أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

فراس السواح - باحث ومفكر في الميثولوجيا وتاريخ الأديان

المحور الأول

المحاور: مساء الخير.
عندما يغامر العقل سعيا وراء المعرفة وتنجلي أمامه صفحات مضيئة من الكون، يتبدّى التاريخ وقتها نورا يكشح غبار تراكم السنين. فراس السوّاح منذ مغامرة العقل الأولى الكتاب التأسيسي وما تبعه وصولا إلى تاريخ أورشليم أسّس لرصانة البحث ولاجتهاد ضمن معطيات الأركيولوجيا وما قدّمه البحّاثة الرصينون. أعتقد أن في أبحاثه، تحديدا في تاريخ الأديان وكتابه الصعب دين الإنسان، مرجعا لمن يريد الغوص في البدايات. لكن في لقائنا هذا سنتناول معه إشكالية أثّرت على حياتنا ومنطقتنا المشرقية والعربية وحتى مسيرتنا الدينية والثقافية، وأعني التاريخ اليهودي انطلاقا من كتابيه آرام دمشق آرام إسرائيل وـتاريخ أورشليم. هل نحن أمام وقائع أو أخيولة؟ هذا ما سنجلوه في حوارنا مع الأستاذ فراس السوّاح، شاكرين له حضوره.
قبل الحوار، صورة شخصية له:

وُلد الباحث والمفكّر السوري فراس السوّاح في حمص عام 1941. وفيها درس ونال الشهادة الثانوية، وحاز البكلوريوس في الاقتصاد من جامعة دمشق عام 1965.
استهوته الميثولوجيا وتاريخ الأديان باكرا، فكتب في الصحف والمجلات السورية منذ عام 1958. ونشر أبحاثه الأولى في "الآداب" اللبنانية عام 1960.
عمل في مركز تطوير الإدارة التابع لمنظمة العمل الدولية بدمشق بين عامَي 1969 وـ1978. وفي عام 1976 أصدر كتابه التأسيسي والرصين مغامرة العقل الأولى. ثم عمل في شركة نفط في أبو ظبي بين عامَي 1979 وـ1986. وأصدر عام 1985 كتابه الشهير لغز عشتار: الألوهة المؤنّثة وـأصل الدين والأسطورة.
وتفرّغ لدراسة التاريخ والميثولوجيا وتاريخ الأديان بشكل مستقل، فصدرت كتبه تباعا: كنوز الأعماق،
قراءة في ملحمة جلجامش، الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم، دين الإنسان، آرام دمشق وإسرائيل، الأسطورة والمعنى، دراسات في الميثولوجيا والديانات المشرقية، كتاب التاو وإنجيل الحكمة التاويّة،
الرحمن والشيطان، تاريخ أورشليم، مدخل إلى نصوص الشرق القديم، موسوعة تاريخ الأديان في خمسة أجزاء، الوجه الآخر للمسيح، الإنجيل برواية القرآن، طريق إخوان الصفاء، ألغاز الإنجيل،
القَصَص القرآني ومتوازياته التوراتية. له كتابان قيد التأليف: حفريات في التوراة وعبادة الأحجار عند الساميّين، وـأصل حجر مكة، ومشروعا كتابين: تاريخ فكرة الله، وـأحاجي القرآن.
ساهم في مؤلَّفَين بالإنجليزية صدرا في بريطانيا: أولهما: أورشليم بين التوراة والتاريخ، حرّره الباحث الأميركي في جامعة كوبنهاغن توماس أل تومبسون. والثاني: جدليات تاريخ إسرائيل القديمة وبناء الدولة في فلسطين، حرّره الباحث الإنجليزي كاث وتكن.
أصدر في بيكين بالتعاون مع الباحث الدكتور تشاو تشينغ كو كتابا باللغة الصينية والعربية عن الحكيم الصيني لاوتسو.
يعمل حاليا أستاذا في تاريخ أديان الشرق الأوسط في جامعة بيكين للدراسات الأجنبية.
كرّمه الحزب الشيوعي السوري والحزب السوري القومي الاجتماعي والجمعية التاريخية السورية وأمانة عمّان.

المحاور: أهلا بكم.

أهلا بك أستاذ فراس سوّاح.
سوّاح: أهلا بك، غسان.
المحاور: في بيروت بعد عام في الصين.
سأبدأ معك منذ البدايات، منذ تنقيب عالمة الآثار البريطانية كاتلين كينون أواسط الستينيات من القرن الماضي طبعا، وتأسيسا على قول تومبسون إن المعلومات الأثرية الجديدة باتت تمكّن من صوغ تاريخ مستقل لإسرائيل عن البحث التوراتي. ما هو هذا التاريخ؟ كيف يستقل عن البحث التوراتي؟
سوّاح: كاثلين كينيون نقّبت في فلسطين مطوَّلا وفي عدة مواقع. لكن تنقيبات كينيون الآن أصبحت معلوماتها قديمة جدا. كينيون تتّبع الأسلوب القديم في التنقيب الأثري. الأسلوب القديم يختار موقعا من هذه المواقع وينقّب فيه. منذ أواخر السبعينيات ابتكر علماء الآثار الإسرائيليون أسلوبا جديدا في التنقيب ندعوه أسلوب بحث المسح الميداني. والمسح الميداني الذي قام به علماء الآثار الإسرائيليون هو الذي أعطانا المعلومات الجديدة التي قلبت كل البحث في تاريخ إسرائيل القديمة. المسح الميداني هو أن تُمسَح الأرض مترا مترا مترا مترا، مترا بعد متر بعد متر، فريق كامل من البحّاثة في كل الاختصاصات. جرى هذا في أواخر السبعينيات وأواخر الثمانينيات. وخرج علينا هؤلاء المنقّبون الإسرائيليون بمجموعة من المعلومات التي جبّت ما قبلها على الإطلاق.
