بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

الشاعرة التونسية لمياء المقدم

 

زاهي وهبي: مساء الخير. صفاتٌ كثيرة تجتمع في ضيفتنا، شاعرة، صحافية، إذاعية، مترجمة وربّما ممثلة أيضاً. ابنة (سوسة) التونسية اختارت الهِجرة الطوعية والإقامة في (لاهاي) الهولندية، فكانت في منزلةٍ بين منزلتين؛ حالها في الإقامة هي نفسها حالها في النصّ، لا ترسو على برٍ ولا تركُن إلى يقين. لكن لا شكّ في أنها استطاعت لفت الانتباه منذ بواكيرها الشِعرية الأولى إذا تتميّز أديبتنا بنظرتها المُختلفة إلى الأمور وبمُقاربتها القضايا من زوايا غير مألوفة. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب يُرحِّبُ بالشاعرة والمُترجِمة والإعلامية التونسية السيّد "لمياء المُقدِّم" أهلاً وسهلاً بحضرة جنابِك

لمياء المُقدِّم: مرحباً "زاهي"

زاهي وهبي: نوّرتِ "بيت القصيد"

لمياء المُقدِّم: الله يخلّيك، شكراً

زاهي وهبي: حضرتكِ ابنة عائِلة تُحبّ الشعر، والدتكِ كانت تنظُم الشعر بالعامية التونسية، أخوالكِ أيضاً

لمياء المُقدِّم: صحيح

زاهي وهبي: سؤالي هو، ماذا تركت تلك المناخات في ذاكرتكِ، في وعيكِ، في وجدانكِ

لمياء المُقدِّم: الكثير طبعاً لأنّني منذ أن كنت صغيرة كنت أرى أنّ أُمّي الله يرحمها كان صوتها جميلاً جداً وربما أكون ورثت قليلاً من جمال هذا الصوت، يعني ولو ليس في نفس نسبة الجمال لأنّ صوتها كان

زاهي وهبي: فكّرتِ أن تُغنّي مثلاً في يوم من الأيام؟

لمياء المُقدِّم: أُغنّي في البيت ولكن لم أُفكِّر في امتهان أو احتراف الغناء، فأُمّي كانت تكتب الشعر باللغة الدارجة وتُلقي الشعر وأخوالي أيضاً درسوا في (جامع الزيتونة)، والعائلة كلها تقريباً تُحبّ الشعر للحقيقة، الشعر الغنائي أو هي تُغنّي الشعر وتُغنّي أيضاً الأغاني القديمة لـ "نور الهدى"، هي إسمها "نور الهُدى" أيضاً الله يرحمها، فكانت تُحبّ أن تُردّد الأغاني القديمة، فنعم، تربيّت في هذه الأجواء

زاهي وهبي: نشأتِ في (سوسة)؟ في مدينة (سوسة) نشأتكِ الأولى؟

لمياء المُقدِّم: لا. أنا مزيج في الحقيقة، والدي في قرية صغيرة خارِج (سوسة) وعمّي الذي هو شقيق والدي الأكبر في (سوسة)، ونحن كنّا نتنقّل ما بين والدي وما بين بيت عمّي. عمّي كان لا يُنجِب وبالتالي تبنّى أو أخذ اثنين من إخوتي وتربّيا عنده، فنحن كنّا بين (سوسة) وبين هذه القرية الصغيرة وكنت أعيش في هذا المزيج ما بين (سوسة) وما بين أجواء القرية

زاهي وهبي: متى بدأتِ تتعرّفين على النصوص والتجارب الشعرية الحديثة والأدبية الحديثة؟ كيف بدأتِ تكتشفين أنّ هناك عالماً آخر غير تقليدي، غير شعبي، غير ما نقرأه في كُتب المدرسة وما شابه؟

لمياء المُقدِّم: عبر القراءة بالتأكيد. هي الخطوة الأولى للإنسان أن يبدأ يقرأ ثمّ يكتشف عوالِم جديدة ثمّ يبدأ يُجرِّب في اكتشاف عالمه الخاص به، لكن بالتأكيد القراءة هي أول خطوة. كنت شغوفة جداً في القراءة وأُحبّ أن أقرأ وأذكر أنّ الأساتذة الذي كانوا يقرؤني  كانوا جداً مستغربين لأنني كنت أقرأ في كتب أكبر من سنّي وكانوا أحياناً يقولون لي، لا، الكتابة تلك لا تزال كبيرة عليكِ، اقرئي مثلاً لـ "نجيب محفوظ" و"إحسان عبد القدّوس" وكذا. فأعتقد أنّ الإنسان يبدأ في اكتشاف عوالِم جديدة عبر القراءة، ثمّ تأتي مرحلة التجريب، تُحاول أن تدخل بنفسك في عوالِم جديدة وتكتشف عوالِم جديدة. ربما أنا في المقدِّمة قلت، "لا ترسو على برّ"؛ نعم، شدّتني هذه الكلمة أو الجملة لأنها تبدو

زاهي وهبي: أنا للحقيقة من خلال قراءتي لبعض نصوصكِ استشفّيت هذا الأمر

لمياء المُقدِّم: نعم صحيح ما تقوله، لأنّه أن ترسو على برّ يعني أن تصل وأنا لا أُحبّ أن أصِل. يعني لا أُريد أن أرسو للحقيقة، أنا في رحلة متواصلة وفي تجريب متواصل وربما الفِكرة كلّها هي أنني أُحبّ التجريب جداً، شغوفة جداً وفضولية جداً ودائِماً أُحبّ أن أُجرِّب أشياء جديدة ودائِماً كلّ التجارب أُحبّ أن أدخلها وأحياناً أستغرِب مثلاً، أُفاجئ نفسي في مكان مثلاً، في مطعم أو في مكان عام وأنا أُفكِّر في شخص أمامي وما يحسّه في تلك اللحظة وما يُفكِّر به وأتمنّى لو أنني أدخُل إلى داخله وأعرِف بماذا يُفكِر وأعيش أحاسيسه، نعم

زاهي وهبي: عندكِ فضول

لمياء المُقدِّم: عندي فضول شديد للآخر وفضول شديد للعالم وللحياة وللتجريب، نعم

زاهي وهبي: على كلّ حال، في مسألة الوصول والرحلة، "محمود درويش" مثلاً يقول، "الطريق إلى البيت أجمل من البيت"، بمعنى أنّ الإنسان

لمياء المُقدِّم: إحساسك وأنت ذاهب إلى البيت أفضل من إحساسك وأنت داخل البيت ولحظة الجلوس في البيت

زاهي وهبي: انتهى المُشوار

لمياء المُقدِّم: صحيح، أنت وصلت

زاهي وهبي: قبل أن نغوص في الحديث عن تجربتكِ ومسألة النصّ المفتوح وقصيدة النثر والترجمة والعمل الإذاعي وغيره، إسمحي لنا أن نُشاهدكِ في "علامة فارقة" ونستمع إليكِ

لمياء المُقدِّم: نعم

علامة فارِقة

لمياء المُقدِّم:

- كلمة "حروب" كلمة ربما قاسية قليلاً وخاصّةً في الظروف الحالية، الحرب تُحيط بنا من كلّ جانب، فأنا لا أُسميها حروباً، أستطيع أن أُسمّيها ربما طموحات أو أحلاماً. آخذها بهدوء وآخذها بإصرار وآخذها بنفسٍ طويل. أُحدّد الهدف وأتوجّه إليه مُباشرةً في الغالب، أحياناً تلهيني بعض المشاغِل الحياتية ولكن في النهاية غالباً ما أعود إلى المسار وأعود إلى التركيز على الأهداف التي أرغب في الوصول إليها

- أرى أنّ الأدب إنساني، سواء الذي كتبه رجل أو امرأة، فهو في النهاية يصبّ في خانة واحدة وهي خانة الأدب الإنساني. ربما اهتمامات المرأة تختلِف عن اهتمامات الرجل وهي تُحارِب من أجل موقعها في المُجتمع، من أجل أن تحظى بالمُساواة وبحقوقها. هذا الأدب الموجود في هذا النطاق أو في هذا التوجّه هو ربما ما يجعله يُصنَّف على أنه أدب نسائي، لكن في النهاية الأدب هو أدب سواء كتبته امرأة أو كتبه رجل

- لديّ رغبة شديدة في كتابة رواية، لا أعرِف متى سأكتبها، لكن الرغبة موجودة وأنا أُفكِّر في هذا الشيء منذ فترة للحقيقة ليس فقط بعد ترجمة الروايات، ولكن حتّى قبل أن أنشغِل بالترجمة. كنت أُحبّ الرواية ولديّ مُحاولات بسيطة في القصة القصيرة رغم أنني شاعرة في الدرجة الأولى وأكتُب الشعر، لكنني أعتقد أنّ الرواية ستأتي

- الأدب عندما ينتقل إلى لغة أُخرى فهو لا ينتقل من لغة إلى لغة فقط، لكن ينتقل من حال إنسانية إلى حال إنسانية ومن ثقافة إلى ثقافة أيضاً، فأنتِ لا تترجمين لغة فقط وإنما تترجمين ثقافة وما خلف اللغة وما بين الأسطُر وكلّ هذا. أحياناً الترجمة تكون إضافة. هناك من يُترجِم روايات اشتهرت باللغة التي نُقِلَت إليها أكثر من لغتها الأصليّة، فلا أُصدِّق في أنّ مقولة الترجمة هيّنة على الإطلاق

- أكتُب لأنّ الكتابة مُكمِّل رئيسي لشخصيّتي ولحياتي ولكلّ ما أُحبّ أن أقوم به، لوجودي تحديداً. "نيرودا" يقول، الشاعر شاعرٌ حتّى وهو يغسل يديه وبالتالي الشعر هو أُسلوب حياة. أنا أستطيع ربما أن أكون شاعرة من دون أن أكتب الشعر، لكن في نظرتي للوجود، في تعاملي مع التفاصيل، في رؤيتي للحياة وللأشياء أنا شاعِرة في هذا الجانب وبالتالي أُمارس الشعر من دون أن أكتبه

- الكتابة للصحافة تختلف عن كتابة الشعر وتختلف أيضاً عن الترجمة، بالتأكيد هذه أصناف أدبية مُختلفة فبالتالي الكتابة مُختلفة أيضاً وطريقة تناولها مُختلفة والصنعة أيضاً مُختلفة. أنا لا أجد ولا أعتقد أنّ هذه الأصناف الأدبية تتعارض مع بعضها أو تُعيق بعضها أو ما إلى ذلك. أجِد أنها تُكمِّل بعضها في جوانب كثيرة وتستفيد من بعضها جداً، من بعضها نعم

- بعيدة عن (تونس) أولاً، بعيدة فقط بجسدي لأنّ الإنسان إذا كبِر وتربّى في مكان مُعيّن فصعب أن يكون بعيداً عنه لأنّ المكان يُصبِح داخله. (تونس) تتنقل معي أينما ذهبت سواءً شئت أم أبيت لأنّ هذا جزء مهم من تكويني ومن شخصيتي، تشكّل في (تونس) في مرحلة البدايات، لكن بعيدة عن (تونس) عبارة ليست صادقة تماماً

