفع ثمن زيارته لمَن تبقّى من رعيّته في أنطاكيا، كيف برأيك يمكن إبقاء الجذوة الأنطاكية في الذاكرة المسيحية؟ كيف يمكن إعادة المجد الفكري واللاهوتي الأنطاكي على الأقل لدى المسيحيين؟

ميشال سبع: هناك كما يقال ميراث، كان يمكن لميراث أنطاكيا أن تعود إلى جذورها، إلى واقعها الجغرافي القديم وهو سوريا، كان هذا هو المهد الطبيعي وكان هناك حركة فكرية جيدة في سوريا، وعندما أرادوا وهذا برأيي إرادة قد تكون عالمية، قد تكون صهيونية وهذا هو الأرجح إخماد كل فكر حضاري له جذور يجب هدمه، واليوم أقول أنه أصبح من الصعب أنه أين يمكن أن يكون هناك الإرث الأنطاكي؟ في أية منطقة؟ لأن المناطق الأخرى مُليْتَنة، إذا سألتني عن لبنان أقول لك أنه مُليْتن. 

غسان الشامي: ولكن يجب أن يعود سريانياً تحديداً عند الموارنة، الآن نسمع جميعاً في القداديس عودة للألحان السريانية.

ميشال سبع: عودة للألحان والكلمات السريانية، هذا حنين وليس حضارة، إن أردنا أن نكون واقعيين وحضاريين فلنقُل أن مسيحيّتنا أنطاكية ومرجعيتنا أنطاكية وليست روميّة.

غسان الشامي: هذا هو القول الفصل بالنسبة لك.   

ميشال سبع: طبعاً.

غسان الشامي: أنت تعلم أن هذه المدينة تحوّلت في بدايات القرن إلى قرية بائسة، الآن تعود وما يزال الكثيرون هناك كما نعلم وكما رأينا يتكلّمون بلغتهم العربية، بماذا قصّرت الكنائس تجاه أنطاكيا؟

ميشال سبع: عندما التحقت الكنائس بروما خلعت عنها ثوبها الحضاري والفكري وأرادت أن تكون مثل أبناء صغار مع أمّ كبيرة. اليوم أي بطريرك كاثوليكي سرياني أو أرمني أو روم كاثوليك عندما يذهب إلى روما لا تقبل روما أن يقول لها أنا أخت لكِ، يجب أن يقول أنا إبنة لكِ. الأورثوذكس من هذا المنطلق يختلفون مع الكاثوليك التابعين لروما، في هذه النقطة هم يقولون نحن إخوة، كنائس إخوة وليست هناك كنيسة أم ونحن أبناء تابعون لها، فعندما يتبع البطاركة عندنا روما كأبناء لأمّ يرضعون منها فكراً وثقافة ومالاً وجاهاً وسلطاناً فلا يمكن لهم أن يفرضوا حقيقة واقعهم الحضاري. 

غسان الشامي: أريد أن أنوّه أن حضرتك كاثوليكي كي لا يفكّرون أنها تتحدث في هذا الموضوع من غرض مذهبي آخر، ولكن ألا يمكن إعادة المخاض والنار إلى اللاهوت الأنطاكي الأول أو استخلاص لاهوت جديد منه؟

ميشال سبع: عندما حاول بعض اللاهوتيين أو بعض المفكّرين حتى لا أقول لاهوتيين لأن هناك بعض اللاهوتيين المسؤولين عن المؤسّسات اللاهوتية والجامعات يقولون أنهم هم فقط يفهمون باللاهوت وأن البقية لا يفهمون باللاهوت، شذرات لاهوتية، لا نقول لاهوتيين. عندما أراد أحدهم أن يتكلم عن المسيح الذي هو فهمه كأنطاكي مشرقي ماذا قال؟ قال "حرِّروا المسيح من الكنيسة، حرِّروا المسيح من التعليم، حرّروه، اجعلوه كما أراد هو أن يتحرّر من الناموس، أراد أن يتحرّر من الحرف ماذا فعلوا به؟ أنت تعلم أكثر من غيرك، ماذا فعلوا بغريغوار حداد؟ لا يريدون لك أن تعود إلى جذورك لئلا يفقدوا السيطرة عليك.  

غسان الشامي: حتى المطران كبوجي قيّدوه.

ميشال سبع: طبعاً، اليوم بكل بساطة نقول نحن مسيحيون في كنيسة ولسنا مسيحيين للمسيح، نحن بحاجة، وكما قال أحد شعراء المهجر "إذا تتبّعت الدين الصحيح ما وجدت مسيحياً غير المسيح"، هذه كلمة مؤلمة ولكن..  