المحاور: بمعنى أنها ألغته.
سوّاح: ألغته. ألغت ما قبلها. ليس كله، بل جعلتنا ننظر إلى تاريخ فلسطين، ولا سيما تاريخ إسرائيل ويهوذا، السامرة ويهوذا، من منظار جديد. علماء الآثار الإسرائيليون هم الذين فصلوا بين تاريخ إسرائيل ويهوذا وـكتاب التوراة. لم نفعل نحن العرب ذلك.
المحاور: هذا يعني بطريقة أو بأخرى أن الأبحاث التوراتية على وفرتها باتت غير ذات فائدة؟ أين وصل إذاً البحث التوراتي حاليا؟
سوّاح: التوراة ليس كتابا يُعتمَد عليه في تاريخ فلسطين وتاريخ إسرائيل ويهوذا وفي تاريخ اليهود أيضا. الأركيولوجي الإسرائيلي إسرائيل فنكلشتاين أصدر في آخر الثمانينيات، بالضبط عام 1988 كتابه
أركيولوجيا المواقع الإسرائيلية. لخّصت هذه كل ما قام به علماء الآثار الإسرائيليون خلال أكثر من عقد من الزمن، وأعطانا معلومات في غاية الأهمية وفي غاية الدقّة والعلمية. وهؤلاء الباحثون الإسرائيليون هم أبناء المنهج العلمي الغربي؛ هناك جيل من علماء الآثار الإسرائيليين القدماء مثل إيغال أيالون وغيره متأثّر بالتوراة. الجيل الجديد من علماء الآثار الإسرائيليين يبحث بموضوعية وعلمية. وما قدّموه لنا أحدث ثورة. نحن الآن نعرف مثلا أنه من المستحيل أن تكون مملكة يهوذا موجودة في القرن العاشر قبل الميلاد. من المستحيل.
المحاور: في أي قرن كانت؟
سوّاح: لماذا؟
المحاور: نعم، تفضّل.
سوّاح: لأن منطقة يهوذا، كما كشف لنا علماء الآثار الإسرائيليون، كانت خالية من السكان. وكانت مدينة أورشليم إمّا مدينة مهجورة غير مسكونة أو كانت أشبه بالقرية الصغيرة. فمن المستحيل أن تنشأ مملكة داود وسليمان في منطقة يهوذا وتمتد إلى منطقة السامرة في ما دُعي بالمملكة الموحَّدة من دون قاعدة سكّانيّة، من دون عاصمة. إسرائيل فنكلشتاين في كتاب آخر له اسمه The Bible Unearthed، عندما أتى إلى دراسة مسألة المملكة الموحَّدة، مملكة داود وسليمان في القرن العاشر، انتهى إلى القول: "إن روحي الرومنطيقية يصعب عليها تقبّل ما وجدناه. فليسامحني الملك سليمان لأني لم أعثر عليه".
المحاور: هذا الكلام إذا كان من إسرائيليين فهو خطير.
سوّاح: طبعا. عندما أتى إلى موضوع مملكة إسرائيل، ونحن الآن في القرن العاشر، هناك مملكة موحَّدة، أول ملوكها شاول ثم داود ثم سليمان، جمعت القبائل الإسرائيلية الاثنتي عشرة.
المحاور: الأسباط.
سوّاح: الأسباط الاثنا عشر، الشمال والجنوب، قبائل إسرائيل وقبائل يهوذا، قبائل إسرائيل العشر ويهوذا وبنيامين، في مملكة موحّدة عاصمتها أورشليم. اتّخذ داود من أورشليم عاصمة له، ثم ابنه سليمان الذي كان أعظم ملوك الأرض كما تقول التوراة. وكان كل ملوك الأرض يلتمسون وجه سليمان ويأتون إليه بالهدايا، وتعاظَم في المُلْك وبنى وإلى آخره.
المحاور: وأحضر خشب الأرز.
سوّاح: وأحضر خشب الأرز.
المحاور: وتزوّج مَن شاء.
سوّاح: هم يقولون لنا الآن.. أنا في كتابي الأول عن تاريخ فلسطين الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم لم تكن موجودة لدينا هذه المعلومات. حين ألّفت الكتاب سنة 1978 كانت مراجعي من السبعينيات، آخرها كاثلين كينيون وتلك الحقبة. لذلك في كتابي الأول عن تاريخ فلسطين لم أنفِ وجود هيكل سليمان.
المحاور: ولكن في ما بعد...
سوّاح: لم أنفِ وجود الهيكل. قلت إنه من الممكن أن يكون قد وُجد. فإذا كان من الممكن أن يكون قد وُجد، فإنه في هذا الموقع بالذات؛ لأن الأماكن المقدّسة لا تغيّر مواضعها. المكان المقدّس يبقى مقدّسا.