- أنا بالتأكيد ما يهمني في الدرجة الأولى هو الحياة. ما سيبقى وما سيحصل بعد مماتي هذا شيء لا يُشكِّل هاجساً على الإطلاق بالنسبة لي، حتّى الكتابة نفسها هي وجه من أوجه الحياة. أنا أكتُب لأنني أُريد أن أُكمِّل حياتي في هذا الجانب أو أرى أنه جانب مُكمِّل للحياة وبالتالي ما سيحصل بعد الممات لا يعنيني على الإطلاق

زاهي وهبي: عمرك طويل إن شاء الله. في مسألة الشِعر، فعلاً هو نمط حياة وسلوك أكثر ما هو مُجرّد كتابة، ولكن مع ذلك البعض لا يستطيع أن يرى الشعر إلّا في نمط مُعيّن، إلّا حتّى في قصيدة، في نوع من قصيدة معينة. الجدل حول قصيدة النثر مثلاً مستمرّ رغم مرور خمسين سنة وأكثر على انطلاقتها، لا يزال البعض يسأل، هل هذا شِعر أم ماذا؟ البعض يعتبره شعراً والبعض لا يعتبره شعراً. كيف تفهمين أو تتلقّين هذا الجدل؟

لمياء المُقدِّم: بالنسبة للحياة كشاعِر أو تَمثُّل الشعر في الحياة، ربما أول من أطلق هذه العبارة هو "رامبو" كما نعرِف، الحياة بوصفها قصيدة شعر. بالتالي، الإنسان عندما يعيش كشاعِر ليس معناه أن يحفظ الشعر أو يُردّد الشِعر أو لا، هو يعيش كشاعِر، يرى التفاصيل، يُمارِس الشعر في الحياة اليومية. أنا أعتقد أنّ الشعر ليس بالضرورة ما نكتبه مما يفيض من الشعر، نحن نُمارِس الشعر في الحياة اليوميّة، نرى الأشياء بعين الشاعِر ونحيا بحياة الشاعر

زاهي وهبي: ماذا تقولين لمن لا يرى الشعر إلّا بشكلٍ مُعيّن؟ في إطار مُعيّن؟ واحد فقط لا غير

لمياء المُقدِّم: لا، في الحقيقة نحن حكينا منذ قليل أنني شخص منفتِح جداً على كلّ التجارب، أي إنسان يأتي بفكرة جديدة أو تجربة جديدة أنا منفتِحة وأُحبّ التجريب جداً وأُحبّ من يُجرِّب. القوالب الجاهزة أو أن نحصر الشعر في قالب مُعيّن، وهذه قصيدة لا أدري ماذا وتلك قصيدة لا أعرِف ماذا، هذه كلّها تسميات زائِدة في الحقيقة

زاهي وهبي: قابلة هي أصلاً للأخذ والردّ، لكن قصيدة النثر أو الشعر الحرّ بتعبير أوضح كم تمنحكِ أو منحتكِ حريّة في صوغ النصّ، في كتابة النصّ؟

لمياء المُقدِّم: أولاً أنا لا يُمكن أن أكتُب إلّا قصيدة النثر

زاهي وهبي: لماذا؟

لمياء المُقدِّم: لأنني شخص حرّ ومنطلِق، شخص لا يُحبّ القيود، لا يُحب الإيقاع الثابت، أنا Hyper قليلاً يعني، شخص متحرِك دائِماً، فهذه القصيدة تُلائِمني جداً، تُلائِم شخصيتي وتُلائِم فكرة أنني لا أُحبّ أن ألتزم بقيود مُعينة أو بقواعِد مُعينة، وربما الشعر أصلاً يحتاج إلى أن نحرّره من هذه القيود التي ظلّت مُكبِّلة عليه وظلّت حادّة منه وتضعه في صندوق مُعيّن، وبعد ذلك الشعر، ما هو الشعر؟ كلّ الناس يتساءلون ما هو الشِعر؟ من قال أنّ القصيدة العامودية هذه هي الشعر فقط؟ أو قصيدة النثر هي الشعر؟ الشعر أكبر من قصيدة النثر وأكبر من القصيدة العامودية وأكبر منّا نحن أيضاً، الشِعر ربما لم نكتشفه بعد، نحن في طريق التجريب وفي طريق المُحاولة

زاهي وهبي: والدليل أنني أُريد أن أقول أنّ هذا مشهد شاعِري أو هذه لحظة شاعرية، نُشاهِد فيلم سينما ونقول ربما فيلماً شاعرياً، نقرأ رواية ونقول أنّ لغتها شاعرية

لمياء المُقدِّم: بالضبط، أو أنّ الترجمة شعرية أو لا أدري، يمكن لأية حاجة أن تُسميها، أنا أقول في رأيي، حتّى الباب يُمكن أن نقول عنه باب شاعري لأنّه باب جميل وفيه جمال وفيه حركة مُعينة وفيه ضوء

زاهي وهبي: على سيرة الحركة، شاهدناكِ في "علامة فارقة" تلعبين الفوتبول مع الأطفال وتقفزين وتركضين وتصعدين الدرج وتنزلينه

لمياء المُقدِّم: نعم، صحيح

زاهي وهبي: فيكِ طفولة؟ وكم للشاعر أو الفنان عموماً أن يُحافِظ على الطفل الذي فيه، أن يحمل طفولته معه، كم هذه مسألة حقيقية؟

لمياء المُقدِّم: أنا بي طفولة كبيرة، ولستُ راضية أن أكبر بصراحة، لا أًحب أن أكبر ولستُ راضية ولست قادرة أصلاً، ولا أستطيع أن أترُك نفسي للزمن إطلاقاً. أنا شخص طفل من الداخل وحتّى فكرة التجريب هذه آتية من هذه الطفولة، لأنّ الطفل حين يكون صغيراً يُجرِّب، يعني يمسك حاجة ويكسّرها ليرى ما في داخلها وما إلى ذلك. فربما هذه الصفة التي في داخلي، أنني طفلة من الداخل هي التي تجعلني أُحبّ أن أُجرِّب كثيراً وأُحب أن أُحافظ على رؤيتي الأولى، النظرة الأولى للأشياء

زاهي وهبي: التي فيها دهشة

لمياء المُقدِّم: التي فيها دهشة وفيها اكتشاف وفيها باستمرار انبهار بأشياء وفضول أيضاً في اكتشاف الأشياء وفي اكتشاف العالم، وأيضاً فكرة أن تمدّ علاقات مع الأشياء حولك، علاقات مُختلفة. لأنني ممكن أن أعتاد أن تكون هذه الطاولة موجودة طوال الوقت أمامي، ولا أُحب أن أعتاد على هذه الأشياء، أُحبّ دائِماً أن أكتشف أنّ هذه الطاولة فعلاً موجودة، يعني أن أشوف الأشياء باستمرار، والنمطيّة لا أُحبها والتقليد، والقالب أيضاً لا يُلائِمني على الإطلاق

زاهي وهبي: بالعودة للحديث عن قصيدة النثر والنصّ المفتوح وما شابه، الشاعر "عبد الوهاب الملّوح" يقول أنّ حضرتكِ تكتبين نصاً مفتوحاً أكثر مما تكتبين قصيدة نثر، يعني ينطبق عليه وصف النص المفتوح أكثر

لمياء المُقدِّم: لا أعلم، أظنّ أنه كتب هذا عن الديوان الأول، ممكن جداً

زاهي وهبي: نعم، في مقالة له، صحيح

لمياء المُقدِّم: نعم. أولاً لا أعلم ماذا يقصد "عبد الوهاب الملوّح"، وهو صديق وشاعر تونسي مُحتَرم وأحبه

زاهي وهبي: وأنا أيضاً من المُعجبين بشعره للحقيقة

لمياء المُقدِّم: لكن بالنسبة إلى النصّ المفتوح أنا أكتُب ولا أعرِف ما الذي أكتبه في الحقيقة، أكتبه فقط. أشعر بالحاجة وأحسّ أنني أرغب في كتابة نص مُعيّن فأكتبه، لا أنتبه نهائياً للتصنيف. هلّ سيُصنّف على أنه قصيدة نثر، هلّ سيُصنّف على أن نص مفتوح؟ هذه التسميات يأتي بها من يقرأ لاحقاً. القارئ له الحقّ أن يُصنِّف ما يُريده ويصنفني في الخانة التي يُحبها، لكن أنا أكتُب النصّ بإحساسي، كما أحسّ الأشياء أكتبها من دون مُحاولة. ربما أيضاً هنا ثمة جانب قليلاً أنّ الناس تحاول أيضاً أن توظِف صنعتها في شكلٍ رئيسي في كتابة النصوص لأنها تبدأ تكتُب وهي متّجه نحو نصّ مُعيّن أو نحو

زاهي وهبي: يعني هناك مثال معيّن في

لمياء المُقدِّم: نعم، في مثال مُعيّن، في قالب مُعيّن هي تُحبّ أن تلتزِم به، وأنا ليس عندي هذا الشيء، أنا أكتب

زاهي وهبي: حضرتكِ تقولين: لا أساتذة لي في الشعر. سؤالي، هلّ يولَد الشاعر من فراغ؟ "عباس بيضون" مثلاً، الشاعر المعروف، يقول أنّ الشعر أحياناً يولَد من قراءات شعرية، بمعنى نقرأ قصيدة ما، نتأثر بها، تُعجِبنا الفِكرة، صورة شعرية مُعيّنة، نأخذ، عرفتِ؟  ثم نكتب شيئاً آخر مُختلِف تماماً

لمياء المُقدِّم: لا أعرِف، عموماً أنا، "هايدي دريك" يقول أننا نُقيم في اللغة، هي بيت، يعني بيتنا هو اللغة، وبالتالي يعتقد أنّ اللغة أو الكلمة آتية من الله، يعني من طاقة من فوقنا، فبالتالي نحن موجودون داخل هذا البيت الذي يُسمّى اللغة ونُحاول أن، بالنسبة إلى الشعر لا أدري إذا كان الأُستاذ "عباس" يقصد أننا نُقلِّد أو نتأثر بالنصوص

زاهي وهبي: لا لا نُقلِد لكن بمعنى أننا نتأثر، يعني القراءة، القصائِد التي نقرأها أو نتعرّف إليها تفتح في مُخيّلتنا وشهيتنا لكتابة شيء

لمياء المُقدِّم: بالتأكيد، نحن كلّ حاجة نقرأها نتمثّلها وتبقى وتؤثِّر فينا سواء كانت شعراً أو نثراً أو أي شيء يعني، حتّى مقال