غسان الشامي: ولكن هذا كثير. المسيحيون المشرقيون ماذا يجب أن يفعلوا من أجل أنطاكيا؟ لنبتعد عن الكنائس، الناس، المسيحيون المشرقيون يقولون إنهم أنطاكيون مشرقيون، كنيسة أنطاكيا وسائر المشرق، ماذا يجب أن يفعلوا؟   

ميشال سبع: أولاً أن تبدأ النخب الواعية والمستنيرة منهم كما تفضّلت المتنوّرين أن يبدأوا بالتفكير كيف يمكنهم أن يعيشوا المسيح كما يشعرون به، وبالتالي لا يقولون أننا نريد أن نحاور، عذراً عندما تقولون أن هناك حواراً مسيحياً إسلامياً أنا أجد في هذا نفاقاً، نحن لا نريد أن نحاور كدين، كأشخاص متدينين، أنا لست مسيحياً كدين، أنا مؤمن بالمسيح وأعيش المسيح وبالتالي لا يمكنني إلا أن أحب، أنا لا أحاور بالمحبة، المحبة هي عيش حقيقي، لذلك نحن نريد أن نعود إلى مشرقيتنا.

غسان الشامي: رغم كل باعك الطويل في الحوار تقول هذا، إذاً إذا لم يكن هناك حوار ماذا يمكن أن يحصل؟

ميشال سبع: المحبة، نتحابب، سأسألك سؤالاً هل التاجر المسلم الذي يتعامل مع التاجر المسيحي يحاوره في دينه؟ الموظف المسيحي الذي يعمل في مؤسّسة إسلامية أو المسلم الذي يعمل في مؤسّسة مسيحية هل يتحاورون؟ يعيشون بكل بساطة، الحياة المشتركة إذا أسقطتَ منها هذه المحاورات تكون أسهل وأبسط، برأيي هذا هو جوهر الكنيسة الأنطاكية، العيش المشترك والحياة المشتركة والمحبة المشتركة.

غسان الشامي: أعود إلى التلاميذ لأدخل منه في موضوع كتبتَ فيه مؤخراً، كما أسلفنا سُمّوا مسيحيين في أنطاكيا، هذه التسمية الجديدة وأنت تعلم قبلها كان يُقال نصارى، ناصريون، جليليون ولكن صاروا مسيحيين، صاروا تابعين للمسيح مباشرة، هذا يحرّر من الأبوّة الإبراهيمية، إنه كما أسلفنا دين جديد، لماذا هناك عودة حالياً إلى مفهوم الديانات الإبراهيمية؟

ميشال سبع: يا سيدي وبكل حزن أقول كما أشعر أن هذه هي الدعوة اليهودية الصهيونية الحديثة، عندما يقولون الديانات الإبراهيمية وكأننا نحن خرجنا من إبراهيم، طبعاً اللاهوتيون يقولون دائماً أن إبراهيم هو أبو المؤمنين في الإسلام وفي المسيحية.    

غسان الشامي: وفي اليهودية؟

ميشال سبع: طبعاً في اليهودية إبراهيم ولكن عندما تكون أنت منتمٍ إلى أب يجب أن تفتخر به، هل يفتخر أحد بأب سكّير، زنديق، سارق، يريد أن يكون أباه كما يشتهي، لنأخذ الكتاب الذي تكلّم عن إبراهيم، كتاب اليهود وإبراهيم أبو اليهود لنرى الكتاب ماذا يقول عنه، هو هارب من العراق وبعضهم يقول من أور سوريا وليس من أور العراق فليكن هرباً من مدينته، وأتى إلى فلسطين التي لم يحبّها يوماً لدرجة أنه لم يرد أن يزوّج إبنه لفلسطينية، قال له اذهب إلى أخوالك وائتِ بعروس، لم يكن صادقاً مع أبي مالك الذي استضافه، هجم عليه وأراد قتله، باع زوجته مرتين.

غسان الشامي: لأوريا الحثّي؟

ميشال سبع: للفراعنة في المرة الأولى ثم إضافة إلى ذلك هذا الرجل الذي رمى بكوريّته إسماعيل وهو إبنه البكر مع أمّه في الصحراء ليموت ومن ثم أراد أن يتماثل ببعض الفئات التي كانت موجودة عند الكنعانيين والتي كانت منبوذة من المجتمع الكنعاني في ذبح الإبن من أجل ألا يأخذ مكانه، هذا الرجل الذي يملك كل هذه الصفات والذي عندما أتى إلى فلسطين في المرحلة الأولى وأقول دائماً كل هذا الكلام هو في كتاب العهد العتيق، كتاب اليهود الذي يريد بعض المسيحيين أن يقولوا بأنه الكتاب المقدّس، أنا لا أجد فيه شيئاً من القدسية، وضع حجرين وجلس متعبداً لهما كما كان يفعل كل الذين كانوا يعبدون عشتار، هذا الشخص الذي تذبذب في كل ما جرى وأراد أن يكون زعيماً ورئيس القبيلة هل هذا يستحق أن يكون المصدر الأساسي للديانة أو للإيمان أو للمؤمنين؟   

غسان الشامي: يمكن أن يكون مصدراً لليهودية، لماذا سألتُكَ، هناك مسيح جديد، ديانة مسيحية، لماذا يقال مثلاً ديانات إبراهيمية ولا يؤخذ تعبير ديانات توحيدية بهذا المعنى؟  

ميشال سبع: لأن متّى ضبط المسيح في الأنبياء وأنا أقول أن النبي أشعيا الذي اعتمد عليه متّى لإثبات ألوهية المسيح، أشعيا نفسه عن مَن قال أنه المسيح الذي يخلّص شعبه؟ عن القائد الفارسي الذي أعاد قورش، الذي أعاد اليهود بعد السبي، قال عنه هذا هو المسيح المنتظر. إذا ربطنا المسيح في الأحداث التاريخية التي اعتمد عليها متّى في كل ما جرى من العهد القديم أعتقد أننا نصبح عبيداً لليهود.