المحاور: بتراكم السنين والتاريخ.
سوّاح: لكن بعد ذلك في كتابي آرام دمشق وإسرائيل، وفي كتابي الذي تجاوزته أيضا من حيث المعلومات الجديدة إذ إنني كنت أتابع دائما نتائج التنقيب الأثري والتقارير الأثرية والمجلات المتخصصة والمؤلفات: سليمان غير موجود، داود غير موجود، هيكل سليمان غير موجود.
المحاور: سنأتي إليه.
سوّاح: هناك فرق بين هيكل سليمان وهيكل أورشليم والهيكل الأخير.
المحاور: سنأتي إليه. ولكن أريد أن أسألك: إذاً كيف كتب كهنة يهوذا العائدون من السبي البابلي أسفارهم؟ على ماذا اعتمدوا؟
سوّاح: هنا يجب أن نميّز، كما يميّز الجميع الآن، حتى اليهود الذين يؤلّفون الآن في تاريخ اليهود. إذا أمسكتَ الآن كتابا علميا رصينا في التاريخ اليهودي أو في تاريخ فلسطين من الكتب الحديثة أو لدى المنقّبين الإسرائيليين، هناك تقسيم: الحقبة الأولى يدعونها التاريخ الإسرائيلي. والحقبة الثانية يدعونها التاريخ اليهودي. في ذهن الباحثين القدماء وفي ذهن عامّة المثقّفين أن المملكة الموحّدة ومملكة إسرائيل ويهوذا في ما بعد كانتا على الديانة اليهودية، وأن اليهودية موجودة منذ موسى. وإن موسى الذي تلقّى الشريعة في صحراء سيناء، على جبل سيناء هو المؤسّس الحقيقي لليهودية. لكن ما نعرفه الآن على وجه اليقين هو أن مملكتَي إسرائيل ويهوذا ومن قبلهما وما قبلهما لم يكن على الديانة اليهودية. الديانة اليهودية ديانة حديثة نسبيا وتشكّلت خلال القرن الخامس الميلادي. مملكة إسرائيل أو السامرة الشمالية انتهت عام 721. مملكة يهوذا انتهت بدمار أورشليم عام 587. حتى ذلك الوقت لم تكن تعرف هذه المناطق الدين اليهودي، ولم تكن أسفار التوراة موجودة.
المحاور: هل كانت ديانات كنعانية مثلا؟
سوّاح: طبعا. إسرائيل، مملكة السامرة، ومملكة يهوذا هما مملكتان سوريتان فلسطينيتان كنعانيتان. تاريخ إسرائيل ويهوذا سُرق وجُيّر لحساب التاريخ اليهودي. التاريخ اليهودي ابتدأ مع عودة السبي البابلي.
المحاور: هؤلاء الكهنة الذين كتبوا هذه الأسفار.
سوّاح: طبعا.
المحاور: هل هؤلاء، مثلا، قصّاصون شعبيون؟ هؤلاء الذين كتبوا هذه الأسفار اعتمدوا على هذه السِيَر، هل هم قصّاصون شعبيون؟ ما هي علاقتهم فعليّا بالديانة اليهودية؟ هؤلاء ذهبوا إلى بابل وعادوا ثم كتبوا هذه الأسفار.
سوّاح: سابقا في السامرة وفي يهوذا وفي النقب وربما في سيناء أيضا هناك إله معبود اسمه يهوه؛ خارج كتاب التوراة عثرنا على نقوش تذكر الإله يهوه. وعثرنا في جنوب يهوذا في منطقة عرّاد على المعبد الرئيسي الثاني في يهوذا.
المحاور: لإله يدعى يهوه.
سوّاح: بيت يهوه.
المحاور: بيت يهوه.
سوّاح: هناك نقوش: بيت يهوه.
المحاور: هذه البيت، دائما في الكنعانية هناك بيت، بيت، بيت.
سوّاح: بيت يهوه. البيت أي المعبد.
المحاور: المعبد.
سوّاح: المعبد. معبد كنعاني. ندخل إلى قدس الأقداس. في صدر قاعة قدس الأقداس المَصيبة، النصب الحجري الكنعاني الذي كان يضعه الكنعانيون في مقاماتهم الدينية رمزا للألوهة الخافية. إذاً، كل ما لدينا الآن يدل على أن هذه المناطق التي هي بؤرة ما يدعى بتاريخ إسرائيل أو التاريخ اليهودي لم تكن على الديانة التوراتية.
المحاور: أنت سمّيت شكل ومضمون الكتابة التوراتية بأنه نوع من الجمع التراثي. علامَ اعتمدت في هذه التسمية؟ الجمع التراثي هو نوع من القَصّ الشعبي لعادات وتقاليد وحضارات أخرى لأناس كانوا يعيشون في هذه المنطقة. علامَ اعتمدت في هذه التسمية؟
سوّاح: كل كتاب مقدّس هو كتاب تراثي بشكل أو بآخر؛ يعتمد على قصص وحكايا متداولة ومعروفة.
المحاور: متداولة سابقا؟
سوّاح: سابقا نعم.
المحاور: أي ما قبل هذا الدين.