زاهي وهبي: قراءاتكِ الأثيرة أو شعرائِك الأثيرين من هُم؟

لمياء المُقدِّم: لا، أنا أقرأ كلّ شيء وأكثر حاجة يُمكن أن تُفاجئك قليلاً أنني لا أقرأ فقط للكُتّاب الكبار أو للأسماء الكبيرة، أنا أقرأ أحياناً، حتّى لمّا صار جدل كبير، على شعراء الـ "فيسبوك" وشعراء الشباب

زاهي وهبي: فليكتبوا، ما المُشكلة؟  

لمياء المُقدِّم: والـ "فيسبوك" سمح لأيّ أحد أن يكتب وسمح للجميع أن يصيروا شعراء وكُتّاباً. أنا أقرأ هذه التجارب وتعجبني

زاهي وهبي: نحن مُلاحظتنا الوحيدة حين ننتقد هذه التجارب أنّ المهم أن تكون اللغة سليمة، يعني من يريد أن يكتب الشعر ومن يريد أن يكتب النثر لا يحتاج إلّا أن تكون لغته على الأقل سليمة الإملاء والصرف والنحو وهذه المسائِل

لمياء المُقدِّم: أكيد، هذه أدوات لا بدّ من امتلاكها في أيّ شيء نفعله. هو الصبّاغ الذي يصبغ ومن الازم أن يكون عنده فرشاة ودهان يعني بالتأكيد

زاهي وهبي: أكيد

لمياء المُقدِّم: فبالتالي، الشخص الذي يكتب قصيدة من اللازم أن يمتلِك أدواته جيداً

زاهي وهبي: بعد ذلك، الحرية. اليوم وسائِل التواصل أتاحت حرية مُطلقة للناس

لمياء المُقدِّم: لكن فكرة التجريم

زاهي وهبي: وربما فائِدتها أنها ألغت الأب المُسيطِر على منبر ثقافي

لمياء المُقدِّم: الوصاية

زاهي وهبي: فعلاً الوصاية

لمياء المُقدِّم: الوصاية لأنه كان هناك أُناس تنصِب نفسها وصية على النصّ ووصية على الشعر وهي التي تمنح الألقاب، هذا شاعر وهذا ليس شاعراً

زاهي وهبي: تحجب ذاك وتُبرِز هذا

لمياء المُقدِّم: نعم، بالتالي هذه الوصاية اختفت وربما هذا ما يُقلِق البعض في الحقيقة لأنّه كان هناك أُناس يقولون لك، لا، هذا شاعر وهذا ليس شاعراً. الآن الباب مفتوح والمنبر مفتوح والقارئ موجود على "فيسبوك" وفي أي مكان وكلّ شخص يكتب، إما يكتب قصيدة، وأحيانا الناس تُجرِّب، يعني الناس تكتب أشياء في البداية لا تُعجبك كثيراً لكنك تُلاحِظ تطوّراً عجيباً وسريعاً عند البعض من الشعراء الشباب

زاهي وهبي: نعم. هلّ ممكن أن نسمع نموذجاً من النصوص التي تكتبينها حضرتك قبل أن نتوقّف مع موجز إخباري؟

لمياء المُقدِّم: نعم، ممكن أن أقرأ قصيدة من ديوان لم يصدُر بعد، والقصيدة عنوانها "بائِعة الخبز"

زاهي وهبي: اخترتِ عنواناً للديوان"؟

لمياء المُقدِّم: لا

زاهي وهبي: تفضّلي

لمياء المُقدِّم: أنا أختار عنوانه ولاحقاً يمكن أن أغيّره وأعود وأختار عنواناً آخر، فموضوع العنوان صعب قليلاً بالنسبة لي

زاهي وهبي: تفضّلي

لمياء المُقدِّم: لكن هذه القصيدة على أيّة حال عندها عنوان وإسمها "بائِعة الخبز"

زاهي وهبي: تفضّلي

لمياء المُقدِّم:

ذات شتاءٍ قاسٍ

كنتُ أعملُ بائِعةَ خبزٍ        

في قريةٍ صغيرةٍ جداً

جاء أحدهم وكان جائِعاً

فمنحته رغيفاً وأخذته إلى بيتي

هناك على العتبةِ كان يجلِسُ

يُطعِمُ الحمام والقطط والسناجبَ

في قريةٍ صغيرةٍ جداً ونائِية

كان رجلاً جائِعاً

وكنتُ أعملُ بائِعة خبزٍ

ثمّ صحوتُ ولم أجِده

لم أجِد الرغيفَ ولا العتبة

لم أجِد التاريخَ ولا الجغرافيا

لم أجِد الفصولَ ولا ذاكرتها

لكنّ القططَ والكلابَ والغيوم المتسوّلة

مذ ذاك لم تنقطِع أبداً عن بيتي

زاهي وهبي: شكراً على النصّ ومبروك الكتاب سلفاً، الكتاب الجديد

لمياء المُقدِّم: يعيّشَك، شكراً

زاهي وهبي: لو سمحتِ لنا، نتوقف مع موجز إخباري سريع ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

ما قلّ ودلّ

لمياء المُقدِّم:

- شاعرة تونسية تُقيم وتعمل في (لاهاي)/ (هولندا) 

- مُترجمة وإعلامية ومُعِدّة برامج

- لها عشرات المقالات الصحافية

- ترجمت من الهولندية إلى العربية رواية "مالغا" ورواية "أنت قلت لي" التي تحكي سيرة حياة الشاعرين "سيلفيا بلاث" و"تيدي هيوز"

- نَشَرت ديواناً شعرياً بعنوان "انتهت هذه القصيدة، انتهى هذا الحبّ"

من شعرِ لمياء المُقدِم:

" وصل بكِ الأمرُ

أن لم تعودي تذكرين

إذا كان الطفلان ينامان في الغُرفة الفوقية

أو مع أصدقائِهما على البحر يسهران

ولكنكِ ما زِلتِ تعرفين تماماً

كيف ترفعين جسدكِ

من على كُرسي الحديقة الصلب

وتمشين به مُباشرةً

إلى قلب الشجرة" - (لمياء المُقدم)

المحور الثاني:

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام نتابع "بيت القصيد" مع الشاعرة والمُترجِمة والإعلامية التونسية السيّدة "لمياء المُقدِّم". سيّدتي، في موضوع أثر المكان في النصّ كما هو معروف للمكان، للبيئة، للجغرافيا، أثره الواضح في أيّ نصٍّ أدبي، وحضرتكِ مُقيمة بعيداً عن وطنكِ، بعيداً عن (تونس)، مُقيمة في (لاهاي) في (هولندا). أيّ أثر للغربة عليكِ وأنت القائِلة "الغربة منحتني العُزلة"؟

لمياء المُقدِّم: ربما في البداية كانت ثمة عُزلة بالتأكيد، لكن المكان بالتأكيد عنده أثر كبير على ما نكتبه. هذا مفروغ منه لأنّ حتّى مُفردات الكتابة تتغيّر. أنت تكتُب من مُنطلق ما هو حولك

زاهي وهبي: صح

لمياء المُقدِّم: فبالتالي، عندما يتغيّر المكان فأنت أيضاً تكتُب بطريقة مُختلفة

زاهي وهبي: يعني الذي يتنقّل يومياً بالميترو ليس كالذي يقود سيارته كلّ يوم

لمياء المُقدِّم: بالتأكيد

زاهي وهبي: الذي يعيش في بلد فيها قطارات سريعة غير الذي يعيش في بلد صغير

لمياء المُقدِّم: على ذكر القطارات، أنا كتبت الكثير من قصائِدي داخل القطار، جدّ

زاهي وهبي: لاحظت ذلك، وأنا ضربت المثل لأنني لاحظت

لمياء المُقدِّم: وكنت أًسمّيها "قصائِد القطار"، فعلاً كان هذا العنوان الذي في بالي لأنني في فترة من الفترات كنت أشتغِل في إذاعة (هولندا) العالمية بعيداً عن البيت، فالمسافة هي ساعتان في القطار يومياً

زاهي وهبي: يومياً

لمياء المُقدِّم: يومياً، فكنت أستغلّ هذا الوقت في إمّا أن أقرأ شيئاً وبعد ذلك، رويداً رويداً بدأت أكتُب لأن من الأشياء الجديدة عندي أيضاً أنني أكتُب على الموبايل

زاهي وهبي: واضح، قرأتِ قصيدتكِ الجديدة على الموبايل

لمياء المُقدِّم: نعم، يعني لتسهيل الأمور على الإنسان في أنه لا يأخذ أيضاً ورقة وقلم وما إلى ذلك. وأحياناً أيضاً أُحبّ أن أكتُب وألّا يكون معي ورقة وقلم فأكتُب على الموبايل لأنّ فيه Google Documents وفيه كلّ شيء، فيمكن أن يكتب الإنسان ببساطة على الموبايل، فبدأت أكتُب قصائِد في القطار فعلاً.  كنت أشعُر أنها قصائِد نفَسَها سريع، القطار يجري ونحن نكتب، فتشعُر أنّ أيضاً سرعة القطار تنعكِس عليك

زاهي وهبي: إيقاع مُختلِف

لمياء المُقدِّم: إيقاع مُختلِف تماماً، وفعلاً عندما تقرأها تحسّ أنّ هذه القصائِد هي إمّا مكتوبة في قطار أو على طريق سريعة، فبالتأكيد المكان عنده تأثير. أيضاً هناك مثال، دائِماً أنا

زاهي وهبي: بحور الشعر العربي التقليدية آتية من إيقاعات

لمياء المُقدِّم: صح، الشمس والقمر والوديان ولا أعرِف ماذا. هناك مثال أيضاً أنا أُكرّره وهو مثال الحديقة. هناك الحديقة عندها مفهوم مُغاير للحديقة عندنا في العالم العربي. نحن طبعاً قطعة أرض صغيرة مُلحقة بالبيت نزرع فيها ورداً وما إلى ذلك

زاهي وهبي: إذا توفّرت

لمياء المُقدِّم: إذا توفّرت نعم. بالنسبة للحديقة في الثقافة الغربية هي عالم كامل، هي حياة، هي بيت موازٍ للبيت، يعني الناس تعيش في الحديقة فعلاً

زاهي وهبي: تقرأ تكتب تأكل تشرب

لمياء المُقدِّم: لأنّ الأجواء باردة فعندما تظهر الشمس يخرجون للحديقة ويخرجون بكلّ أشيائهم، يعني بالقهوة بالأكل والشرب والمفروشات والكرة والأطفال والمياه، فحياة كاملة تستجدّ في الحديقة فيظهرون في الحدائِق ويكتبون في الحدائِق ويقرأون في الحدائِق وينامون في الحدائِق وتسمع الجارة وهي تحكي وتسمع صوت الملاعق في الصحون في بيت الجيران وكذا، فالحديقة عالم. بالتالي تعقيباً على كلامك، المكان يؤثِّر نعم، المكان يؤثِّر