غسان الشامي: هل هناك نسق سياسي يحاول فرض هذا الذي تقوله؟ 

ميشال سبع: عندما تكلّمت عن قضية إبراهيم أتت المشكلة عند بعض الأشخاص الذين أحترم ثقافتهم أنه ما دام أتى في القرآن أن إبراهيم إنسان صالح وأنه كذا فلا يجب أن نقول عنه هذه الأشياء، نحن لا نشتم هذا الرجل، نحن نقوله كتابه ماذا يقول عنه، هكذا يقول. خذ استناداً أو قياساً عندما يقول متّى في نسب المسيح أنه ينتسب إلى سليمان ابن داوود أليس كذلك؟ أنا أريد أن أقف عند هذه الكلمة، سليمان هذا ابن داوود من مَن؟ متّى يقول أن سليمان من زوجة أوريا الحثّي، هذا الرجل داوود الذي فعل ما فعل من الموبقات وابنه سليمان فعل أكثر منه، وهذا الذي كان عنده الكثير من النساء وعندما اشتهى امرأة أوريا الحثّي قتله من أجل يأخذ زوجته، هذه المفارقة، ليست القضية قضية أخلاقية عظيمة، هذا يحصل في الحروب لكن هل هذا ما نفتخر به ونريد أن نلصق المسيح بنسبه؟ أنا أقول أننا في المسيحية ليس عندنا كتاب مقدس، لا يمكن أن يكون عندنا كتاب مقدس، عندنا الإنسان هو المقدس لأن المسيح لم يأتِ من أجل تحقيق نبوّة كما يقول متّى، جاء من أجل خلاص الإنسان، كل إنسان وبالتالي الإنسان هو المقدس. نحن لا نعتبر أن هذا المكان مقدس إذا كان مكرّساً كنيسة أو غير كنيسة، إذا كان فيه إنسان فهو مقدس، المسيح لا يسكن في الحجر بل يسكن البشر، الله بمفهومنا لم يخلق حجراً بل خلق بشراً، من هذه المنطلقات أقول أن إبراهيم قد يكون أسّس ديناً اسمه اليهودية على الرغم من أن اليهود لا ينتمون إلى إبراهيم بل ينتمون إلى يهوذا كما تعلم بعد السبي ولا علاقة لهم بالموضوع بتاتاً، مع ذلك لنفترض كما يريدون أن يقولوا ولكن أن يكون المسيح ينتمي إلى إبراهيم فهذا قول مردود مرفوض.    

غسان الشامي: هذا قول مردود مرفوض ولكنه موجود في كل كنائس المشرق والعالم، كيف يمكن أن نصل من الأنطاكية إلى مسيحية معاصرة لها علاقة بالإنسان الذي كما قلت أن الله قد بعث برسائله من أجله أي يسكن فيه، كيف؟ 

ميشال سبع: عندما ننطلق من منطلق بسيط، تاريخياً وُلد المسيح في بلد حضاري اسمه فلسطين وفي قرية أساس من الحضارة الرومانية التي جرى فيها الاكتتاب، لا يمكن أن يجري الاكتتاب في قرية منسيّة، في مدينة معروفة ومهمّة للرومان ليكون فيها الاكتتاب وهي بيت لحم، انطلق من قضية حضارية، من مكان حضاري وليس من مكان بدوي، من المكان الذي كان فيه العبرانيون يهربون ويهجمون ويقتلون ويسرقون، انطلق من مكان حضاري، وعندما تكون أنطاكيا هذه البؤرة الحضارية الكبيرة التي بدأت فيها المسيحية الموجودة، معنى ذلك أن المسيح عاد إلى حظيرته التي هي الحضارة، الحضارة المشرقية، الحضارة الكنعانية أي الحضارة الحقيقية في أنطاكيا. عندما نبدأ من هنا ونحرّر المسيح من الملوكية الكاذبة، تصوّر أنا أجدها شتيمة عندما نقول المسيح ملك الملوك، شتيمة لأن هذه كانت تسمية سليمان.

غسان الشامي: انتهى وقتي للأسف. أعزائي ليس بالتذكار وحده يحيا الإنسان لأن إنعاش الذاكرة يحتاج إلى إحياء ما نتذكره، لذلك يتوجب إحياء قِيَم أنطاكيا والحضور فيها والمطالبة بحقوق الكنائس والناس. شكراً للدكتور ميشال سبع على حضوره، لزملائي في أجراس المشرق على جهدهم، ولا تنسوا أن أنطاكيا رمز وقيمة، سلام عليكم وسلام لكم، شكراً.