سوّاح: وصلت إليه، لكنه يعيد تفسيرها. مثلا في القرآن الكريم، لدينا قصص عربية عن عاد وثمود وقوم صالح وإلى آخره وعن هؤلاء العرب البائدة. ولدينا قصص متداولة لدى المسيحيين ولدى اليهود، وردت في كتاب القرآن أيضا. لكن وردت بتفسير جديد وبإلقاء ضوء جديد عليها من منظور روحي وديني وأيديولوجي مختلف. الكتاب المقدّس يعتمد على قصص وحكايا وموروثات. الذين جاؤوا إلى السبي لم يكونوا كل سكان يهوذا. كانوا هم النخبة، وفيهم المثقفون والكهنة واللاويّون والكتبة. وهؤلاء، لكي يُنقِذوا التركة الثقافية لمملكة يهوذا، أخذوا معهم مجموعة من المخطوطات القديمة.
المحاور: مَن هم اليهود إذاً؟
سوّاح: هؤلاء عندما ذهبوا إلى بابل وشعروا بالغربة هناك وراحوا يتذكّرون عظمة أورشليم.. لأنه فعلا أورشليم في القرن السادس وفي القرن السابع كانت عاصمة ميتروبوليتان كبيرة جدا ومهمة. كانت أهم مدينة في فلسطين.
المحاور: من أمّهات المدن.
سوّاح: ومن أمهات المدن في سورية. شلمنصّر الثالث الملك الأشوري حاصرها ولم يقدر على اقتحامها. فقَبِلَ بالجزية وعاد. هؤلاء راحوا يتأملون ويتفكّرون في ما الذي حلّ بهم ولماذا. فتَشَكَّل لديهم بعد ذلك إحساس بأن الإله يهوه تخلّى عنهم لأنهم لم يتوجّهوا إليه بالعبادة وحده. خلال القرن الأخير من حياة أورشليم ظهرت في يهوذا حركة بين النخبة تدعو إلى عبادة يهوه وحده من دون بقية الآلهة. يهوه في اليهوذا والسامرة كان الإله الأعلى، ولكنه لم يكن الإله الوحيد. ولدينا نقوش الآن تثبت بأنه كان متزوجا من الإلهة الكنعانية عشيرة؛ أي أنه حلّ محل الإله الكنعاني إيل. عشيرة كانت زوجة الإله الكنعاني إيل. لكن هذه الحركة، عبادة يهوه وحده، لم تنجح. وكان عدد من الأنبياء في ذلك الوقت قد تبنّى هذه الدعوة. عبادة يهوه وحده لم تنجح.
المحاور: اسمح لي أن نتوقف مع فاصل ثم نعود لمتابعة هذا الكلام الواسع في التاريخ.
أعزائي، اسمحوا لنا أن نتوقف مع فاصل ثم نعود لمتابعة هذا الحوار مع الأستاذ فراس السوّاح. انتظرونا إذا أردتم.


المحور الثاني

المحاور: أهلا بكم من جديد في "أجراس المشرق".
أستاذ فراس سوّاح، سأعود إلى المحور الهام الذي كنا نتكلّم فيه قبل قليل وهو كتبة التوراة من الكهنة ويهوه.
هل هؤلاء الذين سمّيتهم النخبة هم مَن قدّموا لنا هذا النموذج الذي هو الآن بين يدينا من التوراة؟
سوّاح: ابتدأوا به. هم تأمّلوا في سبب خراب يهوذا، سبب الكارثة التي حلّت بهم. فتوصّلوا إلى نتيجة مفادها أنهم لم يكونوا مخلصين للإله يهوه.
المحاور: فعاقبهم.
سوّاح: هذه هي العقوبة. لأنهم يقولون في سفر أشعياء إن الرب قد استخدم نبوخذنصّر لكي يعاقبهم. يريدون أن يعودوا إلى حظيرة يهوه من جديد وأن يعبدوه وحده علّه يخلّصهم. هذه هي الفكرة التي تشكّلت عندهم. وبدأوا يستعيدون أقوال الأنبياء. أنا لا أشكّ بوجود الأنبياء الذين ورد ذكرهم في التوراة: ميخا، أشعياء، وبقية سلسلة هؤلاء الأنبياء الذين لهم أسفار في أسفار الأنبياء. ولكن تمت إعادة تحرير أسفار الأنبياء هذه. أقوال الأنبياء هذه تمت إعادة تحريرها وإعادة كتابتها لكي تتلاءم مع المنظور الأيديولوجي الجديد للكتبة وللربّانيّين الموجودين في بابل. الآن بابل الكلدانية انتهت. دخل الملك الفارسي قورش إلى بابل سنة 539 وأنهى المملكة البابلية الجديدة، المملكة الكلدانية.
المحاور: أي النيوـبابلية.
سوّاح: انتهت. ورث قورش أملاك المملكة البابلية في كل مكان بما فيها بلاد الشام وفلسطين. ونحن لدينا نص مهم لـقورش يقول فيه إنه سوف يعيد كل الشعوب التي هجّرها الأشوريون والبابليون إلى مواقعها.
المحاور: إلى بلدانها.