زاهي وهبي: إسمحي لنا أن نستمع إلى رأي، سنسمع مجموعة آراء في تجربتكِ اليوم، نبدأ مع الشاعرة "فاتِنة الغرّة". "فاتنة" شاعرة فلسطينية مقيمة في (بروكسيل) ولديها صالون أدبي كما فهمت، فلنستمع إلى رأيها في تجربتكِ الشعرية

لمياء المُقدِّم: أوكي

كلام يوصل

فاتنة الغرّة – شاعرة: صعب جداً على المرء أن يحكي عن صديق، ومن الصعب جداً ألّا يعرِف أن يجد الكلام والمفردات. هي صديقة ورفيقة غربة، تعرّفت عليها منذ بدايات وجودي في (بلجيكا)، كان لي سنة أو سنتان والتقينا في فعالية ثقافية ومن يومها بدأت العلاقة تنضُج وتكبر رويداً رويداً. أنا منحازة لنصّ "لمياء" واستضفتها عندي في الصالون أكثر من مرّة، ثمّ أنا أحب شغلها وأحبّ المنطقة التي تكتب فيها وفي الوقت نفسه، حالياً أنا أقرأ في الرواية الأولى التي ترجمتها "لمياء" وأثناء قراءتي أستمتع جداً في عالم الرواية وفي نفس الوقت في اللغة المنقولة إليها الرواية وهي العربية. "لمياء" كائِن مُبهِج، امرأة مليئة بالحياة، هي تحتفي بجمالها، هي تحتفي بحياتها هي تحتفي بشِعرها، هي تحتفي بحبها. "لمياء" الامرأة التونسية التي تربّت على يد "بورقيبة" في مُجتمع حرّ فعلاً، يحترم المرأة ويُعطيها مكانتها كما يليق بها، فكلّ هذا ساهم، بالإضافة إلى طبيعة شخصية "لمياء"، فهي شخص ليس مهادناً جداً، يعني يواجه ويقول، عنده موقف في الحياة، وهذا شيء مُهمّ عند الكاتب تحديداً، أن يكون عنده موقف. في الحقيقة، ربما من الأشياء الجميلة أيضاً في "لمياء" هو "ياسر" أو علاقتها بـ "ياسر". أنا أراها علاقة شعرية أكثر، ينتصران فيها للشعر والحب أكثر من الالتزامات والارتباطات المفترضة عليهما. الكثير من الناس يظنونهما أصحاباً ويسألونهما، " أنتما متزوّجان أم أصحاب"؟ فيقولان لهم، " لا، نحن متزوجان". كم غيّرت بك شعرياً وإنسانياً علاقتكِ بـ "ياسر"؟ كم تغيّرت لغتكِ الشعرية؟ كم ذهبتِ إلى مناطق ربما لم تتمكّنين من الذهاب إليها قبلاً أو لم تكن موجودة قبلاً، لكن وجود "ياسر" أو علاقة حبكِ به جعلتك تنتقلين إليها؟ أعتقد أن هذا هو السؤال الذي في ودّي أن أسأله لك، وبأمانة "لمياء" وليس مُجاملة لأنكِ أمام الكاميرا

زاهي وهبي: شكراً للشاعرة "فاتنة الغرّة"

لمياء المُقدِّم: حبيبتي "فاتنة"، نعم

زاهي وهبي: شهادة جميلة في حضرتكِ. تحدّثنا عن أثر المكان في النصّ والآن نتحدّث عن أثر "ياسر الزيّات" الشاعر الصديق الذي هو زوجكِ في الوقت نفسه

لمياء المُقدِّم: صحيح

زاهي وهبي: تفضلي، أجيبي

لمياء المُقدِّم: ما لفت انتباهي أنها قالت " من الأشياء الجميلة في لمياء هو ياسر"، يعني تعتبر "ياسر" من أشيائي، فالجملة أعجبتني قليلاً لكنها ليست صحيحة تماماً

زاهي وهبي: لنرى إن كانت تُعجِب "ياسر"

لمياء المُقدِّم: لن تعجِب "ياسر" بالتأكيد. سؤالها مهم جداً لأنني أعتقد أنّ علاقتي بـ "ياسر" أضافت لي الكثير، ليس مُجاملةً فيه لأنه زوجي، هو طبعاً شاعِر معروف، والناس كانت دائِماً تعتقد أنّ وجود شاعرين مع بعضهما البعض هو إشكال كبير

زاهي وهبي: يخلق تصادماً

لمياء المُقدِّم: يخلق تصادماً وربما تنافساً

زاهي وهبي: وغيرة

لمياء المُقدِّم: ولا أدري ماذا. نحن دائِما نحكي مع بعض في هذه النُقطة

زاهي وهبي: وحصل. هناك زيجات من هذا النوع اصطدمت بجدران بسبب التنافس

لمياء المُقدِّم: أجل موجودة كثيراً، عندي كتاب ترجمته يتناول سيرة حياتهم، موجودة جداً وكثيرة ومنتشرة. "ياسر" أكيد أضاف لي الكثير وأنا ممنونة لوجوده في حياتي لأنّ من غير "ياسر" لكان طعم الحياة مختلفاً تماماً، وهو قارئ جيّد جداً ويقرأ نصوصي ويُشجّعني، وأهم ميزة في "ياسر" أنّه دائِماً يدفع إلى الأمام ودائِماً يدفع إلى ما هو أفضل وينتقد بشكلٍ جيِّد

زاهي وهبي: بارك الله فيه. سنستمع الليلة لرأيه في تجربتكِ، طبعاً كلّ الاحترام للتونسيات وللحقوق التي حصلن عليها وحافظن عليها رغم مُحاولات جرت بعد الثورة لتقليص تلك الحقوق. لكن هناك سؤال يخطُر في بالي وربما في بال كثيرين، لماذا لا تتحدّثين باللهجة التونسية؟ يعني عندكِ كلمات تونسية تمرّ لكن لهجتكِ خليط من لهجات

لمياء المُقدِّم: نعم، ربما السبب هو أنني أعيش خارِج (تونس)

زاهي وهبي: عشرون سنة في (لاهاي)؟

لمياء المُقدِّم: أكثر من عشرين سنة

زاهي وهبي: كنتِ طفلة يعني

لمياء المُقدِّم: اللهجة لا تولد معنا، لا نولد ومعنا لهجتنا، نحن نتعلّم اللهجة

زاهي وهبي: ذهبتِ طفلة إلى (لاهاي)

لمياء المُقدِّم: شكراً على المُجاملة لكن تقريباً، ذهبت Baby صغيرة

زاهي وهبي: لماذا تركتِ (تونس)؟

لمياء المُقدِّم: للدراسة

زاهي وهبي: للدراسة

لمياء المُقدِّم: نعم

زاهي وهبي: أنت درستِ أدب عربي في (تونس)

لمياء المُقدِّم: درست ( أدب عربي) في (تونس)، في (سوسة) تحديداً وبعدها خرجت للدراسة في (بلجيكا) ومن (بلجيكا) مررت إلى (هولندا) واستقرّيت هناك وأنجبت أولادي وكذا

زاهي وهبي: عندكِ "مهدي" و"يوسف"؟

لمياء المُقدِّم: عندي ولدان، "مهدي" و"يوسف"

زاهي وهبي: الله يخلّيهما

لمياء المُقدِّم: ربّي يخلّيك، شكراً. فبالنسبة للهجة، نكتسبها من المُحيط حولنا، فأنا عندما كنت في (تونس)، طبعاً كلّ المُحيطين بي كنّ تونسيات ولهجتهن تونسية فبالتأكيد أخذت هذه اللهجة. الآن أنا في أجواء أُخرى، هناك عراقيون، سوريون، مغاربة، تونسيون، وبعد ذلك فكرة الانفتاح على الآخر أيضاً بالنسبة لي، تلاقح اللهجات ليس مضراّ أو كما يدّعي البعض أنه يُذهِب بالهوية أو يُفقِدك هويتك. لا، أنا أرى أنّ اللهجات عندما تتماشى وتتقارب هذا دليل على أن الشخص منفتِح على الآخرين، مُتسامح، متقبِّل لثقافتهم، مستوعِب أيضاً

زاهي وهبي: على سيرة اللهجة، حضرتكِ رددتِ بعُنف على مقالة كتبها الشاعر الأُستاذ "عبدو وازن"

لمياء المُقدِّم: نعم

زاهي وهبي: في جريدة "الحياة" انتقد فيها الفنانة والممثلة اللبنانية "مادلين طبر" التي تعيش منذ عقود في (مصر)، في (القاهرة)، انتقدها بسبب لهجتها، لأنها تتحدّث باللهجة المصرية وليس باللهجة اللبنانية وبسبب تغيّرات طرأت على شكلها، بفعل التجميل وهو حق لها وليس لأحد الحقّ في انتقاده. حضرتكِ رددتِ بعنف على "عبدو وازن"، لماذا؟

لمياء المُقدِّم: ليس عنفاً، لم أستعمل العنف اللفظي ولا

زاهي وهبي: أعني كنتِ متحمّسة جداً

لمياء المُقدِّم: أنا تحمّست لفكرة أنّه أولاً دفاعاً عن "عبدو وازن" نفسه لأنّ "عبدو" صديق وأنا أُحبّ "عبدو" وأقرأ له والتقيت به في "سيت"، في مهرجان في (فرنسا) لمدة عشرة أيام كاملة وكنّا نسهر معاً ونحكي وما إلى ذلك. فأولاً دفاعاً عن "عبدو" نفسه لأنني لم أُحبّ أن يدخل منطقة وجدت أنه أعلى منها بقليل، كان يُمكن أن يكتب في مواضيع أفضل من هذه. بالنسبة لـ "مادلين طبر"، هو ناقش أعمال التجميل كما أسماها، كما تقول أعمال الحفر أو أعمال التنقيب وليس حتّى عمليات، هو قال أعمال التجميل أو أشغال 

زاهي وهبي: هذه حريتها الشخصية

لمياء المُقدِّم: هي حرية شخصية في الدرجة الأولى، هي حرّة إضافةً إلى أنّني دائِماً أُدافع عن فكرة رئيسية لي هي فكرة تقبّلنا للآخر والتسامح معه. لا ندري دوافعها ولماذا أجرت هذه العمليات، اختفت فترة طويلة، وأنا "مادلين طبر" لا أعرِفها لكن أتذكّر حين كنّا صغاراً أنها كانت تؤدّي دبلاج بصوتها على أفلام الأطفال يعني الصوَر المتحركة، فأنا أُحب صوتها لكن كشخص لا أعرِفها نهائياً. لكن فكرة أنني كنت أُريده أن يكون ألطف فقط، فكرة أنّ الإنسان من اللازم أن يكون لطيفاً مع الآخرين وخاصةً أننا لا نعلم دوافعها ولا نعرِف لماذا اختفت ورجعت، ربما بسبب شكلها الذي هو هاجمه في النهاية