سوّاح: لأن لدينا نحو مئة نص تهجير أشوري. هناك مئة شعب تم تهجيرهم من مناطق إلى مناطق أخرى، وتم تغيير الخارطة السكّانيّة لمنطقة بلاد الشام. فـقورش عندما سمح بعودة سبي يهوذا، سمح بعودة جميع المسبيّين. فجاءت عودة سبي يهوذا في سياق هذه السياسة الفارسية التي تهدف إلى إعادة الشعوب المسبيّة إلى مناطقها وإعادة إحياء هذه المناطق من جديد لكي تساهم في اقتصاد الإمبراطورية. عاد هؤلاء إلى أورشليم، وكانت مهدّمة. الهيكل أيضا ليس له وجود. بدأوا بإعادة بناء المدينة وإعادة بناء الهيكل. الهيكل اكتمل بناؤه سنة 516 وفق المعلومات التوراتية. وتابع الكتبة والكهنة والربّانيون كتابة الأسفار التوراتية. أعادوا صوغ تاريخ المنطقة القديم وفق منظورهم الأيديولوجي الجديد. فصار كل ما هو قديم يُفهم على ضوء ما هو جديد. هنا نقطة مهمة جدا موجودة في سفرَي عزرا ونحميا، عندما عاد هؤلاء بأفكار جديدة وبمفهوم جديد عن إله جديد.. الإله الذي جاؤوا به اسمه يهوه ولكنه مختلف عن يهوه القديم. هناك نقطة أريد أن أتابعها: مَن بقي في منطقة يهوذا ولم يُسبَ دُعوا شعوب الأرض وهم مختلفون عن القادمين الجدد. فالدفعة الأولى من العائدين التي عادت بعد بيان قورش سنة 539، الدفعة الأولى عادت سنة 538، وتزاوجوا من أهل يهوذا نفسها من أقربائهم، تزاوجوا من شعوب الأرض. فعندما جاءت الدفعة الثالثة حُرم هؤلاء من زوجاتهم وأطفالهم الذين هم من شعوب الأرض. شعوب الأرض ليست لهم علاقة بهؤلاء. صنعوا قطيعة مع السكان.
المحاور: الذين كانوا مقيمين؟
سوّاح: وقطيعة مع التاريخ أيضا. أصبح لهم تاريخ جديد، إثنيّة جديدة لا تقوم على الأرض وإنما تقوم على الأخيولة التاريخية التي ابتكروها.
المحاور: هنا أريد أن أسألك: مَن هم اليهود إذاً؟
سوّاح: اليهود هم العائدون من السبي البابلي الذين سكنوا مقاطعة اليهودية. وفق التنظيم السياسي الفارسي، أُعيد تنظيم فلسطين وسورية بكاملها. فمملكة يهوذا لم تعد قائمة على أرض يهوذا القديمة، وإنما أصبحت جزءا من أرض يهوذا القديمة، الجزء الشمالي منه. الجزء الجنوبي منه ضُمّ إلى مملكة أدوم. هنا تشكّلت اليهودية. عندما أُعيد بناء أورشليم وأُعيد بناء الهيكل وبدأت تأخذ شكلها الأيديولوجيا الدينية الجديدة، سكّان مقاطعة أورشليم التي دُعِيَت بالاسم الآرامي خلال العصر الفارسي، دعيت يِهود. يهود كلمة آرامية مأخوذة من كلمة يهوذا القديمة. فسكان هذه المنطقة الذين امتصّوا هذه الأيديولوجيا الدينية الجديدة هم اليهود. القصة اليهودية التوراتية صادرت تاريخ فلسطين وتاريخ إسرائيل ويهوذا. تاريخ إسرائيل ويهوذا، السامرة موجودة، أورشليم موجودة. هاتان المملكتان مملكتان كنعانيتان فلسطينيتان. وكثير من ملوك هاتين الدولتين وارد في النصوص الأشورية. إذاً نحن متأكدون من أن قسما كبيرا من الرواية التوراتية موجود فعلا، حصل فعلا. لكن حصل ليس بالطريقة التي يروونها هم. هذا منذ تشكيل مملكة السامرة. ما قبل ذلك كله أخيولة أدبية.
المحاور: ضمن هذا الشرح الذي شرحته، ما معنى إسرائيل؟ إسرائيل الحالية ومشروعيتها من دون نص توراتي؛ نص توراتي صلب أمام حقائق الأركيولوجيا التي تحدّثت عنها؟
سوّاح: لا مشروعية لها.
المحاور: لا مشروعية.
سوّاح: كما نقول نحن: هي مشروع استيطاني.
المحاور: هذا القَصّ التوراتي الذي تكلّمت عليه، على الرغم من كل هذه الأبحاث، ما الذي يجعله، برأيك، صامدا أمام حقائق الأركيولوجيا؟
سوّاح: الحقيقة، المشكلة أن كل ما يدعى بتاريخ بني إسرائيل هو تاريخ لا قيمة له. فهؤلاء الناس سواء كانوا يهوداً أو إسرائيليين لم يُنتِجوا ثقافة متميّزة. فلسطين بكاملها أصلا لم تُنتِج ثقافة متميّزة. حتى في عصر البرونز الوسيط عندما قامت مدينة ماري، عندما قامت مدينة ألالاخ، عندما قامت مدينة قادش، هذه المدن الكبرى في المنطقة السوريّة، لم تكن المدن الفلسطينية سوى بلدات صغيرة، ومعظمها كان من دون أسوار.
المحاور: على الرغم من أنه في فلسطين أريحا كانت أول مستوطنة زراعية مسوَّرة في الألف العاشر.
سوّاح: هذا في البدايات. أنا أتحدث عن الفترة التي تقصّها التوراة. لدينا في الشمال، في الجليل.. الجليل لم يكن فلسطينيّا. بتشكيله الجغرافي والطبوغرافي، الجليل جزء من لبنان.
المحاور: كنعان. من فينيقيا، من لبنان.
سوّاح: فلسطين كنعان أيضا.
المحاور: فينيقيا الساحلية.
سوّاح: فلسطين كنعان أيضا.
المحاور: نعم.
سوّاح: حتى يهود أورشليم عندما عادوا، هؤلاء أيضا كنعانيون. لكن لم يدركوا أنفسهم أنهم كنعانيون.
المحاور: هل هناك توراة كنعانية؟
سوّاح: كلمة توراة كنعانية هو اصطلاح أعتقد أنه ابتكره أحد الباحثين الغربيين. إيطالي هو. أليس كذلك؟
المحاور: أظن غاربيني.
سوّاح: ما يقصده بالتوراة الكنعانية تحديدا أسفار أوغاريت، نصوص مدينة أوغاريت. هي ليست توراة.
المحاور: ولكن هي نصوص...
سوّاح: نصوص أدبية دينية، وجمعها، وأراد أن يطلق عليها تسمية، فلنقُل "مُفَرْقَعة". فكتب التوراة الكنعانية. هي كلها عبارة عن نصوص أوغاريتيّة.
المحاور: أشكرك أستاذ فراس. أعزائي، اسمحوا لنا أن نتوقف مع فاصل ثم نعود لمتابعة هذا الحوار مع الأستاذ فراس سوّاح. انتظرونا.


المحور الثالث


المحاور: أهلا بكم مجددا في "أجراس المشرق".
أستاذ فراس سوّاح، سأنطلق إلى هيكل سليمان. ولكن من سؤال، أنت تكلّمت قبل قليل على أن مملكتَي داود وسليمان في الـ539؟
سوّاح: النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد.
المحاور: إذاً، عبر المعطيات البحثيّة والأركيولوجية، ما الحُكم التاريخي فعلا على مملكتَي داود وسليمان؟
سوّاح: على مملكة داود وسليمان.
المحاور: على مملكة داود وسليمان.
سوّاح: تقصد المملكة الموحّدة؟
المحاور: مملكة داود وسليمان.
سوّاح: صدر بحقّها حكم الإعدام من قِبل الإسرائيليين أنفسهم. انتهت.
المحاور: لا شيء.
سوّاح: انتهت. لا شيء.
المحاور: أخيولة.
سوّاح: أكذوبة.
المحاور: أكذوبة.
سوّاح: نعم.
المحاور: إذاً هيكل سليمان، محور حُمّى البحث الإسرائيلي اليهودي، حُمّى التنقيب، ما يقومون به الآن في القدس، هل هو حقيقة أو أخيولة أيضا؟ أنت تقول إن الأماكن الدينية هي الأماكن التي تثبت مهما مرّ عليها. يمكن أن يكون شيء فوقها. هذا الجامع الأموي كان معبدا لـجوبيتر، ومن ثم أصبح كنيسة كاتدرائية ليوحنا، والآن مسجد. المعابد، كما تقول، تبقى معابد.
سوّاح: الأماكن المقدّسة تبقى في أماكنها.
المحاور: في أماكنها. هيكل سليمان، ما هو؟ أين؟
سوّاح: أورشليم في القرن العاشر لم تكن موجودة. منطقة يهوذا كانت خالية من السكان. إذاً، لا عاصمة ولا مملكة من دون سكان، ولا ملك من دون مملكة. وبالتالي، من المستحيل أن يكون قد بُني في أورشليم هيكل بالعظمة التي يصفها سفر الملوك الأول، من المستحيل. لكن في سياق القرن العاشر، عندما نصل إلى مطلع القرن التاسع، بدأت منطقة يهوذا تُسكن. لكن لماذا كانت منطقة يهوذا خالية، والسامرة أيضا؟ في أواسط عصر البرونز الوسيط، 1350-1400، بدأت المنطقة المشرقية في دورة مناخية جديدة؛ عمّ الجفاف، قلّت الأمطار. المناطق الحسّاسة للجفاف هُجرت. مناطق الهضاب الفلسطينية التي تقوم عليها السامرة ويهوذا من المناطق الحسّاسة جدا للجفاف...
المحاور: هُجرت.
سوّاح: هُجرت تماما. عندما عاد المناخ المطري من جديد عام 1200، بدأت هذه المناطق تُسكَن. سُكنت مناطق الشمال قبل مناطق الجنوب. سُكنت منطقة السامرة قبل منطقة يهوذا، وقامت مملكة السامرة قبل مملكة يهوذا. وبالتالي القصة التوراتية أن هاتين المملكتين نشأتا عن مملكة موحّدة قبلهما غير صحيحة. هناك أكثر من قرن، حتى قرن ونصف يفصل نشوء مملكة إسرائيل عن نشوء مملكة يهوذا. فهاتان المملكتان لا علاقة لهما ببعضهما البعض. والصلات الثقافية التي تصل بينهما ليست أكثر من صلات أية واحدة منهما مع أية مدينة في فلسطين أو على الساحل السوري.
المحاور: أية مملكة دولة جارة لها.
سوّاح: لا يجمعهما شيء.
المحاور: الهيكل.