زاهي وهبي: أنا سؤالي مردّه شيء آخر، خلفيته حق الإنسان في أن يتصرّف بشكله وبجسده

لمياء المُقدِّم: أكيد

زاهي وهبي: حقّه أن يتصرّف بلغته، بلهجته

لمياء المُقدِّم: ليس أن يتصرّف، هو لم يُقرّر أن يحكي فجأةً لهجة مصرية

زاهي وهبي: شخص عاش عشرين سنة في (القاهرة)، من الطبيعي أن يتحدّث بمفردات مصرية

لمياء المُقدِّم: على فكرة "زاهي"، الأشخاص الذين لهجتهم

زاهي وهبي: الذي يعيش في (بيروت) يتحدّث بمفردات لبنانية

لمياء المُقدِّم: الذين لهجتهم تتغيّر هؤلاء أشخاص يتميّزون بالهشاشة، حسّاسون. هم حسّاسون لكلّ شيء حولهم، بالتالي حساسيتهم للهجات أيضاً عالية، يلتقطون بسرعة. وهؤلاء الأشخاص فنانون وحسّاسون، فنحن ليس من اللازم أن نُهاجمهم لأنهم امتلكوا لهجات أُخرى، هذا الانفتاح تحديداً وهذه الحساسية وهذه الهشاشة هي التي تجعلهم يلتقطون أو يتمثلون ثقافات أُخرى

زاهي وهبي: للحقيقة أنا سألت لأننا فتحنا موضوع اللهجة التونسية التي حضرتكِ لم تتخلّي عنها بل فقدتها مع الوقت ومع العيش. ذهبتِ للدراسة

لمياء المُقدِّم: نعم

زاهي وهبي: لكن منذ أكثر من عشرين سنة، ألم تنتهي من الدراسة؟

لمياء المُقدِّم: ذهبت لدراسة شيء مُعيّن وتخلّيت عنه ودرست شيئاً آخر وبعد ذلك اشتغلت وتزوّجت، يعني الطريق اختلفت. أحياناً الإنسان يكون متوجهاً إلى هدف معيّن

زاهي وهبي: الأقدار

لمياء المُقدِّم: فيذهب المسار إلى اتجاه آخر، وفي النهاية ليس من الضرورة، ربما هو الاتجاه هذا والخيار الذي لم يكن هو متّجهاً إليه، هو في الحقيقة الهدف الذي كان من اللازم أن يصل إليه

زاهي وهبي: صحيح. إسمحي لنا أن نتوقف مع استراحة سريعة ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

من شعر لمياء المُقدِّم:

علّمكِ أن تظلّي في مكانكِ إذا تُهتِ

حتّى إذا عاد الذين أضاعوكِ أدراجهم وجدوكِ

لا أحد أخبركِ ماذا تفعلين إذا لم يعودوا

حياة كاملة مرّت

في انتظار الريح التي تركتكِ

في الساحة الكبرى

تدورين بفستانكِ الورديّ في الفراغ – لمياء المقدِّم

 

 

المحور الثالث:  

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام نُتابع "بيت القصيد" مع الشاعرة والكاتبة التونسية "لمياء المُقدِّم". سيّدتي كتبتِ مؤخّراً، عندكِ عشرات المقالات حضرتكِ ولا يُمكنني أن أتوقّف عند كلّ مقالة، ولكن لفتتني مقالة عن ضرورة التربية على الحبّ. في عالمنا اليوم، العالم بشكلٍ عام، ولكن في عالمنا العربي بشكلٍ خاص، هناك الكثير من الكراهية والضغائِن والأحقاد والتشظيات، وتعرفين حضرتك، متابِعة وتعرفين. هلّ مسألة الحبّ مسألة سهلة؟ أن نتربّى ونتمرّن أو أن نُحبّ، هلّ من السهل أن نُحبّ الآخر مثلاً، المُختلِف في الدين، في الرأي، في العقيدة، في العِرق؟ وحضرتك تعيشين في بلد أعتقد فيه الكثير من الأعراق والثقافات

لمياء المُقدِّم: نعم. فيلسوف لا أذكُر إسمه يقول، إذا أحببنا بعضنا البعض لا نحتاج إلى كلِمة أُحبك لأنّ الإحساس يصل. نعم، يُمكن أن نتربّى على الحب بمعنى أن الآن مثلاً في الثقافة العربية يربّون الرجل على أن يكون خشناً وقوياً

زاهي وهبي: ولا يجوز أن يُعبِّر عن عواطفه

لمياء المُقدِّم: ولا يُعبِّر عن عواطفه ومن اللازم أن يكون يواجه وقوياً وعنيفاً. وهذه التربية تنعكِس عليه لاحقاً لأنّه في فترة من الفترات يُصبِح أي شعور بالضعف أو أي شعور بالحبّ يشعر بأنه ضعف ومن اللازم أن يقاومه بمشاعِر أُخرى، فيذهب ليصرِّف هذه المشاعِر، مشاعِر الحب، في قنوات أُخرى، قنوات الغضب. أنا منذ فترة رأيت أحدهم تشتكي زوجته من أنه عندما يأكل معها لا يعبّر لها وقال لهم "هذا حبّ"، وأنا لم أفهم كيف يُمكن أن يحب أحدهم واحدة ولا يعبِّر لها، لكن هو يقصد أنه لا يقدر أن يُعبِّر عن هذا الحب، وهناك أناس كثيرون لا يعرفون كيف يحبون ولا كيف يصلون إلى الحب، وأنا قابلت كثيرين يقولون لك، أنا لم أُجرّب الحب ولا أعرف أن أحب لأنني لم أنشأ على الحب ولا أعرِف ما هو

زاهي وهبي: نعم، دائماً في ثقافتنا كانت هناك مسألة التعبير عن المشاعر وكأنه عيب، كأنه لا يجوز

لمياء المُقدِّم: تحديداً الرجل

زاهي وهبي: حتّى الرجل إذا بكي، الرجل لا يبكي مثلاً

لمياء المُقدِّم: وأنا أيضاً كتبتُ مقالاً في هذا، من حق الرجل أن يبكي، لماذا الرجل لا يبكي؟ على العكس، هو كائِن مثله مثل كلّ الكائِنات وحسّاس وهش. هو موجود فيه الحبّ لكن الذي يحصل عند الرجل أنه يُصرِّف هذه المشاعِر التي هو يعتقد وتربّى على أنها ضعف، يُصرِّفها في قنوات أُخرى، مثلاً في الغضب، لا أعلم، لكن في النهاية هو يُحبّ أن يُغطّي على هذا الحبّ بأيّة طريقة

زاهي وهبي: ربما لو صرّفها في أماكنها الطبيعية لكانت الأمور مُختلِفة جداً

لمياء المُقدِّم: المفروض الطبيعي أن يُصرِّفها في مواقعها الطبيعية. إذا يُحب أحدهم يقول له أحبك فقط وببساطة ويتعلّم أن يُحب. نحن نتعلّم أيضاً الحبّ لأنه مثلما قلت، إذا تربينا على الكراهية وعلى الخشونة وعلى الصلابة وما إلى ذلك لكن من اللازم أن نتربّى على أن نُحبّ، نتربّى مثلاُ، أنا أُعطيك مثالاً. في (أوروبا) مثلاً وأنا أولادي يدرسون في مدرسة، فكرة الحبّ هذه تبدو من سن صغيرة جداً من سنّ ست سنوات أو خمس سنوات يبدأ الطفل في المدرسة يقول لك، أُحب هذه ويُساعدونهم. أنا مرة في عيد العشاق "فالنتاين" الباب عندنا

زاهي وهبي: أعرِف كيف تكون الأبواب

لمياء المُقدِّم: نعم، فيه شقّ

زاهي وهبي: يمرّ منه مُغلّف أو شيء

لمياء المُقدِّم: بالضبط. فدخلت رسالة في الرابع عشر من فبراير/ شباط، ونحن نقول فبراير، فتوجهنا للباب ووجدنا رسالة من بنت تدرُس مع ابني في المدرسة، صغيرة جداً، ثماني أو تسع سنوات. لكن هي أعلَمت أُمها بأنها تُحبّ ابني فأركبتها والدتها على الدراجة وجاءت بها ووضعت رسالة في بيتنا في فبراير. فهم يُعلّمونهم، يمشون معهم ولا يعاكسونهم. عندنا يقولون للبنت عيب وصغيرة على الحب ولا أعرِف ماذا وهذه المشاعر لا زلتِ صغيرة عليها

زاهي وهبي: كانوا يعلّمون البنات سابقاً، بعض العائِلات ترفض أن تتعلّم البنت القراءة والكتابة كيلا تكتُب رسائِل حبّ لحبيبها

لمياء المُقدِّم: نعم

زاهي وهبي: تقولين حضرتكِ على سيرة الحب، "أحببت دائِماً أولئِك الذين ينقصهم شيء في كلّ شيء"

لمياء المُقدِّم: نعم

زاهي وهبي: أتحبين النقصان؟

لمياء المُقدِّم: نعم

زاهي وهبي: لماذا؟

لمياء المُقدِّم: لا أُحبّ فكرة الكمال

زاهي وهبي: قلتِ، لا أُحب الوسيمين جداً ولا الأذكياء جداً ولا لا أعرف ماذا جداً

لمياء المُقدِّم: صحيح، قلت هذا الكلام في إطار أن كلّ حاجة مُكتملة أشوف فيها قبح ما، والقبح الوحيد الذي عندها وذنبها الوحيد أنها اكتملت، باختصار يعني. أُحبّ الأشياء التي في طور التغيُّر، التي هي في حركة. وأحياناً حتّى القبح نفسه، نحن نتعامل مع القبح على أنه شيء مُنفِّر وشيء كريه لكن القبح نفسه نسبي، حتّى الجمال نسبي. الأشياء التي أنا أراها جميلة ممكن غيري ألّا يراها جميلة. لكن فكرة النُقصان آتية من أن الأشياء مُتحرّكة وأنا أُحبّ الأشياء التي تتحرّك والتي هي في طور أن تتشكل باستمرار. الكمال وصول، الكمال يعني كما قلت أنت منطقة آمنة ومنطقة مُغلقة على نفسها. لا، أنا أُحبّ المناطق المفتوحة والحركة

زاهي وهبي: أستعير من أحد نصوصكِ أو من إحدى قصائِدكِ، ماذا سرقت منكِ الحياة؟ تقولين حضرتكِ ربما على غلاف هذا الكتاب، إسمحي لي أن أقرأ أنا ما هو على غلاف كتابكِ الذي هو بعنوان، "انتهت هذه القصيدة، انتهى هذا الحب"، منشورات "دار آفاق". تقولين، إن شاء الله أقرأ صح:

سَرَقَت منّي الحياة

لمياء المُقدِّم: سُرِقَت منّي الحياة

سُرِقَت منّي الحياة، الخفقة الأولى

الصرخة التي تبعثُ الهواءَ في رئة الكون

السارِقُ أخي، ينظُر ولا يُصدِّق

أنه يسرقني

لا يُصدِّق أنّ في عينيه مخزناً معبأً

باللحظات التي سرقها منّي

من سعادتي، ضحكتي،

تقلّباتي في الفراش، همهماتي

لفتتي، من رجفتي، من لذتي

من الحبّ الذي كتمته لأجلِه

لأجلِ ألّا يتعذب أو يتألّم

السارِق أخذ كلّ شيء

ولا يدري أنه الآن صار أميناً

على مخزن سعادتي

عليه أن يفتح بابه كلّ صباح

ويُهوّي أركانه

أن يشطف مدخله ويُنير أضواءه

أن يضع أمامه كرسياً ويجلس

من مطلع الشمس حتّى مغيبها

السارق أخي، حارس المخزن

صاحب العُهدة، حامل المُفتاح

زاهي وهبي: من هو هذا السارق؟

لمياء المُقدِّم: هو أخي كما جاء في القصيدة

زاهي وهبي: من هو هذا الأخ؟

لمياء المُقدِّم: هو الآخر باختصار لأنّ الإنسان دائِماً في حركة تماس مع الآخرين، ممكن أن يلتقي معهم وممكن أن يصطدم معهم، ويُمكن أن يأخذ منهم ويُمكن أن يُسرق منهم، هم يأخذون منه. فنحن في حال جدل مُستمرة مع الآخر، نُعطي ونأخذ، وربما هذا الأخذ أحياناً يصل إلى مرحلة السرقة، يعني يؤخَذ منك الكثير، فتحسّ أنه سُرِقت منك بعض الأشياء. ربما أنت لست على حقّ، وهو يعتبر ربما أن هذه الأشياء ملكه وأنت السارِق، وبالتالي نحن في حال جدل متحرِّك باستمرار

زاهي وهبي: هو دائِماً يأخذ منّا سواء أحببناه يأخذ الحب

لمياء المُقدِّم: هو يأخذ ويُعطي

زاهي وهبي: وإذا كرِهناه يستنزف منّا مشاعِر والعكس صحيح، مثلما تفضلتِ طبعاً

لمياء المُقدِّم: هو يأخذ ويُعطي، نحن نأخذ ونُعطي

زاهي وهبي: طبعاً، لا غنى عن الآخر

لمياء المُقدِّم: لا طبعاً، لا غنى عن الآخر، على العكس

زاهي وهبي: قبل أن أسألكِ

لمياء المُقدِّم: نحن أصلاً وجودنا مرهون بالآخر، نحن غير موجودين إذا لم يكن الآخر موجوداً. حتّى السارِق الذي يسرق منك، في النهاية من اللازم أن تكون أنت موجوداً ليتمكّن من سرقتك. وفي النهاية أيضاً هذا يعني أنّ لديكَ ما يُسرَق

زاهي وهبي: نعم، جيّد

لمياء المُقدِّم: جيّد أجل، بالتأكيد

زاهي وهبي: خصوصاً على مُستوى النصوص اليوم على الـ " فيسبوك" و"تويتر" وهذه المسائِل. يعني الكثير من النصوص تُسرق والجُمل الشعرية لا تُنسَب إلى أصحابها، لكن هذا معناه أنها جيّدة حتّى تُسرَق

لمياء المُقدِّم: صحيح، إذا أنت محلّ سرقة فمن اللازم أن تكون مسروراً في النهاية

زاهي وهبي: قبل أن نسألكِ، سنعود إلى ماذا سرقت منكِ الحياة، دعينا نسمع شهادة أيضاً في تجربتكِ وهذه المرة من (مصر)، من الكاتب والصحافي والصديق "سيّد محمود"

كلام يوصل

سيّد محمود – كاتب: ربما تكون معرفتي بـ "لمياء المقدم" المُترجمة أفضل بكثير من معرفتي بالشاعرة الصحافية لأنّ هذه المعرِفة أصلاً تأسّست على الرواية التي كنت قد قرأتها وهي مُترجمة من خلال "لمياء" وهي رواية "أنت قلت لي". الرواية مُترجمة عن الهندية لكنّها تدرس تجربة استثنائية ربما في تاريخ الشاعر المُعاصر وهي زواج الشاعر الشهير "تيدي هيوز" Ted Hughes من الشاعرة الأميركية "سيلفيا بلاث" Sylvia Plath، قصة هذا الزواج والحبّ والعلاقة نفسها هي قصّة متوترة بطبعها وتنتهي بواقعة انتحار، وهناك أكثر من شكل من أشكال المُغامرة داخل النص، حتّى في الأصوات التي تتم رواية النص من خلالها صوت الشاعر الشهير "تيدي هيوز". المُلفِت في هذا النص والذي يُظهِر كفاءة المُترجِمة أنه، بما أنه يستعير صوت الشاعر فتكاد تكون المسافة منعدِمة ما بين الراوي أو السارِد في النص وصوته في أشعاره. الوصول إلى درجة التوتّر هذه كان من الصعب أن يصلها القارئ إلّا في وجود مُترجِم أو مترجمة لها علاقة قوية جداً بالشِعر لأنّ حساسية اللغة في نص من هذا النوع تحتاج إلى تجربة لدى المُترجِم، فيها رغبة في الحوار مع النصّ وأن تكون في نفس القدر، أو أن التحدّي الأساسي بما أنّ الترجمة خيانة طوال الوقت، أن تكون هذه اللغة متساوية أو على نفس الدرجة التي تُمثِّل النص الأصلي. وأعتقد أنّ كلّ من قرأ الرواية كان من السهل عليه جداً أن يلمس هذا التوازن. هي للحقيقة لغة موزونة بميزان مائي كما نقول في (مصر)، أي لا توجد فيها مطبّات من أيّ نوع، هي لغة لامعة ومُضيئة وتُشبه صفحة الماء. أُستاذة "رانيا المُقدّم"، كلّما قرأتُ لكِ مقالاً أسأل نفسي متى ستتوقّف "لمياء المُقدّم" عن الانشغال في قضايا النساء والنظر في موضوع آخر، لأنّ كلّ مقالاتكِ تكاد تكون مشغلة انشغالاً تاماً بهذا الموضوع. أتمنى أن أقرأ لكِ مقالاً ولو حتّى عن الأمومة أو شكل البحر في (بيروت) مثلاً

زاهي وهبي: شكراً لـ "سيّد محمود"، تفضّلي

لمياء المُقدِّم: أولاً الأُستاذ "سيّد" أنا سعيدة بما قاله حول رواية "أنت قلت لي". هو سبق وعبَّر عن هذا الرأي وأنا سعيدة جداً أنّ الرواية أعجبته

زاهي وهبي: سنعود إلى موضوع الترجمة وشغلكِ على الترجمة، لكن في موضوع اهتمامكِ بالنسوية وأن مقالاتك في مُعظمها تُركِّز على هذا الأمر

لمياء المُقدِّم: أنا لا أرى أنني مهتمّة بالنسوية. هو قال، أتمنّى أن تكتب رواية أو تكتب مقالاً عن الأُمومة، أنا أكتُب كثيراً عن الأُمومة. مقالاتي هي في إطار إحساس أو شعور بوجوب التثقيف. التثقيف وتعويد الناس أو تعويد القارئ على أن يلمس جمال الأشياء في علاقاته، في بيته، جمال من حوله في كلّ حاجة يقوم بها سواءً في علاقته بالآخر أو علاقته مع الأشياء أو علاقته في المكان

زاهي وهبي: يؤنسِن علاقته بما حوله، كلّ ما حوله

لمياء المُقدِّم: يعني يُضفي من نفسه على ما هو حوله لأنه في النهاية ترى أحياناً أنّ الناس منشغلة جداً بالحياة لدرجة أنها

زاهي وهبي: تنسى نفسها

لمياء المُقدِّم: تنسى نفسها ولا تُنصِت إلى صوتها الداخلي وتهدأ قليلاً وتأخذ نفساً وتنظُر من حولها لترى الجمال وترى الأشياء. ما أقوم به في هذه المقالات هو هذا الشيء. وأنا تقريباً أقول للناس الذين يقرأون لي، أقول لهم، تعالوا نجلِس ونحكي في موضوع من زاوية معينة، هي موجودة حولكم وموجودة ربما داخلكم أو من حولكم لكن أنتم لا ترونها، وأنا أحب اليوم أن نذهب إليها معاً فقط سواءً في علاقتنا بأولادنا، في علاقتنا بأزواجنا، في علاقتنا بالبيت، بالأصدقاء

زاهي وهبي: حلو، حلو أن يكون الإنسان مهتمّاً بالجمال، أن يدلّ على الجمال وسط كثير من البشاعات والقباحات

لمياء المُقدِّم: في وسط مشاغل ولهاث مُستمر وجري مُستمر والناس غير قادرة على أن ترى الأشياء وترى جمال الأشياء من حولها، والمقال هذا أنا أعتبره تقريباً مثلما قلت لك الآن أو أُحاول على الأقل أن أُبقيه في هذا الشكل، هو أنه هدنة صغيرة مع القارئ وأقول له تعالى نرى نُقطة مُعينة في هدوء ونرى ماذا يُمكن أن نجِد فيها ما هو موجود في الحقيقة لكن نحن لم نكن نراها. هي الأشياء كلها التي أكتُب فيها كلّها حاجات موجودة وكلّها أشياء عادية وبسيطة في الحياة اليومية لكن ممكن من زاوية مُختلفة

زاهي وهبي: هذا الذي قلته في تقديمي أنا، أنّ حضرتكِ تنظرين للمسائِل من زوايا غير مألوفة أحياناً. لو سمحتِ قبل أن أتوقف مع استراحة أخيرة ولاحقاً نأتي إلى الحديث عن شغلكِ في الترجمة، ممكن أن نقرأ أيضاً إذا سمحتِ نموذجاً آخر من نصوصكِ؟ إذا تُريدين

لمياء المُقدِّم: سأقرأ قصيدة بعنوان "فستانٌ قصير"

إذا منعتني من ارتداءِ فستانٍ قصيرٍ

ماذا سيبقى لنصحى من أجله؟

ترى ركبتيّ النافرتين إغواءً       

ولا ترى ما في القدمين من محبّة

أتعرِفُ أنّي صنعتُ هذين الركبتين

من عُلبِ صفيحٍ قديمةٍ وعصيٍّ

تركها أبي معلّقةً على جدران غرفته؟

ركبتايَ لأسبابٍ كهذه

لا تغريان أحدَ

عندما جريتُ وعندما سقطتُ

عندما أحببتُ وعندما بكيتُ

حضنتُ ركبتيَّ كقِطعٍ ممزّقةٍ

من قلبٍ صغيرٍ

ومرّةً أكلتُ ركبتي اليُسرى

وأنا أُشاهِدُ فيلمَ الجوع

واقفةٍ على قدمٍ واحدةٍ

وظهري مُسندٌ للجدار

لو أنّك نظرتَ جيداً

لما رأيتَ في ركبتيَّ ما يُغري

ولطلبتَ منّي أن أُعرّي كتفيّ أيضاً

وصدري

أن أمشي معكَ في الشارع عاريةً

كورقة غارٍ

ليس الجسدُ ما يظهرُ للبشرِ

الجسدُ فكرةٌ

لو نظرت جيداً لتركتني

أُزيِّنُ ركبتيَّ بأشرِطةٍ ملونةٍ

أجرّهما خلفي في الملاهي

أمنحهما من حينٍ لآخر

قطعة حلوى

وأصرُخ حين تتشاقيانِ أو تخبطان

في بركةِ ماءٍ

آخر النهارِ أربطهما بحبلٍ في رقبتي

وأعود زحفاً على عُرقي

أنت على حقّ

الحبُّ رحلةٌ شاقة

زحفٌ دائِمٌ باتجاه الآخرِ

إذا مددتَ يدك الآن ولمست

الجلد الناعمَ

ستجِدُ حجرين يتيمين

ينشران البؤسَ

زاهي وهبي: شكراً على القراءة، وجميلة هذه الدعوة إلى التعامُل مع الجسد ليس فقط كغواية إنما هذا الجسد يحمُل الكثير من المُعاناة والكثير من