سوّاح: نعم. إذاً في القرن العاشر لا يمكن أن يكون هناك هيكل. لكن منطقة يهوذا بدأت تُسكن منذ بداية أواخر القرن العاشر، في سياق القرن التاسع بدأت تُسكن هذه المنطقة. وبدأت أورشليم أيضا تتّخذ ملامح العاصمة الإقليمية الصغيرة، ثم توسّعت. تقديراتنا الآن من خلال المسح الأثري الميداني الشامل نستطيع أن نقول بكل ثقة إن مملكة يهوذا لم تقم قبل أواخر القرن الثامن قبل الميلاد. عندها تحوّلت أورشليم إلى عاصمة ودخلت بلعبة السياسة الإقليمية والدولية. في ذلك الوقت، من الممكن بل من المؤكد أن يكون في أورشليم هيكل. ولماذا لا؟
المحاور: أين هو؟
سوّاح: ولكن ليس الهيكل اليهودي.
المحاور: هيكل آخر.
سوّاح: أنا أدعوه هيكل أورشليم.
المحاور: هيكل أورشليم.
سوّاح: عاصمة كبيرة يوجد فيها هيكل. فالهيكل المدعو هيكل سليمان لم يُبنَ في القرن العاشر بل بُني في أواخر القرن الثامن.
المحاور: وهو ليس يهوديّا؟
سوّاح: أنا قلت لك: يهوذا وإسرائيل لم تكونا على الديانة اليهودية. هو هيكل يـيهوه، ولكنه لم يكن هيكلا يهوديّا. اليهودية نشأت في القرن الثامن.
المحاور: وفي ذلك الوقت كانت عبادة البعليم منتشرة.
سوّاح: منتشرة إلى جانب عبادة يهوه.
المحاور: وفي أورشليم نفسها؟
سوّاح: وفي أورشليم نفسها. يقول لنا في سفر الملوك الثاني إن الملك يوشيا عندما قام بإصلاحه الديني طهّر هيكل أورشليم من كل رموز العبادات البعليّة. ويقول لنا أيضا إن المقامات الدينية التي بناها الملك سليمان.. الملك سليمان كان على الديانة الكنعانية بشهادة التوراة نفسها. كان يعبد البعل وعشتاروت. المقامات الدينية التي بناها الملك سليمان خارج أورشليم، أيضا الملك يوشيا بعد 300 سنة من عصر الملك سليمان طهّرها وسرّح كهنتها. إذاً أين الديانة اليهودية؟ وطهّر الهيكل من الأواني الطقسيّة للإله بعل وللإلهة عشيرة. إذاً هؤلاء كانوا معبودين.
المحاور: هل يريدون اختراع هيكل لإثبات حضور؟
سوّاح: نحن الآن نتحدث في التاريخ. إذا كنا سنتحدث في السياسة، سنأتي إليها.
المحاور: لأن هذا الكلام خطير بالمعطى السياسي.
سوّاح: أنا في التاريخ أقول: أورشليم في القرن الثامن قبل الميلاد كعاصمة إقليمية كبيرة يجب أن يكون فيها هيكل. فهذا الهيكل موجود ولكنه هيكل يهوه، هيكل الإله يهوه الكنعاني.
المحاور: هذه القدس، هذه أورشليم محور الرواية التوراتية، محور الهاجس الإسرائيلي تاريخيا ومعاصرة، كيف تصنَّف إذاً في علم الآثار المعاصر؟ هل هي كنعانية؟ هل هي آرامية؟ هل هي يهودية؟ هل هي مزيج لا نعرف ما هي؟
سوّاح: هذا وفقا للمرحلة التاريخية التي نتحدث عنها. لكن دعني أُكمل مسألة الهيكل. هذا الهيكل دُمّر عندما دّمّرت أورشليم عام 587 قبل الميلاد. عندما تزايد تداخل ملوكها في السياسة الدولية وسئم نبوخذنصر من تلاعب الملوك وميلهم إلى مصر التي كانت تحرّضهم على نقض عهودهم مع بابل، لم يأتِ إلى أورشليم مباشرة. جاء دمار أورشليم في سياق حملة نبوخذنصر الشاملة على مناطق الجنوب السوري. وفي طريقه التهم أورشليم بلقمة واحدة. لم تكن بالنسبة له شيئا. فدمّر أورشليم وتم إحراق الهيكل وتدميره. هذا هو الهيكل الأول. عندما رجع المسبيّون من بابل، يقول لنا كتاب التوراة إنهم أعادوا بناء الهيكل. ولكنه لم يكن بعظمة وأبّهة الهيكل السابق. هذا ممكن أيضا. هذا ممكن.
المحاور: نحن والإسرائيليون نتصارع، خارج السياسة، على ماضٍ. الاثنان يريدان كسب الراهن باتجاه المستقبل. الإسرائيليون لا يزالون يبحثون، ينقّبون، يحاولون. نحن ماذا نفعل؟
سوّاح: أنا أريد أن أتابع ما كنت أقوله سابقا.
المحاور: تابع.
سوّاح: هيكل القرن الخامس بقي موجودا إلى حكم الملك هيرود الكبير في القرن الأول الميلادي الذي عيّنه الرومان ملكا على كامل فلسطين وسورية الجنوبية. هذا الهيرود الذي يقال له هيرود العربي لم يكن يهوديا. أسرته تهوّدت.
المحاور: هذا جزء من الولاية الرومانية.
سوّاح: عُيّن ملكا باستقلال كامل.
المحاور: باستقلال كامل.
سوّاح: هو خاضع للرومان، لكنه كان ملكا مستقلّا. حكم سنة 37 وتوفي سنة 4.
المحاور: للميلاد.
سوّاح: أخبر المؤرّخ يوسيفوس ومصادر أخرى أنه وسّع هيكل أورشليم إلى الضعف، في نفس الموضع، نفس المكان. وسّعه، وربما كان فناء ذلك الهيكل أكبر فناء لمعبد في المنطقة المشرقية والمنطقة الأوروبية. كان درّة معابد الشرق.
المحاور: أين هو؟
سوّاح: عندما ثارت مقاطعة اليهودية على الحكم الروماني، جاء القائد الروماني تيطس ودمّر المدينة وأحرق الهيكل. في عام 1135 ميلادية جاء هدريان بعد أن قامت ثورة أخرى وسوّى أورشليم بالتراب، وترك ما تبقّى من مسطبة الهيكل وبعض الأعمدة وبعض الجدران قائمة. وبنى مدينة سمّاها إيليا كابيتولينا، وهي المدينة التي سلّمت مفاتيحها للخليفة عمر بن الخطاب خلال الفتح.
المحاور: لذلك المسلمون سمَّوها إيلياء.
سوّاح: يدعونها إيليا. المسلمون يدعون المدينة إيليا.
المحاور: نعم.
سوّاح: ما تبقّى من هيكل هيرود، وليس من هيكل أورشليم وليس من هيكل سليمان، لدينا بقايا قليلة، ومنها حائط المبكى. هو بقية من هيكل هيرود، من القرن الأول قبل الميلاد. عندما جاء المسلمون وبنَوا المعبد أكملوا حائطا يدعوه المسلمون حائط البُراق. الإسراء والمعراج تم قبل بناء المسجد الأقصى، أي أن هذا الحائط كان موجودا قبل بناء المسجد الأقصى. وإلى الآن هناك ندوات دولية عن أورشليم يبقى بعض الباحثين العرب، ولأغراض.. أدعوه التفكير الرَغْبيّ؛ نحن نرغب في شيء ونصدّقه. يقول لك: المسجد الأقصى لم يقُم على المعبد اليهودي القديم. لا بل بُني على المعبد اليهودي القديم. وحائط المبكى هو جزء من هيكل هيرود الكبير من القرن الأول قبل الميلاد. إذا أردنا التنافس على التاريخ، كما تقول، نحن نحارب من أجل اكتساب التاريخ فيجب أن ننطلق من الوقائع ولا ننطلق من التفكير الرغبي، من رغباتنا وأهوائنا. هذا الهيكل هنا موجود.
المحاور: ولكن أنت قلت إنه سوّاه بالأرض.
سوّاح: لكن لا يوجد تحته شيء. لا يوجد تحته شيء. كاثلين كينيون قالت لهم: لا تبحثوا. هو هذه المسطبة؛ لأن الهيكل أو المسجد الأقصى يقوم على مرتفع. فـهيرود جعل له مسطبة لكي يحلّ مشكلة الذروة والسفلى. منذ عام 1865 أو 1870 جاءت بعثة أثرية وحفرت خارج السور ونقّبت وقالت لنا: هذه المسطبة عمارة هيرودية. هذا نمط العمارة الهيروديّة، وحائط المبكى نمط العمارة الهيرودية. فإذا أردنا أن ندخل في صراع شريف مع اليهود على التاريخ، فيجب أن ننطلق من وقائع. إذا لم ننطلق من الوقائع، فلن ننجح. هذا هيكل يهودي.
المحاور: هذا المكان كان هيكلا يهوديا.
سوّاح: المسطبة موجودة.
المحاور: المسطبة موجودة.
سوّاح: بعض الجدران، حائط المبكى موجود. ولكن هذا الهيكل ليس هيكل أورشليم القديم وليس هيكل سليمان. هذا هيكل مدينة أورشليم في القرن الأول قبل الميلاد. هذا هيكل هيرود الكبير.
المحاور: هذا آخر ما وصلت إليه الأبحاث؟
سوّاح: كما يقولون، هذه أصبحت مسلَّمة.
المحاور: أنا أريد أن أشكرك. للأسف، ذهب الوقت ولديّ كثير من الأسئلة.
أعزائي، بين الوقائع والأسطورة، بين الرقيمات والسرد الشفهي، بين الثابت والمحسوس والمتخيَّل، ربما ضاعت كنوز كثيرة من تاريخ هذه البلاد وتراكمت أخيولات في أدمغتنا أضحت مسلَّمات، حتى بات نزعها يتطلب جهدا كبيرا. كان يجب أن يأتي واحد مثل فراس سوّاح ليكتب بالعربية هذا الحجم من الكتب وبرصانة وتدقيق كي يلمح البعض الضوء تحت المكيال.
شكرا للأستاذ سوّاح على قبوله دعوتنا للحوار، وهو الجالس وحيدا الآن يدرّس في الصين.
شكرا للزملاء، زملائي فريق العمل في "أجراس المشرق" الذي يتعب معي أسبوعيّا، وللزملاء في "الميادين".
وسلام عليكم وسلام لكم.