لمياء المُقدِّم: لا، أنا أذهب إلى ما هو أبعد من ذلك

زاهي وهبي: نعم

لمياء المُقدِّم: الجسد عقل، عقل موازٍ للعقل الذي نُفكِّر به لأنّ الجسد أيضاً لديه أحاسيس، وهذه الأحاسيس والانفعالات التي فيه ليست من البساطة التي نتخايلها. نحن دائِماً نُصنِّف أن ما يُنتِجه العقل هو الفِكر وبالتالي فهو في مُستوى أرقى، ليس نحن بل "أفلاطون" و"أرسطو". هي هذه النظرة، أن الجسد وضيع والفِكر في مرتبة أعلى. أنا أرى أنهما على نفس المُستوى، الفكر والعقل والجسد، والجسد عقلٌ آخر يُفكِّر ونحن يجب أن نستمع إلى أيضاً ما يقوله الجسد وما يُفكِّر فيه الجسد أيضاً

زاهي وهبي: جميل. لو سمحتِ لي نتوقف مع استراحة سريعة ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

 

المحور الرابع:

زاهي وهبي: مُشاهدينا، القسم الأخير من "بيت القصيد" مع الشاعرة والكاتبة التونسية السيّدة "لمياء المُقدِّم". سيّدتي قبل أن أسألكِ عن الترجمة وعن شغلكِ على روايتين مهمتين نقلتهما من اللغة الهولندية إلى اللغة العربية. ‘سمحي لنا أن نُسمِعكِ، لأنّ سؤاله له علاقة إلى حدٍّ ما بموضوع رأي على طريقة وشهِد شاهدٌ من أهلِه. حضرتكِ حكيتِ عن زوجكِ عن الشاعر والصديق "ياسر الزيّات"، دعينا نسمع "ياسر" وماذا يقول عن "لمياء المُقدِّم"

كلام يوصل

ياسر الزيات – شاعر وصحافي: "لمياء" ليست مُجرّد زوجة أو حبيبة، يجمعنا أيضاً حبّ الشِعر وحبّ الموسيقى، حبّ الآداب، حبّ الفنون بشكلٍ عام. كلّ هذه تجعل الحياة المُشتركة بيننا ليست حياة عادية في الحقيقة. أحببت "لمياء" وارتبطنا ببعض بسبب الشعر. أحببت كثيراً أنها تكتب بلغة خاصة، في نفس خاص، في إحساس خاص بها وإحساس ذو طابع أُنثوي، ليس مأخوذاً من قراءات، لا، مأخوذاً من خبرات حياتية انعجنت فيها وتظهر في نصوصها. الشعر كان البداية، بداية ارتباطنا مع بعض، لكن أيضاً مع الوقت اكتشفت أنها ليست فقط شاعِرة تكتب أحاسيس متدفّقة وفي لغة ليّنة وسلسة وبسيطة، والحقيقة أن خيالها أيضاً في الشعر هو خيال خاصّ. عندها صوَرها الخاصة، عندها لغتها الخاصة، عندها إحساس عالٍ جداً في اللغة التي تكتب بها، وفي الغالب تكتب انطلاقاً من الحياة. حياتها معجونة بشعرها، وليس هذا فقط، أكتشفت أيضاً أنّ "لمياء" فنانة تشكيلية. هي لا تحب أن تعترِف كثيراً بهذه المسألة، لكنها ترسم بشكلٍ حلو جداً. "لمياء" أيضاً، وهذا سرّ من الأسرار، صوتها حلو جداً، تُغنّي. تُغنّي بشكلٍ جميل جداً أُغنية "حلم" وهي من الأغاني النادرة لـ "أم كلثوم"، وهذه من الأوقات التي تجمعنا مع بعض. هي تكتب شعراً وأنا أكتب شعراً، هذا يحتاج مساحة من التفاهُم المُتبادَل، ليس التفاهُم، التفهُّم. وجود شاعرين في بيت واحد مسألة ليست سهلة لكنها مسألة ممتعة جداً إذا كانت ضمن مساحة التفهُّم والحرية اللتين يعطيهما كلّ واحد منّا للشخص الآخر. أنا أتمنّى أن تُركِّز "لمياء" أكثر في الكتابة، في إنتاج الشعر. عندها مشروع رواية أتمنّى أن تبدأ بكتابة رواية لأن لغة السرد عندها حلوة كثيراً وواضحة في شِعرها، ودائِماً عندها مشروع رواية تبدأ تُفكّر فيه وأنا أُحاول أن أُحرِّضها على أن تبدأ في الكتابة ولاحقاً تعود وتفكّر في البناء الروائي وطُرق السرد. هذا مشروع أتمنّى أن أراه قريباً منها، وأتوقّع أنها ستكون رواية مُهمة. "لمياء" سؤال، إذا "كوني بالمن" ستكتب قصة حياتنا أنا وأنتِ، من أية زاوية يُمكن أن تكتبها وماذا يُمكن أن تقوله؟

زاهي وهبي: جميل جداً ما قاله "ياسر الزيات" عنك، هل قال لكِ هذا قبلاً؟ سمعتِ هذا الكلام منه؟

لمياء المُقدِّم: لا. وأنا أمزح قبلاً قلت له، "ياسر" أنت طرحت عليّ سؤالاً، وأنا طبعاً شاهدت الحلقات وأعلم أنّ الضيف أو الشخص الذي يحكي عني أيضاً يسأل سؤالاً. فقلت له، قل لي السؤال لأُحضِّر الإجابة فلم يرض طبعاً وقال لي " لن أقول لكِ"، ولكن أنا قلت له، "عن الرواية"؟ فأنا طبعاً فهمت أنه ينتظر هذه الرواية ويحفّزني، كما قال هو، يعني يحرّضني على كتابة هذه الرواية لأنها تشغلني فعلاً

زاهي وهبي: ولكن دعيني أوضِح، "كوني بالمن" التي ترجمت روايتها حضرتكِ من الهولندية إلى العربية

لمياء المُقدِّم: نعم، صحيح

زاهي وهبي: هو سألكِ، لو كتَبَت رواية عنكما، من أية زاوية يُمكن أن تكتبها؟

لمياء المُقدِّم: لا أعلم، ممكن أن تكتب أنّ حياة شاعرين دائِماً فيها إثارة وفيها زوايا إشكالية كثيراً، وفيها من جهة، الحياة الزوجية عندها شروط طبعاً ومُتطلبات لكن في نفس الوقت من اللازم أن تحصل كشاعِر على مساحة كبيرة من الحرية، وليس فقط الحرية في التحرّك، الحرية في التفكير، الحرية في اللغة. أنا مثلاً لا أُحب أن أكتب قصيدة وأُفكِّر في أحد يقول، لماذا تكتُب في هذا الشكل؟ أو لماذا هي جريئة إلى هذا الحدّ؟ لا أُريد أن أُفكِّر في هذه الأشياء، أُحبّ أن أكتب بحرية تامة وبعدها التقييمات الأُخرى الأخلاقية وما إلى ذلك تخُصّ صاحبها في النهاية

زاهي وهبي: ومردّ السؤال ربما لأنّ "كوني بالمن" كتبت عن علاقة شاعرين اللذين هما

لمياء المُقدِّم: نعم، هناك من قال لي أنني ترجمت هذه الرواية لأنني أحسست أنها تشبهني قليلاً أو تُشبه قصتي مع "ياسر" لأننا أيضاً شُعراء وهي كتبت عن شاعِرين وعن حياتهما مع بعضهما وتمازجهما وكيف أضافا لبعضهما البعض وما الذي أخذاه من بعضهما البعض وما إلى ذلك. ودائِماً مثلما قلت لك، لا أعلم، أنا إجابتي لـ "ياسر " إذا "كوني بالمن" تناولت حياتنا فأعتقد أنها ستُركِّز على هذا الجانب، يعني شاعرين مع بعضهما وكيف تكون الحياة بينهما والإشكاليات التي تطرحها فكرة أنهما في نفس الوقت، ونحن لا نتشابه فقط في الشِعر، هو أيضاً صحافي وأنا صحافية فهناك زوايا كثيرة

زاهي وهبي: أنا أحببت كثيراً ما قاله عنكِ، أُحييه على هذا الإحساس وعلى هذا الموقف كرجل وكزوج وكحبيب وكشاعِر. في الترجمة لن أسألكِ السؤال التقليدي أنّ الترجمة خيانة للنص، وأجبتِ على كلّ حال في البداية. لكن ماذا أضافت؟ أنتِ اعتبرتِ الترجمة إضافة

لمياء المُقدِّم: صحيح

زاهي وهبي: ماذا أضافت لكِ الترجمة؟ خصوصاً أنكِ تترجمين من لغة ليست شائِعة

لمياء المُقدِّم: ليست شائعة وليست معروفة كثيراً                                     

زاهي وهبي: بالنسبة لنا خصوصاً كعرب. تترجمين من الهولندية وليس من الفرنسية أو الإنكليزية

لمياء المُقدِّم: الترجمة بالنسبة لي اكتشاف. أولاً أنا بدأت تجربة الترجمة وكنت خائِفة جداً. ترجمت ربما عشر صفحات وكنت متردّدة إن أُكمِل أو لا أُكمِل هذه الرواية لأنني لم أُترجم قبلها، كنت أُترجِم مثلاً قصائِد لبعض الشعراء الهولنديين أو أُترجِم حاجات بسيطة أو صغيرة لكن لم أُفكِّر نهائياً في ترجمة رواية مثلاً

زاهي وهبي: حضرتكِ لحدّ اليوم ترجمتِ

لمياء المُقدِّم: روايتين

زاهي وهبي: إحداها التي تحدّثنا عنها

لمياء المُقدِّم: لـ "كوني بالمن" وإسمها "أنت قلت" وهي تتناول هذين الزوجين الشهيرين "سيلفيا بلاث" و"تيدي هيوز"، والرواية الثانية إسمها "مالفا" وهي أيضاً في نفس تقريباً الخانة التي هي عن لسان ابنة "نيرودا"، "بابلو نيرودا"، لأنه كانت عنده ابنة وُلِدَت مُشوّهة وهو أخفى وجودها وتكتّم عن وجودها نهائياً

زاهي وهبي: أخفاها. غريب!

لمياء المُقدِّم: نعم، وهو شاعر الإنسانية

زاهي وهبي: وهو الشاعر الرومانسي والحبّ والإنسانية

لمياء المُقدِّم: نعم، شاعر ثورة

زاهي وهبي: ونضال

لمياء المُقدِّم: نعم، فهو يعني أخفى هذا الجانب من حياته إلى أن تمّ اكتشاف هذه الحقيقة مؤخراً في الحقيقة، في عام 2003 ربما اكتشفوا قبرها في قرية أو مدينة هولندية صغيرة

زاهي وهبي: ما هو عنوان الرواية بالعربية؟

لمياء المُقدِّم: إسمها "مالفا"، وهو إسم الإبن الثاني "رودال"، وأسماها على إسم وردة صغيرة تنبُت إلى جانب           

زاهي وهبي: عن أي دار ستصدر؟

لمياء المُقدِّم: عن "الساقي" في (بيروت)

زاهي وهبي: والرواية الأولى؟

لمياء المُقدِّم: "أنت قلت"، صدرت عن الهيئة المصرية للكتاب

زاهي وهبي: في (مصر). أكيد هناك من مُشاهدينا من يمكن أن يهتموا بهذا الموضوع. هلّ يحظى الأدب العربي بما يستحق من اهتمام في الغرب؟ يعني على الأقل من خلال وجودكِ في (لاهاي)

لمياء المُقدِّم: لا، يعني التقصير من الجهتين دائِماً أقول وخاصةً من هنا التقصير. الناس لا يحاولون أن يصلوا لأنّ الآخر لن يأتي إليك ويقول لك أعطني ما كتبته لأراه، أنت يجب أن تذهب إليه. هم يبذلون مجهوداً كبيراً جداً، هناك صناديق كبيرة وهناك مؤسسات وهناك جمعيات، يعني كلّ ما يُمكن أن تتخايله يوظّفونه وميزانيات تُخصّص للترجمة، وعندما يكتشفون مترجماً جديداً يحتفون به ويركّزون أيضاً على اللغات. يقول لك مثلاً، عندنا برنامج في السنتين القادمتين وسنُركِّز على الترجمة إلى اللغة العربية والترجمة إلى اللغة الإسبانية. هناك مجهود كبير جداً ونحن لم نفهم هذا المجهود

زاهي وهبي: كما تعلمين، العرب سابقاً، وحضرتكِ تعرفين أكثر منّي، اشتغلوا على الترجمة من اليونانية إلى العربية واستفادوا من علوم (اليونان)

لمياء المُقدِّم: أكيد

زاهي وهبي: ثمّ تُرجِمت المؤلّفات العربية

لمياء المُقدِّم: إلى لغات أجنبية. هم بنوا علم الجبر والطب وكلّ شيء على ترجمات من العربية

زاهي وهبي: اليوم لا نجد هذه، هناك ترجمات طبعاً ولكننا نشعُر أنها ترجمات عشوائية، يعني بناءً على علاقات شخصية لكتّاب

لمياء المُقدِّم: وأحياناً يدفع الكاتب مُقابل أن يُترجِم كتابه

زاهي وهبي: وربما قد يقرأه خمسة إلى اللغة التي يُترجَم إليها أو عشرة  

لمياء المُقدِّم: صحيح

زاهي وهبي: ولا يكون منتشراً كما نتمنّى ونرغب

لمياء المُقدِّم: هناك حاجة إلى أنه مثلاً وزارة الثقافة تُخصّص ميزانية للترجمة وتؤسّس مؤسّسة تُعنى بالترجمة وتختار الأعمال التي من اللازم أن تُترجم وما إلى ذلك. الموضوع ليس مجهوداً فردياً، ليس مثلاً يأتي شاعِر أو كاتب ويقول لك، " والله أنا أُحب أن أُترجِم كتابي، أو يدفع أموالاً من أجل أن يُترجم له كتابه

زاهي وهبي: لا، عمل مؤسّساتي

لمياء المُقدِّم: عمل مؤسساتي، لا بد من وجود هذه المؤسّسات

زاهي وهبي: الوقت بدأ يُداهمنا وقبل أن ينتهي، لأنني أُريد أن أختُم مع حضرتكِ، نريد أن نهدي "ياسر" شيئاً منك. لكن قبل

لمياء المُقدِّم: لا تطلب مني أن أُغنّي

زاهي وهبي: شعر وترجمة وعمل إذاعي وتمثيل، مثلتِ في فيلمين هولنديين

لمياء المُقدِّم: صحيح

زاهي وهبي: وغناء أيضاً ورسم. لماذا لا تركّزين على شيء واحد، بمعنى أن تُكرّسي وقتكِ وجُهدكِ وموهبتكِ له

لمياء المُقدِّم: لأنّ التركيز على شيء واحد ليس في طبيعتي. أنا شخص يحب أن يجرِّب باستمرار، ومثلما قلت لك، أنا هدفي ليس أن أصل إلى أن أكتب نصّاً عظيماً جداً أو أن أرسم لوحة وأُصبِح فنانة تشكيلية كبيرة. أنا أُجرِّب الأشياء لأنّ عندي ولع بالتجريب، عندي رغبة في أن أُجرِّب الرسم وثمّ عندي اعتقاد أنّ الإنسان أحياناً؛ هناك مثلاً شعراء لم يُقدّموا في حياتهم أو تجرّأوا على كتابة رواية، لكن في الحقيقة لو يُمكن له أن يكتب الرواية قد يكتشف أنه روائي عظيم  

زاهي وهبي: هناك اليوم شعراء أصبحوا أكثر جرأة، شعراء اليوم في عالمنا العربي الكثير منهم أصدروا روايات

لمياء المُقدِّم: هو مُجرّد مثال، لا بدّ من أن ندخل التجربة لنعرِف إذا كنّا ننفع للقيام بهذا لشيء أو لا ننفع. يعني المفروض أن نمُرّ في التجربة أولاً، لكن إذا الشاعر يضع نفسه في قالب أنه فقد الشعر ولا يحب أن يجرِّب أي شيء آخر، من قال مثلاً أنه لا يكتب الرواية بشكلٍ أفضل من الشِعر؟

زاهي وهبي: ممكن أن تحترفي التمثيل؟ خصوصاً أن ملامحكِ المغاربية عموماً

لمياء المُقدِّم: إذا عندك دور لي لا مانع عندي

زاهي وهبي: لا، لكن أعتقد أنّ المُخرجين الغربيين تستهويهم ملامحكِ في بعض الأدوار

لمياء المُقدِّم: فكرة الاحتراف مرفوضة في أيّ جانب. أنا هاوية، هاوية للحياة، أجرِّب الفنون كلها وإذا اكتشفت أنّ عندي القليل من القُدرة على رسم لوحة جميلة فأني سأرسمها وأُغنّي أو أرقُص أو أكتب نصاً شعرياً، وهي كلها تأتي في إطار فكري التجريبي

زاهي وهبي: الرواية التي تحدث عنها "ياسر" مشروع على النار؟ يعني أن تكتبي رواية أم لا زالت مُجرّد فكرة؟

لمياء المُقدِّم: لا زالت مُجرّد فكرة، لكن الفِكرة بدأت قليلاً تأخذ شكلاً بجعلها تفرض نفسها عليَّ باستمرار. مثلاً، من الأشياء التي الآن فرضت نفسها أنني لم أبدأ في ترجمة كتاب جديد لأنني أجّلت فكرة الترجمة بسبب أنني أرغب في أن أُفكِّر في الرواية مثلاً. فهي أصبحت تأخذ أشكالاً حقيقية، فأتمنّى، يعني أرغب في كتابة رواية بصراحة

زاهي وهبي: هلّ تعتبرين نفسكِ شاعِرة وكاتبة تونسية أم لا، أصبحتِ تونسية هولندية أو متعدّدة الجنسيات، مرتبطة بشاعِر مصري مثلاً، عطفاً على الذي حكيناه في البداية عن اللهجة؟ 

لمياء المُقدِّم: ما هو تعريفك للكاتب التونسي أو الشاعر التونسي؟

زاهي وهبي: لا تعريف عندي

لمياء المُقدِّم: أُصنِّف نفسي على أنني شاعرة تونسية، من هو الشاعر التونسي؟ الذي يكتب مثلاً عن (سوسة) أو عن (سيدي بو سعيد)؟

زاهي وهبي: لا، لكن كما تعلمين، الإقامة في مكان داخل الوطن مُختلِفة عن الإقامة خارجه

لمياء المُقدِّم: نعم، ولكن هذا الانتماء هلّ هو الانتماء في المكان أو في الهوية، لكن الانتماء كتابياً؟ كيف تنتمي كتابياً إلى (تونس) مثلاً أو تنتمي إلى (بيروت)؟

زاهي وهبي: هو مُجرّد سؤال، أنا أطرح سؤالاً ولا أُصدِر حكماً أو

لمياء المُقدِّم: الكتابة فوق الهويات، عمل إنساني. لا يُمكن أن تقول هذا يكتب شعراً تونسياً، ممكن هو الشاعر تونسي لأنه مولود في (تونس)، لكن الكتابة ليس عندها هوية ولا يُمكن أن نمنحها هوية

زاهي وهبي: عظيم، لو لم نطرح السؤال لما سمعنا هذه الفِكرة. نختُم لو سمحتِ لي، أنا طبعاً سُعِدت بلفائك، أهلاً وسهلاً بكِ، شرّفتِ "بيت القصيد"

لمياء المُقدِّم: شكراً، يعيشك

زاهي وهبي: وأُحملكِ تحيات لـ (تونس) وللعرب المُقيمين في (لاهاي) جميعاً

لمياء المُقدِّم: يوصل إن شاء الله

زاهي وهبي: نشكُر فريق العمل ومُخرِج البرنامج "علي حيدر" والمنتجة "غادة صالِح"، ومسك الختام نصّ من حضرة جنابكِ

لمياء المُقدِّم: نعم. نصّ قصير إسمه "كلما تفتحت الورود بَكَيت"

كنّا نقفُ أمام إشارةٍ حمراء

عندما غرس أصابعه في شعري

قبّلني ووعدني بحياةٍ سعيدة

ورغم أنهم بعد عامٍ

رفعوا الإشارة القبيحة

بنوا مكانها حديقةً

إلاّ أنني حين أمرُّ بذلك المكان

أقفُ طويلاً وبلا مُبرّر

الورودُ تغيَّر لونها تحت الشمس

تُضيء وتنطفئ

أشمُّ رائِحتها وأبكي

زاهي وهبي: شكراً، شكراً. شرّفتِ